هل اقترب الصراع الإيراني الأميركي من مرحلة الحسم؟

الساعة 09:24 ص|10 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم | حسن نافعة

تخوض إيران، منذ ما يقرب من 15 شهراً، حرباً عدوانية غير متماثلة فرضت عليها من جانب الولايات المتحدة الأميركية. ونظراً لاختلال الموازين بين ما تملكه الولايات المتحدة وما تملكه إيران من عناصر القوة الشاملة، والتي تميل بشكل حاسم لصالح الأولى، يعتقد كثيرون أن نتائج هذه المواجهة محسوم سلفا لصالح، وبالتالي فليس أمام إيران سوى الاستسلام والرضوخ لكل المطالب الأميركية.

إذ يكفي إجراء مقارنة سريعة بين ميزانية النفقات العسكرية الأميركية للعام الحالي (2026)، التي تبلغ حوالي 900 مليار دولار، بمثيلإتها الإيرانية، التي تقل عن 10 مليار دولار، كي يتضح حجم الهوة التي تفصل بينهما. غير أنه يتعين الانتباه إلى أن الصراعات التي تنشب بين الدول لا تتوقف فحسب على حجم ما تملكه الأطراف المنخرطة فيها من عناصر القوة بأنواعها المختلفة، الخشنة والناعمة والذكية، وإنما أيضاعلى عوامل أخرى عديدة، مرئية وغير مرئية، ما يفسر صمود إيران في هذه الحرب غير المتكافئة، والتي قد تنتهي بنتائج لا تتسق مع فجوة القوة. 

تدعي الولايات المتحدة أن صراعها مع إيران يعود إلى إصرار الأخيرة على تصنيع السلاح النووي، وهو ادعاء غير صحيح لأسباب عدة، أهمها:

1- أن برنامج إيران النووي بدأ في عهد الشاه، وبمساعدة الولايات المتحدة الأميركية.

2- أن هذا البرنامج أهمل تماما خلال السنوات العشر التي أعقبت الثورة، ولم يبدأ النظام الحالي التفكير في إعادة إحيائه إلا بعد انتهاء الحرب مع العراق.

3- أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة بدأ عقب اندلاع الثورة الإسلامية مباشرة، ولأسباب تتعلق بخشية قادتها من أن تحاول الولايات المتحدة إجهاضها بنفس الطريقة التي أجهضت بها ثورة مصدق التي اندلعت في بداية النصف الثاني من القرن الماضي.

يكشف الفحص المدقق للمسار الذي سلكته العلاقات الإيرانية الأميركية منذ اندلاع الثورة الإيرانية، بوضوح، أن الولايات المتحدة لم تشعر بالارتياح لا تجاه نظام الحكم الذي أفرزته هذه الثورة، ولا تجاه السياسات التي انتهجها على الصعيدين الداخلي والخارجي، ما يفسر سعيها الدائم لإضعاف النظام الإيراني أو إجباره على تغيير سياساته، وربما لإسقاطه والتخلص منه نهائيا، كما يفسر في الوقت نفسه لماذا تبني هذا النظام استراتيجية دفاعية تستهدف ترسيخ القواعد الشعبية التي يستند عليها في الداخل وتوسيع نفوذه في الخارج، ما يعني أن كلا الطرفين، الأميركي والإيراني، أدركا فور نجاح الثورة الإيرانية أن الصراع بينهما بات حتمياً، وبالتالي لم يعد أمامهما سوى  إدارته بالطريقة التي يرى كل منهما أنها مناسبة لتحقيق الأهداف التي يسعى إليها. عوامل كثيرة، محلية وإقليمية ودولية، ساعدت على تصاعد الصراع تدريجيا إلى أن وصل إلى مرحلة الصدام المسلح والمواجهة الشاملة. 

فبعد أيام قليلة من نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وبسبب خوف النظام الإيراني الجديد من إقدام أجهزة الأمن الأميركية على التآمر لإعادة الشاه الهارب إلى سدة الحكم، اجتاح الطلاب مقر السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا العاملين فيها رهائن لمدة 444 يوما.

