على امتداد ساحل قطاع غزة، لم يعد البحر الذي اعتاد الصيادون أن يخرجوا إليه مع ساعات الفجر بحثًا عن رزق عائلاتهم، كما كان قبل الحرب.
فالقوارب التي كانت تملأ الموانئ والشواطئ تحولت إلى حطام، ولم تسلم مخازن المعدات ومرافق بيع الأسماك من الدمار أيضا، فيما بات الوصول إلى البحر نفسه محفوفًا بالمخاطر.
وبينما كان قطاع الصيد يشكل مصدر دخل أساسيًا لآلاف العائلات في غزة، يواجه القطاع اليوم انهيارًا شبه كامل، بفعل تدمير القوارب ومعدات الصيد والبنية التحتية، إلى جانب القيود المفروضة على حركة الصيادين ومنع إدخال مستلزمات ومعدات الصيد.
وبحسب تقارير أممية سابقة، تعرض أكثر من 90% من قوارب ومراكب الصيد وغرف ومخازن الصيادين للتدمير، ما أدى إلى فقدان آلاف العاملين في هذا القطاع مصدر دخلهم، وألقى بتداعيات مباشرة على توفر الأسماك ومصادر الغذاء في القطاع.
وتعكس المعطيات الحالية حجم الانهيار الذي أصاب قطاع الصيد، إذ تجاوزت نسبة الأضرار التي لحقت بمعدات الصيد والبنية التحتية 95%، وفق تقديرات رئيس النقابة العامة للعاملين في مجال الصيد والإنتاج البحري في قطاع غزة، زكريا بكر، الذي أوضح أن الدمار طال مختلف مكونات القطاع، من القوارب والمعدات إلى مرافق التخزين وبيع الأسماك.
ويؤكد بكر لمراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن زوارق الاحتلال الحربية تفرض حصارًا مشددًا على طول ساحل قطاع غزة، بالتزامن مع استهداف الصيادين والمواطنين بالرصاص الحي والقذائف، الأمر الذي يحرم آلاف العاملين في المهنة من الوصول إلى البحر وممارسة عملهم.
ورغم ذلك، حاول الصيادون البحث عن وسائل بديلة للاستمرار، فلجأ بعضهم إلى استخدام ألواح الفلين وبقايا المراكب المدمرة، في محاولة للحفاظ على مصدر رزقهم، إلا أن الاستهداف والقيود المفروضة على حركة الصيد أديا إلى شلل واسع في القطاع.
ولا تقتصر الخسائر على المعدات؛ فبحسب بكر، قُتل أكثر من 234 صيادًا، وأصيب نحو 160 آخرين، فيما تعرض 150 صيادًا للاعتقال.
وعلى مستوى الممتلكات، يشير بكر إلى تدمير أكثر من 2000 قارب ومعدة صيد بشكل كلي، إضافة إلى تدمير جميع المراكب الكبيرة المعروفة محليًا باسم "اللنشات"، وأكثر من 350 مخزنًا لمعدات الصيد، إلى جانب مرافق حيوية بينها حسبة السمك وسوق الدلالة.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشهد غزة حربًا طالت مختلف مناحي الحياة والقطاعات الاقتصادية والإنتاجية، بما فيها القطاعات الصناعية والزراعية والبحرية، وكان قطاع الصيد من بين القطاعات التي تعرضت لخسائر واسعة، بعدما دُمرت قواربه ومعداته ومنشآته، وفقد آلاف الصيادين مصدر رزقهم، في وقت لا تزال فيه عودة هذا القطاع إلى العمل تواجه تحديات كبيرة.
من 20 طنًا يوميًا إلى 15 طنًا شهريًا
ويظهر أثر هذا الدمار بوضوح في حجم الإنتاج السمكي، فبحسب بكر، كان قطاع غزة ينتج قبل الحرب نحو 15 إلى 20 طنًا من الأسماك يوميًا، بينما لا يتجاوز الإنتاج حاليًا 10 إلى 15 طنًا شهريًا، ما أدى إلى تراجع حاد في كمية الأسماك المتاحة للسكان، وانعكس على واقع الأمن الغذائي في القطاع.
ويؤكد بكر أن منع إدخال مستلزمات الصيد، إلى جانب تدمير القوارب والمعدات والبنية التحتية، يجعل إعادة تشغيل القطاع أمرًا بالغ الصعوبة، ويحول دون عودة آلاف الصيادين إلى أعمالهم.
وفي ظل استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى البحر، ومنع إدخال مستلزمات الصيد، ودمار الجزء الأكبر من القوارب والمعدات والبنية التحتية، تبدو عودة قطاع الصيد في غزة إلى العمل مرهونة بإعادة تأهيل ما دمرته الحرب وتوفير مقومات استئناف المهنة.