حين صار الغد خارج القدر.. حكاية "الطبخة الواحدة" في غزة

الساعة 09:44 ص|17 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم

في غزة، لم تعد العائلات تطهو كما كانت تفعل قبل السابع من أكتوبر؛ فبعد أن كانت الوجبة تُعد بكميات تكفي ليومين، لتوفير كلفة الطبخ والغاز والوقت، بات كثير من الأسر يكتفون بطبخة تكفي ليوم واحد فقط.

والسبب لا يرتبط بتغير العادات الغذائية بقدر ما تفرضه ظروف الحياة القاسية؛ فلا كهرباء مستقرة لتشغيل الثلاجات وحفظ ما تبقى من الطعام، وإن توفرت الكهرباء البديلة عبر مولدات الشوارع، فإن الحصول عليها بات مكلفًا بصورة تفوق قدرة كثير من الأسر، إذ يصل سعر الكيلوواط الواحد إلى نحو 30 شيكلًا، مقارنة بنحو نصف شيكل فقط قبل السابع من أكتوبر عبر شركة الكهرباء.

وبين ثلاجة لا يمكن تشغيلها إلا بكلفة مرتفعة، وطعام قد يتعرض للتلف إذا تُرك حتى اليوم التالي، أصبحت الأسر أمام خيار صعب: إما طهي كمية قليلة تكفي ليوم واحد، أو المخاطرة بخسارة ما تبقى من الوجبة.

وهكذا، تحولت "الطبخة الواحدة" من وسيلة للتوفير كانت تعتمدها الأسر لإطالة عمر الوجبة، إلى ضرورة تفرضها أزمة الكهرباء وارتفاع كلفة الحصول عليها، في واقع يضيف عبئًا جديدًا إلى تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة.

05fa8895eb1bc8f990101c8ad69619c6
 

وبين الخوف من فساد طبختها، وارتفاع كلفة الكهرباء البديلة، تقف أم يزن حائرة أمام قدر الطعام؛ فبعد أن كانت تطهو ما يكفي أسرتها ليومين، باتت تكتفي بكمية محدودة تكفي ليوم واحد، حتى لا تخسر ما تبقى منها.

وتقول أم يزن إن إعداد الطعام بكميات تكفي يومين كان بالنسبة لها وسيلة للتوفير، إذ كانت تتجنب إعادة إشعال النار وتحمل كلفة الغاز في اليوم التالي، لكن غياب الكهرباء جعل الاحتفاظ بالطعام مخاطرة لا تستطيع تحملها.

وتضيف لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": "كنا نعمل طبخة تكفينا يومين عشان نوفر الغاز والمصاريف، لكن هلا ما بنقدر، إذا ضل الأكل لبكرة ممكن يخرب، وما بنقدر نشغّل الثلاجة وقت كبير لأن الكهرباء البديلة غالية جدًا"

ولا تقف معاناة أم يزن عند الطعام نفسه، فحتى محاولة تشغيل الثلاجة لحفظ ما تبقى من الوجبة أصبحت كلفة إضافية، في وقت تحاول فيه الأسرة تدبير احتياجاتها الأساسية بأقل الإمكانات.

وفي بيتٍ آخر، تتقاسم أم الأمير المخاوف ذاتها مع جارتها أم يزن، وإن اختلفت تفاصيل يومها؛ فالمشكلة بالنسبة لها لا تبدأ من اختيار ما ستطبخه، بل من التفكير فيما إذا كان بإمكانها الاحتفاظ بما يتبقى من الطعام إلى اليوم التالي.

Gaza_WFF_displaced_WF1832618_20240111_PSE_Ali-Jadallah_3I8305
 

وتقول لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": "صرت أطبخ على قدّ اليوم، ما بقدر أعمل كمية كبيرة مثل زمان، لأنه إذا ظل الأكل لبكرة وما في كهرباء تحفظه ممكن يفسد ونخسر الأكل، حتى الطبخة صارت بدها حساب، نحسب كمية الأكل والغاز أن توفر أو الحطب وكل شيء قبل ما نحط القدر على النار."

لكن هذه المعاناة لا تنتهي عند الأسر التي تملك ثلاجات، فهناك عائلات أخرى، ولا سيما التي تعيش في الخيام، لا تملك أصلًا ثلاجة أو مصدرًا للكهرباء، ما يجعل حفظ الطعام إلى اليوم التالي أمرًا شبه مستحيل.

image-1785788396
 

وفي إحدى الخيام، تعيش أم أحمد مع أسرتها في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة؛ فلا مجال لطهي كميات كبيرة أو الاعتماد على بقايا الوجبة، إذ يفرض غياب الثلاجة والكهرباء عليها إعداد ما يكفي أفراد أسرتها ليوم واحد فقط.

وتقول أم أحمد لـ"مراسلنا": "إحنا بالخيمة ما عنا لا ثلاجة ولا كهرباء، عشان هيك بطبخ على قدّنا، اللي بنعمله اليوم بنوكله اليوم، ما بنقدر نخلي الأكل لبكرة لأنه ما في مكان نحفظه فيه، وحتى لو توفر مكان لحفظه، بيكون مكلف جدًا وما بنقدر عليه"

وفي محاولة لسد هذه الفجوة، ظهرت نقاط مخصصة لحفظ الطعام، تعتمد على مصادر طاقة ومواتير لتشغيل الثلاجات، وتتيح للأسر تخزين ما تبقى من وجباتها إلى اليوم التالي بدلًا من تركها عرضة للتلف. غير أن الاستفادة من هذه الخدمة تفرض كلفة إضافية على الأسر؛ إذ تشير المعلومات إلى أن ثمن تخزين علبة الطعام لليوم التالي يتراوح بين 5 و10 شواكل، وهو مبلغ يضاف إلى كلفة الطعام والغاز وبقية الاحتياجات اليومية.

وهكذا، لم تعد قصة "الطبخة الواحدة" مرتبطة بما تفضله الأسرة أو بما اعتادت عليه، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لواقع اقتصادي ومعيشي يفرض على الغزيين إعادة حساب تفاصيل كانت تبدو بسيطة؛ من كمية الطعام التي توضع في القدر، إلى إمكانية حفظ ما يتبقى منه لليوم التالي.