ولأن الرئيس كارتر حاول استعادتهم بالقوة وفشل، ما تسبب في هزيمته في الانتخابات الرئاسية التالية، تبنت الإدارات الأميركية اللاحقة استراتجية لإدارة الصراع مع إيران تقوم على ركيزتين: تجنب الوصول إلى حالة تستدعي الصدام المباشر معها، والزج بالحلفاء الإقليميين للقيام بأداء بعض الأدوار نيابة عنها، ما يفسر الدور الذي لعبته لاستدراج العراق لشن الحرب على إيران بعد عام واحد من اندلاع الثورة، ولتشجيع دول الخليج العربية على تقديم دعم مالي وتسليحي للعراق، والحرص على إبقاء جذوة الحرب مشتعلة لأطول فترة ممكنة، أملا في إضعافهما معا.

 يلفت الانتباه، في هذا السياق، أن إيران لجأت في إدارتها للصراع مع الولايات المتحدة إلى أسلوب لا يختلف كثيرا عن الأسلوب الأميركي، سواء من حيث الحرص على تجنب الصدام المباشر بينهما، أو إشراك الوكلاء الإقليمين فيه، ما يفسر نشاطها المكثف في البحث عن حلفاء في العالم العربي، خصوصاً في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، والسعي لتمتين أواصر العلاقة معهم على الدوام، ما أدى إلى تشكيل "محور المقاومة" الذي تولت إيران قيادته بنفسها، مستفيدة من أحداث كبرى هزت العالم العربي، أهمها: توقيع السادات على معاهدة سلام منفردة مع "إسرائيل" عام 1979، إقدام صدام حسين على غزو واحتلال وضم الكويت عام 1990، واندلاع "ثورات الربيع العربي" التي اشتعلت شرارتها الأولى في نهاية عام 2010، حيث أدت التفاعلات الناجمة عنها إلى تهيئة الأجواء لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام، والتوقيع على اتفاقيتي "أوسلو" و "وادي عربة" ثم "الاتفاقات الإبراهيمية" في مرحلة لاحقة.

لذا ظهر العالم العربي وكأنه على وشك الانقسام إلى معسكرين متصارعين، أحدهما يضم أنظمة رسمية تسعى للتحالف مع الولايات المتحدة وإلى تطبيع العلاقة مع "إسرائيل"، والآخر يضم فاعلين من غير الدول يطالبون بالتصدي لمشاريع الهيمنة الصهيوأميركية على المنطقة، وفي ظل هذا الاستقطاب، انفجر "طوفان الأقصى" الذي كان بمثابة نقطة تحول في المنطقة، قلبت كافة الحسابات رأسا على عقب.

كان بمقدور الاستراتيجة الرامية إلى تجنب الدخول في صدام عسكري مباشر أن تصمد وتستمر، لولا توافر عاملين رئيسيين، الأول: ظهور ترامب على الساحة السياسية الأميركية، والثاني: حرص نتنياهو على استغلال ما جرى في "طوفان الأقصى" لتصفية "محور المقاومة" تمهيدا لإقامة "إسرائيل الكبرى".

فخلال فترة ولاية ترامب الأولى، نجح نتنياهو في إقناعه بالانسحاب من اتفاق 2015 وفرض عقوبات قصوى على إيران. وخلال فترة ولايته الثانية، والتي بدأت بعد 15 شهرا من "طوفان الأقصى"، نجح نتنياهو في إقناعه بالمشاركة مع "إسرائيل" في شن حربين على إيران، استهدفت الأولى تدمير برنامجها النووي (حرب ال 11 يوما)، بينما استهدفت الثانية إسقاط نظامها السياسي وربما تفتيت الدولة الإيرانية ذاتها (حرب ال 39 يوما). ولأن الرياح لم تأت بما تشتهي سفنهما، فقد دخل كل من ترامب ونتنياهو في مأزق قد لا يستطيع أي منهما أن يفلات منه أبدا.

