"النقاط التعليمية في غزة".. بديل للمدارس وكلفة تفوق قدرة الأسر

الساعة 01:39 م|08 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم

لم تعد حقيبة المدرسة في غزة تحمل فقط الكتب والدفاتر؛ فهي تحمل معها سؤالًا أثقل من قدرة كثير من الأسر على الإجابة: كيف سيتمكن أبناؤنا من مواصلة تعليمهم؟

فمع تدمير المدارس وتوقف عدد كبير منها عن تقديم خدماتها، ظهرت النقاط التعليمية كمساحات بديلة أعادت بعض الأطفال إلى مقاعد الدراسة، ومنحتهم فرصة لاستئناف تعليم انقطع بفعل الحرب، لكن هذه المساحات، التي جاءت في الأصل كحل لإنقاذ العملية التعليمية، تواجه اليوم تحديًا آخر يتعلق بقدرة الأسر على تحمل تكاليفها.

في قطاع أنهكته الحرب، وتراجعت فيه مصادر الدخل وارتفعت فيه كلفة المعيشة، تجد العائلات نفسها أمام معادلة قاسية "التعليم ضرورة لا يمكن التخلي عنها، لكن رسومه قد تصبح عبئًا يصعب دفعه"

وبين طفل يريد أن يحمل حقيبته إلى نقطة تعليمية، وأب يبحث عن ثمن الخبز والطعام قبل ثمن التعليم، تبرز أسئلة تتجاوز قيمة الرسوم نفسها: هل تحولت النقاط التعليمية من حل مؤقت لإنقاذ حق الأطفال في التعليم إلى عبء جديد على أسر تكافح للبقاء؟

خلف هذه  الأسئلة والحديث عن استمرار العملية التعليمية، تقف أمهات يحاولن يوميًا إيجاد طريقة لإبقاء أطفالهن على مقاعد الدراسة، في وقت أصبحت فيه أبسط الاحتياجات عبئًا على الأسر.

مراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" زار إحدى النقاط التعليمية في غرب مدينة غزة، والتقى عددًا من أمهات الأطفال، اللواتي تحدثن عن الصعوبات التي تواجههن في محاولة إعادة أبنائهن إلى مقاعد الدراسة.

ومن بينهن أم أحمد، التي تستعد لتسجيل أبنائها الستة في إحدى النقاط التعليمية، في محاولة منها للحفاظ على حقهم في التعليم، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسرة.

وتقول أم أحمد إن تسجيل أبنائها في النقطة التعليمية يمثل بالنسبة لها "محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبلهم الدراسي"، لكنها اصطدمت بالرسوم المطلوبة، والتي تشكل عبئًا كبيرًا عليها في ظل عدم قدرتها على توفيرها بسهولة.

وتضيف أن تسجيل ستة أطفال يعني أن الرسوم لا تُدفع عن طفل واحد، وإنما تتضاعف مع عدد الأبناء، الأمر الذي يجعلها أمام معادلة صعبة بين رغبتها في مواصلة تعليم أطفالها، وبين قدرتها المحدودة على تأمين تكاليف ذلك.

وتوضح أن الأسرة لا تنظر إلى التعليم باعتباره أمرًا يمكن الاستغناء عنه، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى المفاضلة بين احتياجات أساسية لا تحتمل التأجيل، وبين رسوم التعليم التي تتكرر مع كل طفل، خاصة أن قيمة الرسوم تختلف من نقطة تعليمية إلى أخرى، فيما تبدأ في بعض الحالات من نحو 40 شيكلًا للطالب الواحد.

وبالنسبة إلى أم أحمد، التي تستعد لتسجيل أبنائها الستة، فإن الحد الأدنى لهذه الرسوم يعني دفع نحو 240 شيكلًا لأطفالها جميعًا، وهو مبلغ يشكل عبئًا إضافيًا على الأسرة في ظل تعدد الاحتياجات وغياب القدرة على توفير دخل ثابت.

حال أم أحمد لا يختلف كثيرًا عن أمهات أخريات يحاولن جاهدات إبقاء أطفالهن على مقاعد الدراسة، رغم الأوضاع المعيشية الصعبة والضغوط الاقتصادية التي أثقلت كاهل الأسر في قطاع غزة.

وبحسب وزارة التربية والتعليم العالي، فقد بلغ عدد النقاط التعليمية التي تعمل ضمن تدخلاتها في قطاع غزة 359 نقطة، تستوعب نحو 170 ألف طالب وطالبة. وبحلول النصف الأول من عام 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن شركاء قطاع التعليم ساعدوا نحو 435 ألف طفل على الوصول إلى تعلم منظم من خلال 610 مساحات تعلم مؤقتة.

ورغم اتساع نطاق هذه البدائل التعليمية، فإن قدرة الأسر على تحمل تكاليفها لا تزال تشكل تحديًا أمام استمرار الأطفال في التعليم.

