في تحول نوعي يفضح طبيعة الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، كشف تقرير حقوقي جديد صادر عن منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية عما أسماه "مشروع المحو"، مؤكداً أن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد "انتهاكات عابرة" أو "تجاوزات فردية" لجنود مأجورين، بل هو حلقات متسلسلة في منظومة إبادة بطيئة ومنهجية
وبحسب تقرير بيتسيلم، تهدف هذه المنظومة إلى تجفيف مقومات الحياة الفلسطينية، تفكيك النسيج الاجتماعي، وترسيخ سيطرة المستوطنين في تصعيد غير مسبوق تصاعدت وتيرته منذ تشكيل حكومة اليمين المتطرف أواخر عام 2022، وبلغ ذروته الدموية بعد تشرين الأول 2023.
ويفند التقرير وهم "الحوادث المنفصلة" الذي تروجه الدعاية الإسرائيلية، مشدداً على أن مصادرة الأرض، وهدم البيوت، وإغلاق الطرق، والخنق الاقتصادي، ليست ممارسات عشوائية، بل أدوات متضافرة تعمل كآلة واحدة لسحق إرادة 3.5 مليون فلسطيني.
ولم يعد الهدف مقتصراً على السيطرة الأمنية المؤقتة، بل يتجاوزها إلى إعادة هندسة الحيز الجغرافي والديموغرافي لجعل الوجود الفلسطيني هشاً ومجزأ وقابلاً للاختفاء التدريجي، مقابل تكريس السيطرة الاستيطانية كأمر واقع لا رجعة فيه.
ويستند التقرير إلى مفهوم "منطق المحو" الذي صاغه المؤرخ باتريك وولف لتفسير آلية عمل المشاريع الاستعمارية الاستيطانية في تقليص وجود الشعب الأصلي.
ويوضح أن هذا المنطق هو امتداد مباشر للنكبة (1947-1949) التي شهدت تهجيراً قسرياً ومصادرة للأراضي، مروراً باحتلال عام 1967 واتفاقيات أوسلو التي شكلت غطاءً لاستمرار الاستيطان والتفتيت المكاني، وصولاً إلى واقع "النكبة المستمرة" التي تتغير أدواتها لتصبح أكثر وحشية وتطوراً بهدف فرض سيادة عنصرية حصرية.
ويؤطر التقرير "مشروع المحو" ضمن بنيته الطبيعية المتمثلة في نظام "الأبارتايد" الشامل بين النهر والبحر؛ حيث يقابل القانون المدني، والحصانة الكاملة، والتمويل الضخم للمستوطنين، آلة قمع عسكري وقانون عرفي مجحف بحق الفلسطينيين.
ولا يُعد هذا التمييز المؤسسي عارضاً، بل هو العمود الفقري لتفكيك المجتمع الفلسطيني إلى جيوب معزولة قانونياً وجغرافياً لمنعه من التشكل ككيان سياسي متماسك.
ويفكك التقرير الآلية الاستئصالية إلى خمسة محاور متداخلة تستهدف سحق قدرة الفلسطينيين على الصمود:
العنف والإرهاب المنهجي: أداة ترهيب يومية ومدروسة لجعل الحياة في التجمعات الفلسطينية جحيماً لا يُحتمل ودفع السكان نحو "الهجرة الطوعية" القسرية.
تقييد الحركة وشل الأوصال: تحويل التنقل اليومي للعمل والعلاج والتعليم إلى رحلة موت محفوفة بالحواجز العسكرية والمذلات لخانق التجمعات وعزلها.
الخنق الاقتصادي المتعمد: مصادرة مصادر الرزق والأراضي الزراعية ومنع الوصول إليها كحرب ممنهجة تضعف قدرة الأسر والمجتمعات على مواجهة ضغوط التهجير.
التدمير الاجتماعي والسياسي: استهداف النسيج المجتمعي، والمؤسسات المحلية، والذاكرة الجماعية، والقدرة على العمل السياسي المشترك وتجزئة المجتمع إلى كانتونات منعزلة.
التطهير العرقي والاستيلاء على الحيز: التوسع الاستيطاني المتوحش المدعوم بميزانيات حكومية وبناء البؤر والمزارع الاستيطانية جنباً إلى جنب مع تفريغ المناطق الفلسطينية تمهيداً للضم الفعلي والشامل.
ويشير التقرير إلى خطورة التحول الذي قادته حكومة اليمين المتطرف عبر منح غطاء رسمي وميزانيات غير مسبوقة للمستوطنين، لتحويل "المحو" إلى سياسة دولة مؤسسية. وبعد أكتوبر 2023، استُغلت الحرب على غزة كذريعة لتسريع وتيرة التهجير والقتل ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية في استغلال وحشي للظروف الراهنة لتصفية الوجود الفلسطيني.
ويعتمد التقرير على عقود من توثيق "بتسيلم" للانتهاكات، ونحو ألفي إفادة مباشرة جُمعت من فلسطينيين في الضفة الغربية، إضافة إلى فحص الوثائق الرسمية والتشريعات العنصرية، متجاوزاً سرد "الأضرار المنفردة" لكشف "المنطق" الخفي الذي يحرك آلة الحياة اليومية المرة.
ويخلص التقرير إلى حقيقة مرعبة مفادها أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يواجهون حرباً وجودية شاملة تستهدف الشروط المادية والاجتماعية والسياسية لبقائهم جماعة متماسكة.
ورغم ذلك، يختتم التقرير بالتأكيد على أن الوعي بهذه الآلية الاستئصالية وصمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم ووحدتهم ومؤسساتهم يظل الكابوس الأكبر لمشروع "المحو"، لتظل الأرض الفلسطينية شاهداً على فشل المشروع الاستعماري مهما اشتدت الآلة القمعية.