لم تكن المواطنة فداء خضر فرحات، من سكان حي الزيتون بمدينة غزة والنازحة في المناطق الشرقية لشارع صلاح الدين وسط قطاع غزة، تعرف أن صباحها سيكون مختلفاً، وستكون نهايته على سرير الموت بعد أن أصابتها طلقات من آليات الاحتلال الإسرائيلي التي تطلق نيرانها بكثافة بين البريج والمغازي في منطقة ظنت وعائلتها أنها آمنة.
ففي قطاع غزة المكلوم، لم تعد الخيمة تحمي ساكنيها من رصاص الآليات الإسرائيلية، التي تطلق سمومها بشكل يومي تجاه خيام النازحين، ليس بشكل عشوائي أو طائش بل متعمد، وبات روتين شبه يومي، حيث بات الخطر يداهم خيامهم لتضيف خطرًا جديدًا إلى قائمة طويلة من المخاطر التي تحاصرهم.
وتشير الحياة داخل مخيمات النزوح إلى ظروف مختلفة للغاية لا يدركها إلا من كان يعيش فيها، فهي لا تحمي من حر الصيف ولا برد الشتاء، كما لا توفر حماية حقيقية من الرصاص. فلا جدران إسمنتية ولا أبواب مغلقة ولا غرف داخلية يمكن اللجوء إليها عند سماع إطلاق النار.
أبو يزن طوطح، شقيق فداء تحدث بحرقة عن واقع مأساوي تعيشه العائلات النازحة التي لجأت لتلك المنطقة بعد نزوحها من حي الزيتون إبان الحرب الشرسة، فكان لهم نصيب من الخوف اليومي من الرصاص الذي يُهدد مخيمات النزوح، فتصل الطلقات النارية لمنازلهم بشكل يومي.
يشير طوطح إلى أنه اضطر لصنع سواتر ترابية لمنع وصول الرصاص لخيامه وخيام إخوته المحيطة حوله، نظراً لتكرار الإصابات جراء الرصاص الذي يصل لخيام النازحين في المنطقة.
يقول طوطح:" منذ الصباح ونحن نعاني من إطلاق النار المباشر، فنحاول الاحتماء بالأرض أو الابتعاد عن محيط الخيمة، لكن المنطقة جميعها مكشوفة للاحتلال بسبب التدمير والنسف المتواصل للمنازل في المنطقة".
يضيف:" شقيقتي كانت نائمة في خيمتها ولم يكن الأمر سوى استهداف مباشر لها ولأطفالها الخمسة، حيث كانوا يستعدون للذهاب لمدارسهم، لكنهم تعرضوا للخوف والهلع بسبب عدم قدرتهم على حماية أنفسهم وفي نفس الوقت برؤية والدتهم تنزف دماً أمامهم، فكان نجلها المصاب أيضاً ينادي لتنقذه لكنه لا يدري أنها سبقته للموت".
يودع أبو يزن شقيقته وهي الرابعة بين إخواته الذين فقدهم خلال الحرب، فقبل شهرين من اليوم ارتقى شقيقه شهيداً فيما ارتقت شقيقتين له خلال الحرب، لتودع العائلة 4 من أبنائها.
ولا يفكر أبو يزن في الخروج من المنطقة، كونها المكان الذي نزح إليه ولا يمكن إيجاد أماكن بديلة بسهولة كما السابق، وبات الأمر بالنسبة للاحتلال أسلوب حياة، وبالنسبة للنازح حلقة متواصلة من الخوف؛ فالمواطن الذي فقد منزله قد لا يجد أمامه سوى خيمة، والخيمة نفسها لا توفر حماية من الرصاص.
وقد وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في أغسطس/آب 2026، أشار المركز إلى تصاعد حوادث إطلاق النار باتجاه المدنيين في مناطق غرب ما يسمى «الخط الأصفر» وفي مخيمات النزوح، وقال إن هذه الحوادث أدت إلى إصابة عدد من المدنيين.
ومن بين الحالات التي وثقها المركز، إصابة خمسة مواطنين، بينهم امرأة وطفلتان، جراء إطلاق نار باتجاه خيام للنازحين غربي خان يونس في 8 أغسطس/آب، فيما توفيت الطفلة صبا نعيم عبد الله الحشاش، البالغة 12 عامًا، متأثرة بإصابتها بعد يومين. كما وثق المركز استشهاد مواطن آخر إثر إصابته بعيار ناري في الرأس أثناء وجوده في منطقة أبو العجين جنوب شرقي دير البلح.
وتظهر بيانات رصد النزوح الداخلي في غزة حجم الخطر الذي يواجهه المدنيون؛ إذ وثق تقرير للرصد خلال أبريل/نيسان حوادث إطلاق نار باتجاه خيام نازحين في مناطق مختلفة، بينها البريج وجباليا وخانيونس، أسفرت في حالات موثقة عن إصابات واستشهاد مواطنين.
باتت خيام النازحين مقبرة لأصحابها، فالخوف بات يسيطر على ساكنيها جراء الاستهداف المباشر، لإجبارهم على إخلاء تلك المناطق من ساكنيها، الأمر الذي يتطلب تدخلاً عاجلاً من الوسطاء والمؤسسات الحقوقية والإنسانية.
وفي غزة، لم تعد الخيمة مجرد غطاء من القماش، بل آخر مساحة تحاول العائلة أن تتمسك فيها بحياة طبيعية وسط النزوح، لكن عما يسوء الأمر أكثر هو وصول طلقات النار إلى هذه المساحة الهشة، ليصبح السؤال أكبر من مجرد إصابة أو رصاصة، ممن يملك جدرانًا يحتمي خلفها قد يجد مكانًا يختبئ فيه، أما من لا يملك سوى خيمة، فأين يذهب عندما يصبح صوت الرصاص أقرب من أي وقت مضى؟