ثابت العمور
على وقع أنين 22 شهيداً قضوا نحبهم تحت عمارة السعادة غرب مدينة غزة -لأنه لم تكن هناك آليات ورافعات ترفع الركام عن صدورهم وقلوبهم- رحلوا ليُضافوا إلى قائمة تقترب من 80 ألف شهيد، و12 ألف معتقل، و10 آلاف مفقود، و66 ألف يتيم، و35 ألف أرملة، وآلاف المصابين والمبتورة أطرافهم؛ في مشهدٍ وصفت فيه المحكمة الجنائية الدولية ما فعلته "إسرائيل" في قطاع غزة بأنه جرائم حرب وجرائم إبادة. والحال هذه من المقتلة تمتد من غزة إلى الضفة الغربية مروراً بالقدس المحتلة.
لم يعد السؤال المشروع: كيف وقعت النكبة وتلتها النكسة ولماذا ضاعت فلسطين؟ بل حتى السؤال: كيف ارتكبت "إسرائيل" كل هذه الجرائم في غزة من دون خوف أو خشية من ردة فعل الدول العربية؟ لم يعد ذا أولوية. السؤال المفخخ الآن: لماذا تُقوّي وتعزّز بعض الدول العربية علاقتها بـ "إسرائيل" بدلاً من قطعها رداً على الإبادة في غزة، والضم في الضفة، والتهويد في القدس؟
على وقع الدم والهدم في فلسطين، أعلنت "إسرائيل" أنها اتفقت مع المغرب على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل فتح السفارات وتعيين سفيرين. وذكر بيانٌ نشره حساب "إسرائيل بالعربية" التابع لحكومة الاحتلال على منصة (إكس) في 16 أيلول/ سبتمبر 2026، أن القرار اتُّخذ خلال "قمة ثلاثية تاريخية في نيويورك" ضمت وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، ونظيره المغربي ناصر بوريطة، والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وقد جاء الاجتماع بعد يوم من فعالية استضافها "والتز" في مقر إقامته بمناسبة مرور ست سنوات على "اتفاقيات أبراهام"، بمشاركة ممثلين عن الإمارات، والبحرين، والمغرب، وكازاخستان، و"إسرائيل"، والولايات المتحدة. فما الذي يعنيه قرار رفع التمثيل الدبلوماسي بين المغرب و"إسرائيل"؟!
إن قرار المغرب رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع "إسرائيل" إلى مستوى سفارات وتبادل سفراء ليس مجرد خطوة إضافية على طريق التطبيع الذي بدأ عام 2020، ولا معنى للقرار هنا من زاوية أن القرارات السياسية تقتضي سيادة، ولا سيادة لدولة عربية ترهن بقاء نظامها السياسي وشرعيتها من خلال استرضاء واشنطن والحجيج صوب "تل أبيب". صحيح أنه لا جديد يُضاف إلى سجل العلاقة بين الرباط و"تل أبيب"؛ ذلك أن العلاقات السياسية والأمنية والعسكرية والاستخبارية والتنسيق الأمني بينهما قد قطع شوطاً كبيراً، لا سيما خلال الحرب على قطاع غزة، ولكن رفع التمثيل الدبلوماسي يعني شرعنة هذه العلاقات، والموافقة الضمنية على كل ما فعلته وتفعله "إسرائيل".
رفع التمثيل الدبلوماسي بين المغرب و"إسرائيل" يعني أن المغرب لا يعترض على جرائم الإبادة الحاصلة في قطاع غزة، ولا الضم المتدحرج في الضفة الغربية، ولا التهويد على مدار الساعة في القدس المحتلة. والقرار في هذا التوقيت يعني مكافأة لنتنياهو الذي رفض التوافقات الأخيرة التي شهدتها القاهرة، والتي تقتضي الانسحاب من غزة وبدء الإعمار وتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب.
وفوق ذلك، يُعزّز القرار حظوظ نتنياهو ويقوّي نقاطه في مزاد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؛ إذ بعد قليل سيخرج نتنياهو ليقول: إن الذين يظنون أن الحرب على غزة أفضت إلى تراجع العلاقات بين "تل أبيب" والعواصم العربية يعيشون على وقع الوهم، والدليل انظروا إلى العلاقة مع الرباط!
إن رفع التمثيل الدبلوماسي مع "إسرائيل" في هذا التوقيت بالذات لا يعني استقلالية القرار السياسي، ولا يعني واقعية سياسية، ولا رابط بينه وبين المصالح الدبلوماسية؛ إذ إن مصلحة المغرب الآن تقتضي أن يُعيد مراجعة علاقاته مع "إسرائيل"، لا أن يرفع التمثيل الدبلوماسي معها؛ ذلك أن أحد محددات شرعية النظام السياسي المغربي أنه يقدم نفسه للداخل والخارج من بوابة ترؤسه "لجنة القدس"، فهل يستقيم رفع التمثيل الدبلوماسي مع "إسرائيل" لدولة تترأس لجنة القدس على وقع ما يحدث في القدس؟!
