أحمد عبد الرحمن
تكاد عمليات الاغتيال الإسرائيلية في قطاع غزة لا تتوقف خلال الشهور العشرة الماضية، وهي تجري بصورة منتظمة وممنهجة، ووفق جداول مُعدّة مسبقاً كما تشير الكثير من المعطيات، وقد نتج عنها سقوط ما يزيد على ألف وثلاثمائة شهيد منذ إعلان وقف إطلاق النار أواخر العام الماضي، أكثر من نصفهم من كوادر المقاومة وقياداتها وعناصرها.
سؤالان كبيران يشغلان بال معظم أهالي القطاع، ولا يجدان إلا إجابات مجتزأة ومنقوصة في معظم الأحيان، وذلك يعود إلى نقص في المعلومات لدى الكثيرين، وصعوبة قراءة المشهدين الأمني والسياسي في هذا التوقيت بالذات، وهما المشهدان اللذان يرتبطان بالعديد من التطورات والساحات من جهة، ويرتبطان أيضاً بتعقيدات تكاد تكون مستعصية، وهي تتعلّق بالأساس برغبة "إسرائيل" عموماً، ونتنياهو خصوصاً في تحقيق نصر حاسم وواضح يمحو هزيمة السابع من أكتوبر المجيد، وهي الهزيمة التي ستبقى آثارها عالقة في الذاكرة الجمعية الإسرائيلية على مدار السنوات القادمة.
لن نستفيض كثيراً في الإجابة عن الشق الأول من السؤال والمتعلّق بأسباب ارتفاع وتيرة الاغتيالات خلال الشهور الثلاثة الأخيرة على وجه الخصوص، إذ إننا أشرنا إلى ذلك في أكثر من مناسبة عبر الميادين أونلاين، بالإضافة إلى وضوح الأهداف الإسرائيلية من وراء هذه الاغتيالات، ولكن من باب التذكير نشير إلى سببين أساسيّين، أولهما الحاجة الإسرائيلية الماسّة إلى تثبيت ميزان ردع جديد يمنع "أعداءها" من مجرد التفكير في مهاجمتها في المستقبل، وهي بذلك تحاول استعادة جزء من معادلة الردع التي قامت عليها نظرية الأمن القومي الإسرائيلية منذ ثمانية وسبعين عاماً.
هذه النظرية التي تضررت كثيراً خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، وشهدت حالة من شبه الانهيار نتيجة الإخفاقات في فلسطين ولبنان وإيران على وجه الخصوص، وباتت بحاجة إلى ترميم وإصلاح بدا للبعض حتى من الإسرائيليين بأنه غير ممكن، لا سيّما بعد معركة "طوفان الأقصى " المجيدة، وما تلاها من أحداث وتطورات هامة وفاصلة، كان آخرها ما تعرّض له الكيان رفقة حليفه الأميركي من هزيمة منكرة على يد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ثاني الأسباب يتعلّق برغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو في تحسين حظوظه الانتخابية قبيل الاستحاق الانتخابي القادم، والذي يجد نفسه متأخّراً فيه حسب استطلاعات الرأي عن منافسيه الآخرين خصوصاً "آيزنكوت وبينيت "، وهو ما يشكّل له كابوساً سيعمل على الفكاك منه بكل الطرق والوسائل، حتى لو أدّى ذلك إلى انهيار التهدئة في غزة، أو عودة الحرب على الساحتين اللبنانية والإيرانية.
أما بخصوص الشق الثاني من السؤال والمتعلّق بكيفية قيام "إسرائيل" بتنفيذ سلسلة طويلة من الاغتيالات، ونجاحها في الوصول إلى عدد كبير من قادة وعناصر فصائل المقاومة فهو ما يحتاج إلى تفصيل، خصوصاً بعد أن تمكّن "جيش" الاحتلال من اغتيال شخصيات وازنة في فصائل المقاومة لم ينجح خلال شهور الحرب الطويلة في الوصول إليها، رغم ما بذله من جهود كبيرة في ذلك الوقت.
