في الوقت الذي تواصل فيها زميلاتها الدراسة في عامهم الدراسي الجديد، كانت ريتال أحمد محمد البلبيسي البالغة من العمر 10 سنوات، تصارع آلام المرض والتعب على سرير المرض في مستشفى شهداء الأقصى، بعد أن أصابتها رصاصة من آليات الاحتلال الإسرائيلي، أدت لإصابتها بالشلل النصفي.
البلبيسي تقطن في أحد خيام النازحين بمخيم المغازي وسط قطاع غزة، كانت تقضي وقتها في اللعب وصناعة أساور الخرز لصديقاتها، وتحلم بالعودة إلى مدرستها والمشاركة في الدبكة والكورال والتمثيل، قبل أن تغيّر رصاصة واحدة تفاصيل حياتها، وتحولها لكابوس لا تتمنى سوى أن تستفيق منه وهي تمشي على قدميها لمدرستها.
في ظهيرة يوم الأحد 13 سبتمبر 2026، وبعد يوم دراسي طويل، أُصيبت ريتال بطلق ناري أثناء وجودها في مكان نزوح عائلتها، بطلق تتعمد آليات الاحتلال أن تطلقه يومياً على النازحين، مما يصيب العشرات منهم وقد يستشهد منهم الكثير.
أم محمد البلبيسي والدة ريتال والتي ترافقها منذ إصابتها، وهي أم لخمسة أطفال تقول لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، إن العائلة كانت من سكان جباليا شمال القطاع ، ونزحت إلى المغازي بحثاً عن مكان اعتقدت أنه أكثر أمناً، كما يظن آخرون كثر ينزحون في المنطقة.
هذه المنطقة تقول الأم لجأت لها وعائلتها في المغازي بعد نزوحهم من الشمال، وتضم أعداداً كبيرة من الأطفال والعائلات، وإن إطلاق النار يتكرر في محيطها، فيومياً تشهد المنطقة إصابات بين الأطفال والنساء.
تضيف:" في هذا اليوم كانت الآليات تطلق رصاصها، وكانت ابنتي ريتال تجلس تلعب في الخرز إلا أن صراخ شقيقتها الأخرى ذعرني، فريتال تسيل دماً من ظهرها وبطنها، ليهرع والدها بها مشياً على الأقدام حتى وصلوا لشارع صلاح الدين ومن ثم استقلوا دراجة نارية لتصل لمستشفى شهداء الأقصى.

خوف من تدهور الحالة
وبحسب رواية الأم، اخترقت الرصاصة ظهر ريتال وأصابت منطقة الفقرة السابعة والنخاع الشوكي، ما أدى إلى إصابتها بالشلل. كما تم تركيب أنبوب تصريف للصدر لها، وفق والدتها.
وتقول الأم:" إن الأسرة تحاول الحصول على الرعاية والعلاج اللازمين لابنتها، خوفاً من تدهور حالتها، مضيفة: "أتمنى من الله البنت ترجع تمشي، تقدر ترجع لمدرستها ولفرقة الدبكة التي تحبها، بدنا نلحق البنت قبل ما تتفاقم حالتها".
وتكشف الوقائع الموثقة عن تكرار ارتقاء وإصابة المدنيين داخل أو قرب أماكن النزوح نتيجة إطلاق النار، خاصةً في المناطق الشرقية لقطاع غزة، في محاولة من الاحتلال لإجبار المواطنين على إخلاء هذه المناطق التي باتت باعتبارها مقبرة للنازحين.
فلم تعد الخيمة في غزة مجرد مأوى هشٍّ يحمي النازح من برد الليل وحرارة النهار، بل باتت في بعض المناطق مكشوفة أمام الرصاص، تصيب من بداخلها فتقتل من تقتل وتصيب من تصيب.

طفلة تحب الحياة
قبل إصابتها، كانت ريتال تعيش حياة طفلة تحاول التمسك بتفاصيلها الصغيرة رغم ظروف النزوح والحرب، تحب الحياة وتحيك قصة حب جميلة مع صديقاتها في الصف اللاتي أصررن على كتابة رسائل حب لها، لا ترافقها في غرفتها داخل المستشفى.
تصفها والدتها بأنها طفلة متفوقة في دراستها، تحفظ القرآن الكريم، وتساعد أفراد أسرتها في المنزل، بما في ذلك تعبئة المياه. وتقول إن ريتال كانت حنونة، وإن ذكر الله كان دائماً على لسانها.
كانت ريتال تشارك في أنشطة الدبكة والكورال والتمثيل، وكانت تستعد لمواصلة دراستها في الصف الخامس، لكن الإصابة حرمتها من الذهاب إلى المدرسة، وأوقفت الأنشطة التي كانت تشكل جزءاً من حياتها اليومية.

"كنت بلعب بالخرز"
تتذكر ريتال اللحظات التي سبقت إصابتها، وتقول إنها كانت تلعب بالخرز عندما لاحظتها شقيقتها ونادت والدتها، لتضيف:" كنت بلعب بالخرز، أختي شافتني ونادت أمي، وقتها ما حسيت برجلي، سمعت صوت الرصاصة دخل جسمي.
وكانت ريتال في ذلك اليوم تستعد أيضاً لعيد ميلاد إحدى صديقاتها، فكانت تصنع لها أساور من الخرز لتقدمها هدية، لتضيف:" كان يوم الثلاثاء عيد ميلاد صحبتي، وكنت بحضر أساور خرز عشان أقدملها إياها، هيك إجت الرصاص فيّ".
بعد الإصابة، فقدت ريتال القدرة على تحريك ساقيها، لتقول بحزن وألم "رجلي صار فيها شلل، بقدرش أحركها، وظهري صار يوجعني من النوم عليه، فتضطر أمي تحركني كل ساعتين ولكن هذا يسبب لي الألم".

نفسي أرجع على المدرسة
رغم ذلك، لا تزال الطفلة تتحدث عن حلمها بالعودة إلى حياتها السابقة، وأول ما تفكر فيه هو المدرسة، والعودة لأنشطة الدبكة والكورال والتمثيل التي كانت تجد فيها مساحة للفرح والتعبير عن نفسها في ظل ظروف الحرب الصعبة والقاسية.
واليوم، أصبحت هذه الأنشطة جزءاً من ذكريات ما قبل الإصابة، بينما تواجه ريتال رحلة جديدة من العلاج والتأهيل.
أما والدتها، فتتعلق بأمل أن تتمكن ابنتها من استعادة قدرتها على الحركة، والعودة إلى المدرسة والأنشطة التي أحبتها.
بالنسبة لعائلة ريتال، كان النزوح محاولة لحماية أطفالها، لكن الطفلة أصيبت داخل مكان نزوحها، لتجد الأسرة نفسها أمام تحدٍ جديد يتعلق بعلاج طفلة في العاشرة من عمرها أصيبت في نخاعها الشوكي.
ولم تعد ريتال تطلب الكثير، فبعد أن كانت تفكر في المدرسة وصديقاتها وأساور الخرز والدبكة، أصبح حلمها الآن أن تتمكن من تحريك ساقيها والمشي من جديد، لتعود لمدرستها ولفرقة الدبكة.
وتأمل الأسرة في أن تحصل ريتال على الرعاية الطبية والتأهيلية التي تحتاجها، وأن يتم التعامل مع إصابتها قبل أن تتفاقم حالتها، وأن تتحقق أمنيها في الرجوع للمدرسة فتقولها ببساطة، وكأنها تختصر بها كل ما تريده من حياتها الجديدة "نفسي أرجع للمدرسة".