تجري الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وقبل موعد الانتخابات بأيام، ستحل الذكرى السنوية الثالثة للهجوم الفلسطيني المفاجئ وغير المسبوق في تاريخ الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني، في الساعة 6,29 صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وتعكس المواقف الإسرائيلية حالة من الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي، تراجعت شكلياً وبصورة مؤقتة في أعقاب الهجوم الفلسطيني المباغت، بيد أن خطاب الانقسام ومؤشراته على الأرض، تبين أنه في مستوى تصاعدي، وتسهم الدعاية الانتخابية في تأجيجه، الأمر الذي يدفع عدد من الساسة والنخب للتحذير من انعكاسات نتائج الانتخابات المقبلة على الانقسام الإسرائيلي الداخلي.
الانتخابات وإرث "السابع من أكتوبر"
ترتكز المعارضة الإسرائيلية في دعايتها الانتخابية على تحميل الائتلاف اليميني الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، المسؤولية عن "الكارثة" ويطلقون على ائتلافه "حكومة السابع من أكتوبر"، وسعى نتنياهو بكل ما يمتلك من أدوات ومهارات لنفي مسؤوليته عن الفشل، مدعياً تارةً أن قيادة المؤسستين الأمنية والعسكرية لم توقظه، وتارةً أخرى، أنهما مسؤولتين عن الفشل في إحباط الهجوم قبل وقوعه، وأن الأجهزة الأمنية والاستخبارية رفعت له تقارير تؤكد أن المقاومة في غزة مردوعة.
المعركة على إرث "السابع من أكتوبر" بدأت مبكراً، وتجاوزت في حدتها ما كان يعتبر محرمات في القاموس الإسرائيلي، والأمر تجاوز الاتهامات المتبادلة بالتقصير والاهمال والفشل، إلى التخوين وتبني نظريات المؤامرة، على غرار ما قامت به زوجة نتنياهو، سارة، التي لمحت بأن رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان كان على علم بالهجوم الفلسطيني، كونه كان من أوائل جنرالات الاحتياط الذي استعدوا لمواجهة الهجوم، في الصباح الباكر.
وبينما أكد نتنياهو مراراً أن أحداً لم يوقظه، نشرت المعارضة مقطعاً مصوراً يظهر نتنياهو غارقاً في النوم سنوات قبل "الطوفان" متسائلةً عن الوقت الذي سيستيقظ فيه؛ فالمعارضة والائتلاف يتبنيان خطابان متناقضان، ولا يتبنى أي طرف رؤية توافقية، ما ينذر حتى برفض نتائج الانتخابات من المعسكر الخاسر.
الاستقطاب الداخلي أكبر تهديد
في تقريره السنوي، حول واقع المجتمع الإسرائيلي، كشف معهد السياسات اليهودية عن مؤشرات تعكس حالة "تشاؤمية" في توجهات الرأي العام داخل "إسرائيل"، وأظهر التقرير أن 55% من الإسرائيليين يعتبرون الاستقطاب الداخلي التهديد الأخطر الذي يواجههم،
كما كشف عن تنامي المخاوف من تفاقم الانقسام الداخلي، إذ أعرب ستة من كل عشرة إسرائيليين عن اعتقادهم بوجود خطر حقيقي يتمثل في اندلاع أعمال عنف داخلية قد تصل إلى حد الحرب الأهلية، وعن تراجع ثقة شريحة واسعة من العلمانيين بمستقبل "إسرائيل"، إذ أقر نحو نصفهم بأنهم لا يرونها المكان الأنسب والأكثر أمانا للأجيال القادمة.
وتساهم ننائج استطلاعات الرأي العام التي تجريها قنوات التلفزة الإسرائيلية في تهيئة الأجواء المشحونة بين ناخبي الموالاة والمعارضة، فالقنوات القريبة من المعارضة، تظهر نتائج استطلاعتها أنها تتقدم وتقترب من حاجز ال 61 مقعد، وأنها باتت أقرب لهزيمة معسكر نتنياهو، في ضوء تراجع الأخير لصالح غادي آيزنكوت بفارق 10 نقاط عند التصويت على الأكثر ملاءمة لرئاسة الوزراء.
