استخدام السلاح "خارج إطار الدولة"؛ "إسرائيل" نموذجاً...!!

الساعة 09:24 ص|15 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم | محمد هلسه

استخدام السلاح "خارج إطار الدولة"؛ "إسرائيل" نموذجاً...!!

أدّى منطق احتكار القوة والحرص على منع تشكّل أيّ قُدرة عسكرية عربية، داخل فلسطين أو خارجها، إلى أن يتحوّل مطلب "نزع السلاح" إلى ركيزة أساسية في صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي قامت على توسيع المجال الحيوي، وخلق عمق استراتيجي، والسعي إلى فرض ترتيبات عسكرية تُضعف الخصوم وتقيّد قدراتهم. وقد تبلورت هذه الرؤية في صورة مناطق عازلة، أو ترتيبات نزع أو تقييد السلاح، التي حملت في ظاهرها طابعاً متبادلاً، لكنها في التطبيق العملي مالت لمصلحة "إسرائيل".

تجسّد هذا المنطق بوضوح في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، حيث أصرّت "إسرائيل" على نزع سلاح سيناء، في مقابل ما اعتبرته "تنازلاً عن العمق الاستراتيجي"، فكان الانسحاب مشروطاً بإعادة هندسة المجال العسكري المصري في شبه الجزيرة، لا بمجرّد إعادة الأرض.

كما حدث الأمر ذاته في ترتيبات فصل القوات في الجولان السوري بعد عام 1974، حيث تحوّلت المناطق "منزوعة السلاح" تدريجياً إلى مناطق متنازع عليها، ثمّ إلى وقائع ميدانية تُكرّس السيطرة الإسرائيلية وتمنحها شرعية الأمر الواقع. ثمّ كرّست "إسرائيل" هذا النهج لاحقاً، في اتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين، وأخيراً في اتفاق وقف إطلاق النار السابق مع السلطة في لبنان.

كشفت هذه النماذج أنّ الشكوك الإسرائيلية تجاه دول المنطقة لا تبدو قابلة للتبدّد إلا عبر احتلال مباشر أو نزع سلاح فعلي. فـ "إسرائيل" تنطلق من فرضيّة ثابتة مفادها أنها مُحاطةٌ ببيئات عدائية قابلة للتصعيد في أية لحظة، ما يبرّر في نظرها تغيير الوقائع الجغرافية حتى لو تعارض ذلك مع سيادة الدول الأخرى وحقوقها.

لكنّ المثير للسخرية، أنّ "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية، وهما ترفعان هذه اللافتة وتشترطانها عل بعض دول المنطقة، تُمثّلان صورة صارخة للسلاح "المُنفلت" خارج إطار الدولة. فالولايات المتحدة هي أكبر دولة يحمل مدنيّوها السلاح.

إذ تشير التقديرات إلى أنّ المدنيين الأميركيين يمتلكون 393 مليون قطعة سلاح ناري، وأنّ 35% إلى 42% من الأسر الأميركية لديها سلاح واحد على الأقل. وبذلك تمتلك أميركا أكبر رقم تقديري للأسلحة النارية لكلّ فرد في العالم، والذي يبلغ 120.5 سلاحاً نارياً لكلّ 100 شخص، رغم أنّ الولايات المتحدة ليست مهدّدة بغزو ولا محاطة بكيان صهيوني استعماري استيطاني!

ولا يختلف الأمر كثيراً في "إسرائيل"، التي يحمل كلّ "مدنيّيها" السلاح، بل توزّعه "الدولة" عليهم مجاناً. ناهيك عن أنّ "إسرائيل" استخدمت، وما زالت، السلاح خاج إطار الدولة بمفهومه الواسع الفجّ، في أربع حالات واضحة؛ الأولى، في يد العصابات الصهيونية قبل إقامة "الدولة"، والثانية في يد عصابات المستوطنين بعد إقامة "الدولة"، والثالثة، في يد عصابات الإجرام في الداخل الفلسطيني المحتل، والرابعة، في يد عصابات العملاء المُسلحة في غزة، والتي يحميها الاحتلال ويدفعها لتنفيذ مهمات قذرة ضدّ المواطنين في القطاع، بما في ذلك السطو والقتل والخطف.

ولو أننا عُدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، لوجدنا أنّ العصابات والميليشيات الصهيونية المُسلحة، مثل الهاغاناة، البلماح، الأرغون، شترين، وليحي، أدّت كلّها دوراً مركزياً واستراتيجياً في الإرهاب الصهيوني وتهجير الشعب الفلسطيني وإقامة "دولة إسرائيل".

كما مارست الترويع والتهجير القسري عبر استخدام العنف المدمّر والتفجيرات في الأسواق والقرى، ونفّذت عشرات المجازر المروّعة بحقّ المدنيين الفلسطينيين لبثّ الرعب وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين. كما شنت هذه العصابات هجمات ضدّ مراكز الشرطة والجيش والبعثات البريطانية لتسريع انسحابهم وإعلان "الدولة".

وبالطبع، كان هذا كلّه بتوجيهٍ من قيادة الحركة الصهيونية قبل أن تندمج هذه العصابات بقرار من ديفيد بن غوريون لتمثّل النواة الرسمية لـ "الجيش" الإسرائيلي بعد إعلان قيام "الدولة".

