منذ أن أطلق العميد احتياط عوفر فينتر، الصهيوني اليميني المتطرف، والقائد السابق للواء غفعاتي في جيش الاحتلال، الثلاثاء الماضي، حزباً سياسياً جديداً برئاسته حمل اسم "شعب إسرائيل"، واستطلاعات الرأي تؤكد تجاوزه عتبة الحسم في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بل يمنحه بعضها من 5 إلى 8 مقاعد، ولا سيما على حساب أحزاب ائتلاف نتنياهو الحاكم.
كشف فينتر خلال مراسم إطلاق الحزب الجديد أن حزبه ينتمي إلى معسكر اليمين بصورة واضحة، مؤكداً أن هدفه هو "العمل على تأليف حكومة يمين واسعة قدر الإمكان، تضم أكبر عدد ممكن من الشركاء الصهيونيين."
مضيفاً "أن الأشخاص الذين اختارهم لقائمته لم يكونوا جزءاً مما وصفه بإخفاقات الـ 7 من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إنما قاتلوا ودفعوا أثماناً باهظة، وهُم مستعدون لدخول الحلبة السياسية لإصلاح ما حدث وإعادة البناء من أجل المستقبل". أما عن برنامجه السياسي، فيقوم على رفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية ودعمه لضم الضفة الغربية وتهجير سكان قطاع غزة.
من الناحية الفعلية، هذه هي الأهداف ذاتها التي يتبنّاها ويعمل عليها الائتلاف الحاكم، وبالأخص حزبي سموتيريتش وبن غفير، بل وتجد قبولاً لدى شريحة واسعة من أحزاب المعارضة وفي المجتمع الإسرائيلي. فما الذي يجعل فينتر وحزبه الجديد شيئاً مختلفاً أو مميزاً يدفع الإسرائيليين إلى منحه ثقتهم المتسارعة في استطلاعات الرأي، بما تسبب في هبوط حزب سموتريتش دون عتبة الحسم، ودخول حزب الليكود في حالة من الفزع...!
جرت العادة في تجارب انتخابية سابقة، وتحديداً في الأسابيع الأولى من تشكيل القوائم الانتخابية، وعندما يتعلق الأمر بشخصيات جديدة مثل فينتر، أن يُبدي الجمهور الإسرائيلي حماسته الحقيقية تجاه المرشحين الجدد، خاصة وأن فينتر حاول منذ البداية الإشارة إلى أنه ليس تابعاً لأي كتلة، وتجنّب إعلان ولائه لبنيامين نتنياهو أو غادي آيزنكوت، أملاً في جذب أصوات مؤيدي الكتلتين أو المترددين الذين يبحثون عن حكومة بديلة، لكنهم لا يريدون التصويت لأحزاب غير يمينية.
ويبدو أن فينتر، نجح، حتى اللحظة، في أن يُشكّل قوةً مؤثرةً في كتلة اليمين، وذلك حتى قبل انطلاق الحملة الانتخابية رسمياً. فقد كشفت استطلاعات الرأي أن فينتر لا يسحب أصوات الناخبين من خصوم نتنياهو، وإنما من داخل كتلة اليمين نفسها، على حساب الليكود والصهيونية الدينية على وجه الخصوص، ما يعني أنه كلما اقتطع فينتر مزيداً من الأصوات، أصبحت مهمة نتنياهو في تشكيل الحكومة أكثر صعوبة.
لكن مَيل المُستطلَعة أراؤهم إلى منح أصواتهم لحزب فينتر اليميني، ليس مرتبطاً "بالحماسة" تجاه الحزب الجديد فحسب، بل يشير إلى أن الجمهور الإسرائيلي في كل ما يتعلق بالمواقف المرتبطة بالصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، يتجه نحو اليمين، بينما يتجه في كل ما يتعلق بالمواقف المرتبطة بالنظام السياسي في "إسرائيل" نحو اليسار. بمعنى أن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها تسببت في تراجع كبير لكتلة نتنياهو نتيجة إخفاقها في حماية أمن "إسرائيل"، وحسم الصراعات في جبهات القتال المختلفة.
