قبل أكثر من عامين، ارتقى معظم عائلة المواطن معتز ارحيم في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم الكائن في حي الزيتون شرق مدينة غزة، إذ قام برثائهم والترحم عليهم، دون وداعم أو تشييعهم، بسبب أنهم بقوا تحت الأنقاض لأكثر من 30 شهراً متواصلاً.
في بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، نزح معتز رفقة زوجته وأطفاله إلى مدينة رفح جنوبي القطاع لمحاولة النجاة من القصف والدمار والاستهدافات المتصاعدة، بعد إنذارات متكررة من جيش الاحتلال الإسرائيلي تُطالب بتوجه سكان مدينة غزة وشمالها إلى غرب الوادي.
ما كان على معتز إلا التوجه جنوباً فراراً من بطش الآلة الصهيونية المدمرة، فيما بقي والده ووالداته وشقيقه وشقيقاته في منزلهم، يتنقلون من مكان إلى آخر، وفق الخطر المحيط بهم.
بعد أن نزح معتز إلى مدينة رفح بأيام قليلة، جاءه اتصال من أحد أقاربه، يُخبره أن والده ووالدته وشقيقه وشقيقاته وأولادهن قد استشهدوا بعد أن دمّر الاحتلال المنزل فوق رؤوسهم، وبعد أن صُدم من الخبر ما كان عليه سوى رثائهم والترحم عليهم، دون تشييع جثامينهم أو وداعهم كما تجري العادة.
وعقب توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025، بات يعمل جهاز الدفاع المدني على استخراج جثامين الشهداء من تحت الأنقاض، حتى يتم تشييعهم وواعهم ودفن رفاتهم في أماكنها المختصة، وبعد أن أبلغت الجهات المختصة الشاب معتز بموعد استخراج جثامين عائلته، بات التوتر يصاحبه لأنه سيعيش المُر مرتين.
وبعد أكثر من 30 شهراً على استشهادهم، تم استخراج عدداً من جثامين ورفاة أفراد عائلة معتز، وتم التعرف على بعضها من خلال الملابس أو علامات معينة كانوا يرتدونها، إذ إنه تمكن أخيراً من وداع والده ووالدته وشقيقه وشقيقاته وأبنائهن، لكنّ المأساة ذاتها تكررت عنده مرتين.
وقال معتز: "سيتم تشييع 32 قمراً من أقمار عائلتي في مقر تجمع عائلات حي الزيتون خلف مدرسة شهداء الزيتون، بعد عامين ونصف على استشهادهم".
أما زكريا ملكة قال راثياً ابنته: "بعد ثلاثة أعوام من فقدان ابنتي شام، تم بحمد الله استخراج ما تبقى من جثتها من تحت الأنقاض.
أضاف زكريا في منشور له على "فيس بوك": "بأي ذنب قُتلت".
أما محمود مرتجى، فقد ودّع زوجته بعد استخراج رفاتها من تحت الركام، إذ قتلها جيش الاحتلال الإسرائيلي وهي حامل في الشهر التاسع، بعد قصف بناية سكنية كانت تحتمي داخلها.
وقال: "اليوم أودع زوجتي بعد 3 أعوام على استشهادها، وهي هيكل عظمي، كنت أنتظر منها طفلاً، لكن الاحتلال قتلهما معاً وقتل كل شيء معهما".
وقال مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، إن القطاع لا يشيّع آلاف الشهداء المنتشلين، بل هذه جائز تأخرت لعامين ولسنوات"، مشيراً إلى أن بعض الآباء والأمهات انتظروا سنوات بحثاً عن رفات أبنائهم أو أي أثر يقود إليهم.
ووصف البرش في منشور له عماير حسابه على منصة "إكس"، انتظار العائلات العثور على رفات أبنائها بأنه من أقسى صور المأساة، قائلاً إن أقصى ما يحلم به الفلسطيني في مثل هذه الحالات هو أن يجد لابنه قبراً يأوي إليه.
وأضاف أن الضحايا لم يُحرموا من الحياة فقط، بل حُرموا أيضاً من حقهم في أن تُنتشل جثامينهم، وتُعرف أسماؤهم، ويُدفنوا بكرامة، لافتاً إلى العثور على جثامين في أوضاع مأساوية، بينها جثث قال إنها تعرضت للتمزيق أو الحرق، وأخرى لم يبق منها سوى العظام والرفات.
وأشار إلى وجود أكثر من 8 آلاف مفقود تحت الركام، مطالباً بتوفير معدات الإنقاذ والآليات الثقيلة، ومستلزمات الطب الشرعي، وفحوص الحمض النووي «DNA»، ووسائل التوثيق، مؤكداً أن «لكل رفات اسماً، ولكل اسم عائلة تنتظر».
وحذّر البرش من أن خلط الركام بالرفات قد يؤدي إلى ضياع الأدلة، مشيراً إلى وجود أكثر من 80 مليون طن من الركام، بينها مواد سامة مثل الأسبستوس، وإلى اختلاط العظام بالركام في مناطق من رفح.
وأكد أن دفن الجثامين التي جرى انتشالها لا يعني إغلاق ملف المفقودين، بل يذكّر بالعائلات التي ما زالت تنتظر رفات أبنائها، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك للحفاظ على الأدلة المرتبطة بالضحايا.