كان تأجيل الانتخابات التشريعية الاتجاه السائد في اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح، رغم تأكيد البيان الختامي على إجرائها في موعدها المحدد، لكن بشرط ألا تضع دولة الاحتلال العراقيل التي تحول دون ذلك.
والتقدير العام يشير إلى أن قرار التأجيل قد حُسم واتُّخذ فعليًا، وأن البحث جارٍ الآن حول التوقيت وآلية الإعلان عنه: هل يكون قبل فتح باب تسجيل القوائم أم بعد ذلك، وهل يترافق مع تحديد موعد جديد في شهر آذار، أو بعد عام أو عامين، أو بتأجيل مفتوح دون تحديد موعد؟ وهل يتم ذلك عبر إعلان لجنة الانتخابات المركزية تعذّر إجرائها ما لم تقدّم قوات الاحتلال التسهيلات اللازمة، مثل نقل الحبر السري وصناديق الاقتراع، وضمان حرية عمل اللجنة والمراقبين المحليين والدوليين، ووقف الاغتيالات، وتخفيف الحصار، ووقف الاعتداءات والهجمات من جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة؟ أم يكون التأجيل أحد مخرجات الحوار الوطني الذي قد تشهده القاهرة، ويتحدد مصيره بعد زيارة الرئيس المقررة إلى القاهرة في السادس عشر من هذا الشهر، وإدراج موضوع الحوار الوطني على جدول الأعمال؟
لا تزال القاهرة مترددة في الدعوة لهذا الحوار، لأنها لا تريده أن ينتهي بعدم اتفاق، أو باتفاق لا يُنفَّذ؛ لذا ستحدد خطوتها القادمة بعد لقاء الرئيس.
أسباب التأجيل
يعود تأجيل الانتخابات، بحسب ما نُقل عن الرئيس، إلى رفض الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية إجراءها. فواشنطن تجاري الموقف الإسرائيلي، ولأنها لا تريد مجلسًا تشريعيًا منتخبًا ينافس مجلس ترامب على المرجعية والولاية على قطاع غزة. أما تل أبيب، فلأن الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل لا تريد انتخابات فلسطينية من شأنها أن تقوّي وتجدد شرعية سلطة تسعى هي لتقويضها، خاصة أن أي مجلس تشريعي جديد سيوحّد الضفة والقطاع، ويجسّد هوية فلسطينية واحدة، وهو ما يبقي الطريق مفتوحًا أمام إقامة الدولة الفلسطينية؛ وهذه الحكومة تعتبر أن أهم إنجازاتها هو قبر إمكانية قيام هذه الدولة.
وهنا يبرز تساؤل: لماذا لا يتم تحدي القرار الأميركي الإسرائيلي حتى يظهر من يقف حقًا وراء التأجيل؟
السبب أو الأسباب، أولًا، أن القيادة تريد تجنب المواجهة، وتعتمد استراتيجية البقاء والانتظار وسحب الذرائع والنأي بالنفس. وثانيًا، يدعم خيار التأجيل أيضًا أن السلطة وحركة فتح ليستا في أفضل حالاتهما، وتخشيان من الخسارة، خاصة إذا بقي مروان البرغوثي خارج القائمة الرسمية لفتح، إذ يمكن عندها أن يدعم أو يترأس قائمة أخرى ويترشح للانتخابات الرئاسية. كذلك، إذا تم فعلًا تشكيل القائمة الانتخابية الواسعة التي أُعلن عنها، بدعم من حماس والتيار والجهاد وغيرهم، فستكون قائمة منافسة قادرة على تغيير خريطة القوى داخل المجلس التشريعي.
مبادرة البرغوثي
جاءت مبادرة الأسير القائد مروان البرغوثي في هذا السياق؛ إذ إن الأخذ بها بحاجة إلى وقت، ويعني حتمًا تأجيل الانتخابات، لأن تشكيل قائمة واحدة تضم كل مجموعات فتح يتطلب توحيد الحركة، وعودة المفصولين، وعقد مؤتمر توحيدي، كما تنص المبادرة. أما عدم الأخذ بها فسيزيد الموقف تعقيدًا فوق تعقيد.
التأجيل كأهون الخيارات
قد يكون التأجيل بعد تحدي الرفض الأميركي الإسرائيلي أهون الخيارات المتاحة، شريطة أن يتضمن تحديد موعد جديد لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن، وأن يطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته بتوفير ضمانات لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تُحترم نتائجها، وبحيث تكون عشية إنهاء الاحتلال وإنجاز الاستقلال، فالانتخابات تحت الاحتلال تعطيه شرعية وتجعل الهدف الفلسطيني وكأنه بقاء السلطة والقيادة وتحسين شروط الحياة تحت الاحتلال، وليس إنهاء الاحتلال.
وعلى أن يكون التأجيل جزءًا من رزمة متكاملة تشمل وقف "مسرحية" تعيين أعضاء المجلس الوطني عبر ما يُعرف بـ"مسرحية المجمّعات"، إلى جانب الاتفاق على مشروع وطني قادر على مواجهة التحديات وتوظيف الفرص المتاحة، يتضمن عقدًا اجتماعيًا وبرنامجًا وطنيًا واستراتيجيات مناسبة لتحقيقه وقيادة وطنية موحدة، فما يجمع الفلسطينيين أكثر مما يفرقهم، ويتضمن إجراء انتخابات كأداة من أدوات الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وكتجسيد للتعددية والمنافسة في إطار وطني واحد، بدون إقصاء أحد، وبلا تخوين ولا تكفير ولا احتكار للحقيقة والوطنية والدين.
حوار وطني تمثيلي واسع
وحتى يكون الحوار الوطني مختلفًا عن الحوارات والاتفاقات السابقة، لا بد من توسيع دائرة المشاركين فيه، بحيث لا يضم ممثلين عن الفصائل فقط، وإنما يضم ممثلين عن مختلف التجمعات والقطاعات، والشباب، والمرأة، والشتات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والشخصيات الاعتبارية المستقلة.