صحيح أن برنامج إيران النووي تضرر، غير أنها ما تزال تحتفظ  بكامل أوراقها النووية التفاوضية. وصحيح أيضا أن نظامها السياسي فقد معظم قياداته السياسية والعسكرية، لكنه ظل واقفا ولم يسقط، بل وتمكن من الإمساك بأوراق تفاوضية إضافية وأصبح في وضع يتيح له إدارة الصراع بقدر أكبر من الندية في مواجهة الولايات المتحدة، بل وليس من المستبعد أن يلحاق بها هزيمة استراتيجية في نهاية المطاف.

يلفت النظر هنا أن "إسرائيل"، المحرض الرئيسي على المواجهة العسكرية مع إيران، استبعدت من المشاركة في إدارة الصراع في مرحلة تطوره الراهنة، ليس في شقه العسكري فحسب، حيث حرمت من المشاركة في أي من جولات القتال التي اندلعت بعد "حرب ال 39 يوما"، وإنما في شقه السياسي أيضاً، حيث استبعدت من المشاركة في المفاوضات التي أفضت إلى التوقيع على "مذكرة التقاهم"، بل ولم يتم أي تشاور أو تنسيق مسبق معها. غير أن ذلك لا يعني أنها ستحرم من المشاركة في جولات قادمة قد يضطر ترامب للمقامرة بخوضها، كما لا يعني أن "إسرائيل" فقدت تأثيرها على المسار التفاوضي، فالأرجح أنها ستدعى للمشاركة في القتال إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، وربما تكون قد لعبت بالفعل دورا رئيسيا في إفشال "مذكرة التفاهم" التي لم تتردد في الاعتراض عليها علناً.

يدعي ترامب أنه يسيطر على مضيق هرمز، الذي أصبح مفتوحا أمام الملاحة البحرية، وأن الناقلات تعبره يزميا حاملة ملايين البراميل من النفط، غير أن سوق النفط يكذب هذه الادعاءات من خلال الزيادات المتلاحقة في أسعاره، حيث وصل سعر البرميل الواحد عند كتابة هذه السطور إلى حوالي 100 دولار.

أما نتنياهو فقد صرح مؤخرا بأن الحرب على إيران لم تحسم بعد، وأن "إسرائيل" قادرة على خوضها منفردة واستئناف القتال إذا تطلب الأمر، وأن إسقاط النظام الإيراني ما زال في متناول اليد وستواصل "إسرائيل" سعيها لتحقيق هذا الهدف. غير أن ميادين القتال على مختلف الجبهات تكذب هذه التصريحات التي تبدو مصممة لأغراض انتخابية. فرغم الإنجازات العسكرية التي حققها "الجيش" الإسرائيلي في جبهات عدة، إلا أن نتنياهو فشل في ترجمتها إلى مكاسب سياسية ملموسة. فلم يتمكن حتى الآن من نزع سلاح حماس أو الجهاد أو حزب الله ولم يستسلم أي من رجال المقاومة في مختلف الجبهات.

في مواجهة المئات من حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات ومختلف أنواع القطع البحرية الثقيلة المزودة بأحدث وأغلى أنواع الذخيرة، والتي حشدتها الولايات المتحدة لشن حرب عدوانية على دولة تبعد عن سواحلها ما لا يقل عن عشرة آلاف كيلومتر، نجحت إيران في ابتكار وتصنيع وتطوير وحماية أنواع مختلفة من الصواريخ والمسيرات رخيصة الثمن. وكان هذا هو العامل الأكثر حسما ليس لتمكين إيران من السيطرة على مضيق هرمز فحسب، ولكن أيضاً من الوصول إلى جميع القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، بما في ذلك "إسرائيل". ولأن الولايات المتحدة لا تبحث عن حل وسط يمكن التوصل إليه عن طريق التفاوض، وإنما بالاستسلام ورفع الراية البيضاء، يبدو واضحا أن إيران تخوض حربا وجودية لا تملك فيها سوى النصر أو الشهادة.

حين أحكمت الولايات المتحدة حصارها البحري وأصرت على خنق إيران اقتصادياً، بفرض أقسى أنواع العقوبات على كل من يتعامل معها تجاريا أو ماليا، ردت إيران، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، باستهداف الحاملات والمدمرات والقطع البحرية الأميركية، في مؤشر على أن مرحلة الحسم تقترب، وربما تكون قد بدأت بالفعل. ش