وبعد إقامة "إسرائيل"، انتقل سلاح "الانفلات" إلى عصابات المستوطنين، حيث أثبت الواقع الموثّق، أنّ آلاف المستوطنين زُوّدوا بأسلحة نارية وملابس عسكرية، وقد عمل بعضهم ضمن فرق دفاع لوائية أو وحدات احتياط أو أطر أمنية محلية.

كما وثّقت منظمات حقوقية حالات لمستوطنين جنود في الخدمة أساءوا استخدام سلطتهم، وجنود احتياط في إجازة، ومنسّقي أمن مدنيين، تجاوزوا صلاحياتهم، فضلاً عن مستوطنين ارتدوا الزي العسكري وتصرّفوا بصورة مستقلة.

والمعضلة التي يمثّلها المستوطنون لا تنحصر فقط في أعداد الأسلحة التي يحوزونها، بل في بُنية كاملة من القوة والحماية والإفلات من العقاب. وفيما يُطلب من الفلسطينيين أن يثبتوا أهليّتهم "للسلام" عبر التخلّي عن أدوات المقاومة، تُعامل، في المقابل، جماعات استيطانية مسلحة، تتمتع بدرجات عالية من الحماية الرسمية، باعتبارها مشكلة "اضطراب تربوي مدني" يمكن احتواؤها، رغم أنّ تقارير الأمم المتحدة تصف عنف المستوطنين بأنه منسّق واستراتيجي، تؤدّي سلطات الاحتلال الإسرائيلية دوراً مركزياً في توجيهه أو المشاركة فيه أو تمكينه.

والمفارقة العجيبة هي أنّ المجتمع الدولي يختزل المقاومة الفلسطينية والعربية في سؤال السلاح، لكنه لا يضع بالجدّية نفسها سؤال البنية التي تُنتج العنف الاستيطاني، من استمرار الاحتلال، ومصادرة الأراضي، وتسليح المستوطنين، وتوفير الحماية العسكرية لهم، والتمييز في إنفاذ القانون، والامتناع عن المحاسبة.

أما النموذج الثالث للسلاح "المُنفلت" الذي تدعمه وتوظّفه "إسرائيل"، فهو ما تشهده مناطق الداخل الفلسطيني المحتل (مناطق 48)، من تصاعد خطير في معدلات الجريمة المنظّمة وعنف أودى بحياة المئات وسط اتهامات واسعة وموثّقة لشرطة الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة أمنه بالتواطؤ والتغاضي المتعمّد عن حيازة السلاح واستخدامه من قبل عصابات الإجرام.

بل وتوفّر "الدولة" بيئة حاضنة وغطاء غير مباشر لهذه العصابات، حيث تُستخدم الجريمة المنظّمة كأداة هادفة وممنهجة من قِبل أجهزة الاحتلال لضرب الأمان المجتمعي وإشغال الفلسطينيين في الداخل بقضايا الدم والنزاعات الداخلية عن قضاياهم الوطنية والسياسية الكبرى.

وما دمنا نتحدّث عن توظيف السلاح المُنفلت، فلا يفوتنا الحديث عن عصابات العملاء المسلحة في غزة (أو ما يُعرف بالمجموعات والمليشيات المتعاونة مع الاحتلال). وهي ظاهرة أمنية برزت بشكل لافت خلال فترة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتحديداً منذ أواخر عام 2024 وامتداداً حتى عام 2026 الحالي.

أُنشئت هذه المجموعات بـتوجيه ودعم مباشر من جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك"، بهدف ضرب الجبهة الداخلية وفَرْض واقع أمني بديل لحركة حماس. تخصصت هذه العصابات في البداية بنهب شاحنات المساعدات وحماية تحركات آليات الاحتلال، ثم تجاوزت مهامها فكرة الفوضى العشوائية لتأخذ طابعاً وظيفياً وتكتيكياً يخدم "جيش" الاحتلال ميدانياً، مثل السيطرة على خطوط الإمداد وشاحنات الإغاثة لتعميق حالة المجاعة والابتزاز.

ثمّ انتقلت إلى تقديم معلومات مباشرة للاحتلال عن المقاومين، والأنفاق، وأماكن الأسرى الإسرائيليين، والعمل كـ"دروع بشرية" أو خطوط تمشيط أمامية لـ "جيش" الاحتلال. لاحقاً طوّرت هذه العصابات تكتيكاتها لتنفيذ عمليات اختطاف واغتيال استهدفت ضباطاً في الأجهزة الأمنية بغزة، وعمليات اختطاف لمقاتلين من الفصائل لانتزاع معلومات أمنية حساسة.

والسؤال المُرّ، لماذا لا يتحدّث أحدٌ في العالم عن نزع سلاح عصابات المستوطنين أولاً، ثمّ عصابات العملاء في غزة وعصابات الجريمة في الداخل الفلسطيني المحتلّ! ولماذا لا يشترط العرب ربط نزع سلاح "المنظّمات" أو "الأحزاب" العربية، بالتزامن مع نزع سلاح المستوطنين!

فهل يحقّ لـ "إسرائيل" ما لا يحقّ لغيرها، وكيف تستطيع أن توازن بين سلاح "جيشها" الرسمي القوي المدجج، وسلاح "العصابات" وأن تتعايش معه وتوظّفه لخدمة مآربها، وأن تنجو من الانتقاد والمساءلة، فيما يعجز خصومها العرب عن إيجاد صيغة للتعايش والتفاهم مع سلاح فصائل المقاومة وهم بأمسّ الحاجة إليه للدفاع عن أمنهم الذي تستبيحه "إسرائيل" وتستقوي وتعتدي عليه..!

 

كلمات دلالية