أم محمد، وهي أم لثلاثة أطفال في سن الدراسة، تقول إن النقاط التعليمية أعادت لأطفالها فرصة العودة إلى التعليم بعد فترة طويلة من الانقطاع، لكنها في الوقت ذاته أصبحت تشكل عبئًا إضافيًا على الأسرة بسبب الرسوم المطلوبة.

وتوضح أن الظروف الاقتصادية لا تسمح لها بتوفير كل ما يحتاجه أطفالها بسهولة، مشيرة إلى أن تكاليف التعليم تأتي إلى جانب احتياجات أساسية أخرى، مثل الطعام والملابس والقرطاسية والمواصلات.

وتقول لـ"مراسلنا": "نحن لا نريد أن يتوقف أطفالنا عن التعليم، لكن الظروف صعبة جدًا، وكل مبلغ ندفعه للتعليم نكون بحاجة إليه في مكان آخر، الأم اليوم تحاول أن توفر لأبنائها التعليم، وفي الوقت نفسه تبحث عن كيفية توفير احتياجاتهم الأساسية".

وتضيف أن استمرار أطفالها في التعليم بالنسبة لها "ليس رفاهية"، بل ضرورة حتى لا يخسروا سنوات أخرى من أعمارهم، لكنها تأمل في توفير نقاط تعليمية مجانية، أو تقديم إعفاءات للأسر التي لا تستطيع تحمل الرسوم، بما يضمن بقاء الأطفال على مقاعد الدراسة دون أن تتحول تكاليف التعليم إلى عائق أمامهم.

أين تذهب الرسوم؟

وفي المقابل، ترى إدارة النقطة التعليمية أن الرسوم المفروضة على الطلبة لا تأتي بهدف تحقيق أرباح، وإنما للمساهمة في تغطية الأعباء المترتبة على استمرار العملية التعليمية في ظل الظروف الحالية.

وتوضح مديرة المدرسة، الأستاذة سوزان مطر، لـ"مراسلنا"، أن الرسوم تذهب بشكل أساسي إلى تغطية التكاليف التشغيلية المرتفعة، إلى جانب تقديم مكافآت للمدرسات اللواتي يواصلن العمل داخل النقاط التعليمية.

وتشير مطر إلى أن تشغيل النقطة التعليمية يتطلب توفير احتياجات متعددة، مؤكدة أن النقطة التي تشرف عليها تحاول، قدر الإمكان، التخفيف عن الأهالي ومراعاة ظروفهم الاقتصادية الصعبة، دون أن يؤثر ذلك في قدرتها على توفير الحد الأدنى من متطلبات استمرار العملية التعليمية.

موقف الوزارة ؟

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الأمهات عن الرسوم باعتبارها عائقًا أمام تسجيل أبنائهن، توضح وزارة التربية والتعليم أن واقع النقاط التعليمية فرض عليها التعامل مع ظروف استثنائية، لا سيما أن بعضها يعمل في خيام أو منازل وشقق سكنية.

مدير التربية والتعليم في المنطقة الوسطى، محمد حمدان، أكد في تصريحات صحفية، أن الوزارة طلبت خلال العام الدراسي 2025/2026 من جميع النقاط التعليمية تصويب أوضاعها القانونية والحصول على الموافقات اللازمة، في حال رغبت في الاستمرار والعمل كمشروع مدرسة.

ويشير حمدان إلى أن عددًا من هذه النقاط تمكن بالفعل من استيفاء الشروط والحصول على ترخيص مدرسة خاصة، حتى إن كان مقرها خيمة، ما يجعلها خاضعة للإطار القانوني الخاص بالمدارس المرخصة.

لكن الملف الأكثر حساسية بالنسبة للأهالي يبقى متعلقًا بالرسوم الدراسية، إذ يقول حمدان إن وزارة التربية والتعليم لا تمتلك في الظروف الحالية القدرة الكاملة على تحديد حد أدنى أو أعلى للرسوم التي تتقاضاها النقاط التعليمية، موضحًا أن الأولوية بالنسبة للوزارة في المرحلة الحالية هي ضمان استمرار العملية التعليمية وعدم انقطاع الأطفال عن الدراسة.

ويعكس هذا التصريح جانبًا أساسيًا من الإشكالية التي تواجهها الأسر؛ فالنقاط التعليمية التي ظهرت أصلًا كحل اضطراري لاستيعاب الطلبة بعد تدمير المدارس وخروجها عن الخدمة، أصبحت في بعض الحالات مرتبطة برسوم قد لا تستطيع الأسر تحملها، بينما لا تملك الوزارة، وفق التصريح، القدرة الكاملة على ضبط سقف هذه الرسوم.

وبذلك تجد العائلات نفسها أمام مفارقة صعبة؛ فالنقاط التعليمية التي جاءت أصلًا لإنقاذ حق الأطفال في التعلم بعد خروج المدارس عن الخدمة، أصبحت في بعض الحالات مرتبطة بتكاليف قد تعجز أسر عن تحملها.

كلمات دلالية