كما أن استطلاعات الرأي العام ولّدت قناعة لدى شريحة واسعة من المعارضة أن عهد نتنياهو قد ولّى، ويصعب عليها تخيل عودته للحكم، وفي حال حدث العكس، فإن شريحة واسعة منهم ستتهم الائتلاف الحكومي بتزوير النتائج.
وفي المقابل فإن نتائج الاستطلاعات التي تجريها وسائل الإعلام القريبة من الائتلاف كالقناة 14 تؤكد فوز نتنياهو وائتلاف اليمين، وإذا فازت المعارضة، فإن القاعدة الانتخابية الموالية، ستدعي بان المعارضة والدولة العميقة زورتا الانتخابات بهدف اسقاط حكم اليمين.
السيناريو الأكثر تشاؤماً إسرائيلياً
إذا ما بدأت نتائج العينات التلفزيونية تظهر تقدماً للمعارضة، وتراجعاً واضحاً لأحزاب الائتلاف، وأن المؤشرات لا تبشر بفوز نتنياهو بولاية جديدة وأن حكم اليمين مهدداً بالسقوط، على خلاف ما كانت تبشرهم به القناة 14، فإن الكثير من بين أنصار الائتلاف الحاكم سيصابون بالصدمة، والانكار، الأمر الذي سيؤدي للتحريض من رموزهم الأكثر تطرفاً على رفض النتائج، تحت ذريعة أن دولة "اليسار" العميقة سرقت أصواتهم، ما قد يدفعهم للخروج للشوارع والصدام مع أنصار المعارضة أو قوات الأمن الإسرائيلية، ما يمهد لأسوأ سيناريو، حذرت منه مختلف الأوساط الإسرائيلية، وفي حال لم يعترف نتنياهو بالهزيمة، فإن الصدام الداخلي سيقع لا محالة.
المتشائمون داخل "إسرائيل" كثر ومنهم من يعتقد أن الحرب الأهلية سيناريو قابل للحدوث، تحديداً إذا فازت المعارضة، على اعتبار أن أحزاب الائتلاف الحكومي وقواعدهم الانتخابية مؤدلجة وأكثر مسيانية ولا تكترث في مواجهة معارضيها بأشكال عنيفة لأنها تعتقد أنها تمتلك الحقيقة الكاملة والمطلقة وتنفذ أوامر الرب، بينما أحزاب المعارضة وأنصارها أكثر ليبرالية وعلمانية وتمارس المعارضة بشكلها الناعم غير العنيف على غرار المظاهرات التي نظمتها احتجاجا على التغييرات القضائية التي اعتزمت حكومة نتنياهو مباشرتها بعد فوزها في الانتخابات الأخيرة، والتي لم تلجأ فيها المعارضة لاستخدام أساليب الاحتجاج العنيف.
في المقابل، فإن فوز نتنياهو سيعتبر في أوساط كثيرين في المعارضة كنهاية "إسرائيل" كدولة يمكنهم أن يعيشوا فيها، ونتيجة عجزهم المتوقع عن التغيير، فإن الهجرة ستكون هي الحل بالنسبة لهم، على غرار ما قام به نحو 300 ألف -وفقاً للبيانات الرسمية- منذ معركة طوفان الأقصى.
إن فوز المعارضة سيعتبر في أوساط أحزاب اليمين واليمين القومي الصهيوني المتطرف، كخطر وجودي، مسموح عمل كل شيء من أجل عدم تحققه، ولا يوجد مكان لحل وسط عندهم، وفي كلا الحالتين، فوز المعارضة ورفض الائتلاف للنتائج، أو فوز الائتلاف، فإن الفوضى الناتجة عن الحالة الأولى، أو اليأس بسبب النتيجة الثانية، سيدفع مزيد من أنصار المعارضة والنخبة الإسرائيلية للهجرة.