دعونا نبداً أولاً بالإشارة إلى وجود نوعين من عمليات الاغتيال، وكلاهما له ظروف خاصة، وأدوات محدّدة، بالإضافة إلى حاجة أحدهما إلى فترة زمنية معينة، ومن دون توفّرها يتم إلغاء العملية تماماً، وفي بعض الأحيان تأجيلها إلى وقت آخر.
النوع الأول من عمليات الاغتيال يمكن تسميته بـ "العمليات المركّزة"، وهو في العادة يستهدف قادة كباراً في فصائل المقاومة الفلسطينية، ويتم عبر منظومة رصد وتتبّع خاصة تعمل على مدار الساعة، وتكون مهمتها البحث عن الهدف المُراد اغتياله، وفي حال نجحت في ذلك تقوم بمراقبته بدقة متناهية، وعبر وسائل مختلفة، يأتي في مقدمتها الوسائل التكنولوجية الخاصة برصد الاتصالات السلكية واللاسلكية، والرسائل النصية والإلكترونية، إلى جانب المراقبة البصرية، سواء عبر الطائرات المسيّرة التي تحمل كاميرات فائقة الدقّة تعمل ليلاً ونهاراً، وبعضها لديه القدرة على التصوير الحراري، أو عن طريق العملاء والجواسيس، والذين ما زالوا رغم التطور التكنولوجي الهائل مصدراً موثوقاً للمعلومات التي تُقدّم لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
تحتاج عملية اغتيال القادة إلى ظروف خاصة، منها التوقيت الذي يمكن أن يخدم مصلحة سياسية ما لدى العدو، إضافة إلى تأثير هذا الاغتيال على الطرف الآخر، سواء من ناحية "خلخلة" الهرم القيادي، أو تشكيل ضغط على القيادة السياسية للمقاومة لا سيّما أثناء جولات المفاوضات.
بالرجوع إلى بعض المعطيات والمعلومات، فإن أجهزة استخبارات العدو كانت تملك معلومات وافية عن وجود بعض قادة المقاومة، وعن الأماكن التي ينتقلون إليها في حالات الطوارئ، إلا أنها امتنعت عن استهدافهم طوال عدّة أشهر، ولم تقم بذلك إلا بعد تمكّنها من فرض سيطرة عملياتية ومعلوماتية كاملة على مجموعة منهم، حيث قامت باستهدافهم واحداً تلو الآخر في فترة زمنية قصيرة، وهذا الأمر تحديداً يُراد منه إحداث حالة من الإرباك في صفوف المقاومة نتيجة فقدان أكثر من قائد في فترات متقاربة، إلى جانب محاولة التأثير في معنويات الجبهة الداخلية الفلسطينية، والتي يعتقد العدو أنها يمكن أن تُصاب بنوع من الإحباط واليأس بعد فقدان ثلة من قادة المقاومة كانت تعوّل عليهم في إحباط وإفشال مخططات العدو.
كذلك يمكن ملاحظة أن معظم عمليات الاغتيال لقادة المقاومة تمت في أماكن ثابتة، سواء داخل شقق سكنية، أو في خيام ومراكز إيواء، ولم تتم على الطرقات كباقي عمليات الاغتيال، باستثناء عملية اغتيال الشهيد رائد سعد، قائد ركن التصنيع في كتائب القسام، والذي تم استهداف سيارته أثناء تنقّله على شارع الرشيد غرب مدينة غزة، لعدم معرفة العدو كما يبدو بالأماكن الثابتة التي يوجد فيها، خصوصاً أنه صاحب تاريخ طويل في التخفّي والهروب من ملاحقة أجهزة أمن العدو.