كما أن التجارب تفيد بأن المجتمع الإسرائيلي يتحول أيديولوجيًاً نحو اليمين في سياق المواجهة مع العرب، بينما يتحول سياسيًاً نحو اليسار، وهذا ما يدعمه طمس الحدود الأيديولوجية الفاصلة بين الأحزاب السياسية، لكونه أحد السمات البارزة للسياسة الإسرائيلية الناتجة عن الحروب الدائرة. في المجمل، يقول نحو واحد من كل خمسة يهود في "إسرائيل" إنهم انتقلوا أيديولوجيّاً إلى اليمين في إثر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وفي ذات الوقت الذي يجري فيه التحول الأيديولوجي نحو اليمين، هناك تحول سياسي آخر نحو اليسار، وبالطبع لا يعني هذا حركة جماهيرية للإسرائيليين نحو الأحزاب اليسارية، بل يعني عزوفاً كبيراً عن التصويت لأحزاب اليمين التي كانت تتولى الحكم أو شريكة فيه في السابع من أكتوبر وما تلاه. والترجمة الدقيقة لهذا التوجه، هي أن فينتر في مواقفه السياسية المُعلنة ليس أكثر تشدداً من مواقف سموتريتش، بل يقف على يساره من حيث التشدد، لكن ميزته بالنسبة للناخب الإسرائيلي أنه لم يكن جزءاً من الأحزاب الحاكمة حين وقعت أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها.
خلاصة الأمر، تتصلب مواقف الجمهور الإسرائيلي فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، فيما تميل للبحث عن بديل يميني من غير الأحزاب اليمينية في الائتلاف الحاكم للتصويت له كردَّة فعل على إخفاق الأحزاب اليمينية في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وما تلاها من تداعيات. وهو ما يعني في المدى القريب، على الأقل، عزوف كثيرين عن التصويت لأصحاب هذا التيار، مع بقاء النزعة اليمينية الأيديولوجية للمجتمع.
ويبدو، وبرغم الجهود الكبيرة التي يبذلها نتنياهو وحكومته لتصوير ما يجري بأنه نجاح باهر، أن مدة الحرب المفتوحة التي يشنّها نتنياهو في أكثر من جبهة وما تلاها من شكوك داخلية حول نتائجها، إلى جانب الخلافات السياسية العاصفة التي رافقتها، أضعفت ثقة الجمهور في القيادة السياسية الحالية، وأثارت شكوكاً فيما يتعلق بأهداف حكومة نتنياهو وعواقبها.
هذه الفجوة الإدراكية بين الجمهور وكبار السياسيين أوقعت ضرراً كبيراً في قوة وصورة النظام السياسي الحاكم، وتصاعدت انتقادات الجمهور الإسرائيلي لإدارة الحروب التي خاضها نتنياهو وأولوياتها ونتائجها. كما أسهم الخطاب السياسي السائد ذو الخلفية القومية المتشددة، في سلوك ومواقف الإسرائيليين أثناء الحروب. هذا في الوقت الذي يشكل التوتر السياسي والحزبي المتصاعد، أساساً لخطاب العداء والإقصاء الاجتماعي والسياسي المحفّز على العنصرية والعنف، لا ضد العرب فحسب، بل ضد "اليسار" وكل من يعارض أجندة اليمين.
وعلى هذه الخلفية، تدور نقاشات داخل حزب الليكود اليوم حول كيفية التعامل مع سموتريتش، بعد هبوطه دون نسبة الحسم الانتخابي، إذ يُدرك الليكود أن بقاء حزب سموتريتش عند هذه العتبة يُعدّ وجعاً في خاصرة كتلة ائتلاف نتنياهو.
ويبدو أن إدراك نتنياهو لخطورة هذا الوضع على ائتلافه هو ما دفعه إلى دعوة بن غفير وسموتريتش إلى توحيد جهودهما، الأمر الذي قوبل برفض بن غفير الشديد، ما اضطر الليكود إلى الانتقال إلى استراتيجية إضعاف قوة حزب بن غفير من أجل استعادة الناخبين الذي تركوا الليكود لصالح بن غفير، ولتحسين وضع الصهيونية الدينية برئاسة سموتريتش بعد تراجعها إلى ما دون نسبة الحسم في العديد من استطلاعات الرأي.
ليس من المؤكد أن عوفر فينتر سيستمر في إدارة الظهر لنتنياهو، وقد يتحول للانحياز إلى جانب ائتلاف نتنياهو في أي لحظة، خاصة بعد أن نُقل عنه أنه سيوصي بنتنياهو لرئاسة الوزراء بعد الانتخابات المقبلة؛ ما يعني فقدانه لمعنى وجوده وانصراف أنظار الناخبين من اليمين الذين يحرصون على إزاحة نتنياهو، وسياسة الحكومة اليمينية المتطرفة الفاشلة عنه. لكن المؤكد أن نتنياهو سيستمر في الضغط على سموترتيش وبن غفير من أجل الوحدة، وكذلك ممارسة الضغوط على فينتر من أجل القبول بالحصول على مقعد مُحصّن داخل قائمة حزب الليكود، بما يضمن تماسك الائتلاف ومنع تشتيت أصوات ناخبي اليمين