إرهاب المستوطنين في الضفة يتصاعد ومخاوف إسرائيلية من "شرارة تشتعل"

الساعة 01:43 م|31 أغسطس 2026

فلسطين اليوم

كشفت وسائل إعلام عبرية اليوم الاثنين 31 أغسطس 2026، عن تصاعد مُقلق في مستوى إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع اتساع الفجوة بين التحذيرات الأمنية الإسرائيلية، وبين عدم احتواء مؤسسات إنفاذ القانون ما يجري.

وقالت صحيفتا "هآرتس ويديعوت أحرونوت": يسود القلق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من أن تتحول اعتداءات المستوطنين المتكررة إلى شرارة تدفع فلسطينيين إلى الانضمام للمواجهة والمقاومة، بما قد يؤدي إلى اتساع دائرة التصعيد في مناطق متعددة من الضفة.

وتقاطعت الصحيفتان في اعتبار ما حدث في بلدة قصرة، جنوبي نابلس، شمالي الضفة، نموذجاً واضحاً للمشكلة. فقد دخل عشرات المستوطنين إلى البلدة، وسيطروا على منزل فلسطيني واعتدوا على صحافيين أجانب، من دون توقيف أي منهم في موقع جريمتهم.

وبينما تعرف أجهزة أمن الاحتلال أسماء عدد من المشتبه بهم في الاعتداءات؛ حيث يُتوقع تنفيذ توقيفات لاحقاً، كشف ما حدث في قصرة عملياً عن آلية التنصل من المسؤولية: خلاف بين الشرطة والجيش بشأن الجهة المسؤولة عن عدم توقيف المستوطنين المعتدين.

فالشرطة تتهم الجيش بالتقصير في تنفيذ الاعتقالات، بينما يزعم جيش الاحتلال أنّ القوة الأولى التي وصلت إلى المكان "كانت محدودة العدد"، وأنّ الأولوية العاجلة كانت "الفصل بين الأطراف" وحماية سكان المنزل، قبل إخراج المستوطنين ومصادرة مركباتهم وجمع الأدلة وتسليمها للشرطة. ويعكس هذا السجال مشكلة أعمق تتمثل في "قطيعة عملياتية" بين الجيش والشرطة، والتي تقول مصادر أمنية لـ"يديعوت أحرونوت" إنها "باتت تعرقل التعامل الفعّال مع عنف المستوطنين".

في غضون ذلك، حذّرت المؤسسة العسكرية من أنّ هذه الاعتداءات لم تعد تقتصر على مجموعات صغيرة معزولة، إذ لوحظت مشاركة أعداد أكبر من المستوطنين، مع ارتفاع مستوى العنف وتراجع الخشية من تدخل الجيش. وتشير التقديرات الأمنية إلى أنه توجد نواة تتراوح بين 70 و100 ناشط، لتحريك مئات المستوطنين، واستدعاء التعزيزات وتحديد نقاط الاحتكاك والتنقل بينها.

وطبقاً للصحيفتين، فإنّ العنف المتصاعد مرتبط بمسألة أخرى تتمثل في طمس الخطوط الفاصلة بين مناطق الضفة الغربية (أ)، (ب)، (ج) بموجب اتفاق أوسلو؛ إذ بات المستوطنون يدخلون بصورة متزايدة إلى مناطق مأهولة فلسطينياً، ولا سيما مناطق "ب"، ويصلون إلى محيط المنازل والقرى. وفي هذا الإطار، ترى المؤسسة الأمنية أنّ هذا التحوّل أكثر خطورة من الاعتداءات التي تقع في البؤر الاستيطانية أو المناطق المفتوحة، لأنه ينقل الاحتكاك مباشرة إلى السكان الفلسطينيين ويزيد احتمالات الانتقام.

وفي هذا السياق، يحذّر الجيش من عدة سيناريوهات قصوى: أن ينفذ مستوطنون هجوماً دموياً على فلسطينيين، شبيهاً بهجوم إحراق منزل عائلة الدوابشة في قرية دوما عام 2015، أو باستخدام الأسلحة النارية، بما يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين. وحدث كهذا، بحسب التقديرات العسكرية، قد يدفع فلسطينيين كانوا بعيدين عن المواجهات إلى الانخراط في أعمال مقاومة عنيفة للرد. أما السيناريو المقابل فيتمثل في انتقال فلسطينيين إلى تنفيذ أعمال انتقامية ضد المستوطنين، نتيجة شعورهم بأن جيش الاحتلال والسلطة الفلسطينية عاجزان عن توفير الحماية لهم.

وتزداد المخاوف مع ظهور مجموعات من الشبان الفلسطينيين في نقاط الاحتكاك بهدف الدفاع عن سكان القرى. ورغم أن هؤلاء لا يحملون أسلحة، تخشى المؤسسة الأمنية أن يؤدي استمرار الاعتداءات إلى انتقالهم من "الدفاع إلى الهجوم"، أو أن تستغل "خلايا مسلحة" التصعيد لتنفيذ هجمات داخل المستوطنات أو البؤر الاستيطانية.

دعم ديني للمستوطنين

ويشير ما تقدّم إلى أن المشكلة لم تعد أمنية فحسب، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمستوى الحوكمة وإنفاذ القانون. فبحسب "هآرتس"، يسود توتر عميق بين قيادة المنطقة الوسطى في الجيش وقيادة شرطة "يهودا والسامرة" (الاسم التوراتي للضفة)، فيما تتهم مصادر عسكرية الشرطة بعدم الاستجابة لمطالب الجيش. كما يثير دعم حاخامات أعمال المستوطنين مخاوف من توفير غطاء ديني ومعنوي للجرائم الإرهابية والاعتداءات، بينما يُتهم جهاز الأمن العام (الشاباك) بعدم اتخاذ إجراءات تحذيرية بحق بعض المستوطنين والشخصيات المؤثرة.

وتتزامن هذه الأزمة مع توتر داخل المؤسسة العسكرية نفسها، في ظل خلافات في هيئة الأركان بشأن طريقة التعامل مع التصعيد، وحساسية سياسية مرتبطة بالتعيينات العليا وانتخابات الكنيست في 27 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وتخشى مصادر عسكرية من أن يؤدي الضغط السياسي والخوف من الاستهداف الشخصي للضباط، إلى الاكتفاء بإطلاق التحذيرات في الاجتماعات المغلقة من دون اتخاذ إجراءات كافية على الأرض.

في المحصلة، تُقر الصحيفتان بأنّ عنف المستوطنين أصبح، حتّى من منظور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها، عاملاً قد يهدد الاستقرار العام في الضفة الغربية. والسبب أن الخطر لا يكمن فقط في الاعتداءات القائمة، بل في احتمال تحولها إلى سلسلة من الهجمات والردود: اعتداءات مستوطنين، ثم ردود فلسطينية، مروراً بتدخلات أمنية، وصولاً إلى تصعيد أوسع يصعب احتواؤه. ومع اقتراب فترة الأعياد، وفي ظل الأجواء السياسية والانتخابية الحساسة، ترى المؤسسة العسكرية أن استمرار هذا المسار قد يجعل واقعة دموية واحدة كافية لإشعال الضفة بأكملها.