إن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين المغرب و"إسرائيل" لا يمكن اعتباره مجرد خطوة إجرائية في السياسة الخارجية، بل هو محطة فارقة تكشف عن أزمة أخلاقية وسياسية وقومية وعربية وإسلامية، وتكشف عن حالة التردي التي باتت عليها بعض الأنظمة العربية. وستفضي هذه الخطوة إلى ردة فعل على مستوى العلاقات العربية البينية؛ ذلك أن اقتراب المغرب من "تل أبيب" يعني ابتعاده بالقدر نفسه عن الجزائر، وابتعاده عن فلسطين، وابتعاده عن قاعدة جماهيرية شعبية مغربية ما زالت ترى في فلسطين قضية مركزية للأمة جمعاء.
منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي والمغرب يُقدم نفسه كحامٍ وراعٍ للحقوق الفلسطينية في القدس، ويمضغ الماء في كل خطاباته، لينتهي المشهد ويُرفع الستار عن قرار رفع التمثيل الدبلوماسي مع حكومة جعلت من تهويد القدس أحد أهم بنود أجندتها السياسية؛ إننا أمام مفارقة سقطت من خلالها الأقنعة والبيانات والخطابات كافة على مذبح الحقوق الفلسطينية.
قرار المغرب رفع التمثيل الدبلوماسي مع "إسرائيل" برعاية أميركية لا يُمكن اعتباره سوى سوء تقدير، وضيق أفق، ولا مصلحة فيه ولا شرعية له؛ لأن قطار التطبيع منذ بدأ كان يمر على وجدان الشعوب من القدس إلى الرباط. وإن حرية بناء العلاقات لا تكون بالتحالف مع حكومة الاستيطان الإسرائيلية، ولا تكون على حساب الأمن القومي للمنطقة العربية، ولا بإدخال "إسرائيل" إلى شمال أفريقيا وعلى حساب الأمة كلها؛ ذلك أن وجود "إسرائيل" وبقاءها يتعارض ويتنافى ويهدد كينونة الأمة العربية والإسلامية، فكيف برفع العلاقات الدبلوماسية معها؟!
رفع التمثيل الدبلوماسي بين المغرب و"إسرائيل" هو تتويج لمسار منحرف بدأ منذ نصف قرن، عند اللحظة التي كانت فيها "إسرائيل" تتنصت وتتجسس على القمة العربية في المغرب عام 1965. وقد كشف رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" الأسبق، الجنرال شلومو غازيت، في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، أن "إسرائيل" حصلت على تسجيلات القمة العربية الخاصة التي عُقدت في المغرب عام 1965. وخلال حوار مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، قال: "إن تلك القمة شهدت مشاركة وزراء الدفاع العرب وقادة جيوشهم وهيئات أركانهم ورؤساء أجهزتهم الأمنية، حيث قدموا استعراضاً تفصيلياً وإحصائياً لعديد القوات والقدرات والإمكانيات والخطط العسكرية". وبعد عامين كانت النكسة، واحتُلت القدس وغزة وسيناء.
إن العلاقة بين "تل أبيب" والرباط ماضية ولا تبالي بالمتغيرات الإقليمية الحاصلة، ولا بتردي العلاقات البينية العربية التي وصلت حد القطيعة. سيقف التاريخ مطولاً مشدوهاً عند حافة التيه عندما يرى علاقات عربية–عربية مقطوعة، مقابل علاقات عربية–إسرائيلية يُرفع فيها مستوى التمثيل الدبلوماسي!
بينما تتصارع الدول العربية فيما بينها، تمضي الرباط صوب "تل أبيب" لغاية حماية الاستثمارات، ومنع الازدواج الضريبي، وتسهيل الاستثمارات، وتوسيع الرحلات الجوية. هنا نحن نقف على أبواب تكامل اقتصادي وليس مجرد علاقات سياسية عادية أو عابرة، وإذا استمرت الوتيرة الحاصلة، فقد نصل إلى وحدة سياسية عابرة للتحالفات التقليدية.
إن قرار رفع التمثيل الدبلوماسي يعني أن التطبيع ماضٍ، وأن الإبادة وجرائم الحرب التي ترتكبها حكومة "إسرائيل" لن تُعيق أو تُعطل أو تُجمّد العلاقة، حتى وإن كانت تلك العلاقة على حساب العلاقات المغربية-العربية. والقرار يعني أن العلاقات الدبلوماسية بين الرباط و"تل أبيب" تطورت من مجرد تطبيع إلى شراكة سياسية واقتصادية مؤسسية، ما يعني أنها ستتطور والتراجع عنها مستقبلاً سيكون مستحيلاً.
القرار يعني أن "إسرائيل" الآن باتت عاملاً مؤثراً في الأمن القومي العربي وتحديداً في شمال أفريقيا، وتقف على حدود الجزائر وليبيا، وهذا سيُفضي إلى صراع واستقطاب بين دول المغرب العربي لا يخدم إلا "إسرائيل" التي تشد الأطراف هناك.
ختاماً، إن المغرب بقرار رفع التمثيل الدبلوماسي مع "إسرائيل" في هذا التوقيت، يُكافئ "إسرائيل" على جرائمها التي ترتكبها في غزة والضفة والقدس واليمن ولبنان وفي كل الساحات، ويُفكك العزلة والحصار عن حكومة الإبادة في "تل أبيب"، ويمنحها مكسباً دبلوماسياً بأنها نجحت في اختراق عاصمة لجنة القدس.