في عمليات اغتيال القادة استخدم "جيش" الاحتلال صواريخ شديدة الدقّة وواسعة التدمير من طراز (GBU-39)، تم إطلاقها من طائرات حربية حلّقت بأسراب تتكوّن من ثلاث إلى خمس طائرات، بعضها استُخدم للتمويه، فيما الأخرى أطلقت عددا ًكبيراً من الصواريخ لضمان نجاح عملية الاغتيال، كما جرى في حالة الشهيدين عز الدين الحداد ومحمد عودة، وإن نجا الأول من استهداف الشقة التي غادرها قبل القصف بثوانٍ معدودة، إلا أنه تمت ملاحقة سيارة الإنقاذ التي استقلّها بواسطة طائرات الاستطلاع، واستهدافها على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من مكان الاستهداف الأول.
وليس المقصود هنا أنها تتم مصادفة، أو خطأ، أو من دون وجود خطة معدّة سلفاً، بل إن هذا النوع من العمليات الذي ارتفعت وتيرته بشكل كبير مؤخراً يتم وفق خطة أوسع وأشمل ولكنها لا تشبه تلك التي تستهدف القادة والكوادر رفيعة المستوى.
حسب ما ورد في وسائل إعلام إسرائيلية عديدة، ومن خلال متابعة عمليات الاغتيال التي جرت مؤخراً، فإن أجهزة أمن العدو قد أعدّت قائمة واسعة لكوادر وعناصر في المقاومة تتجاوز حسب مصادر إسرائيلية الـ 5000 عنصر، ووضعتهم جميعاً على رادار الاغتيال في حال سنحت الفرصة لذلك، ولم يُفرد لكل واحد منهم جهد خاص للمتابعة والمراقبة ومن ثم الاستهداف.
ويبدو من خلال بعض المعطيات أن لدى أجهزة أمن العدو بيانات وافية عن هؤلاء الأشخاص، سواء من ناحية الاسم أو الشكل، أو طريقة الحركة، وكذلك أماكن السكن الأصلية أو البديلة، بالإضافة إلى تفاصيل عن حياتهم الاجتماعية وعائلاتهم وجيرانهم وأصدقائهم، وهو ما يجعل معرفة أماكن وجودهم أمراً ممكناً ومتاحاً.
إضافة إلى البيانات السابقة، فإن أجهزة أمن العدو تملك بصمات صوتية لهؤلاء العناصر، وهو أمر في غاية الأهمية، ويمكن من خلاله تحديد مكان الشخص حتى لو كان بين مجموعة كبيرة من الناس.
بوجود هذه المعلومات التي تخزّن جميعها في منظومة "الذكاء الاصطناعي" لدى العدو، يمكن تحديد مكان الشخص المُدرج في قائمة الاغتيالات في حال مروره أمام كاميرا مراقبة موجودة على باب محل تجاري، أو بنك، أو مطعم، كما يمكن تحديد مكانه في حال مرّ أمام كاميرا هاتف خلوي حديث، حتى لو لم تكن كاميرا الهاتف في وضع التقاط الصورة.
وهذا الأمر يعني أنه يمكن تحديد مكان شخص ما حتى لو لم يكن يحمل هاتفاً، أو يُجري اتصالاً عبر هاتف أرضي أو جهاز لاسلكي، فبمجرد تحركه في شوارع وطرقات فيها كاميرات مراقبة أو هواتف حديثة تصبح إمكانية اكتشافه كبيرة جداً.
كما أنه يمكن اكتشاف مكانه في حال تحدث بالقرب من أحد الهواتف الحديثة على وجه التحديد، حتى لو كان هذا الهاتف يبعد عنه عدّة أمتار، إذ إن قدرة هذه الهواتف المتابعة من قبل أجهزة أمن العدو على التقاط الأصوات كبيرة جداً، وهو ما يمكّن العدو في ظل ما يملكه من إمكانيات هائلة من تحديد صاحب الصوت المُدرج لديه مسبقاً، ومن ثم متابعته بطرق أخرى حتى لحظة استهدافه.
للأسف الشديد، في عمليات اغتيال كثيرة لم يكن العدو بحاجة إلى تفعيل خاصية البحث عن الأهداف من خلال منظومة "الذكاء الاصطناعي" المعقّدة، إذ إن إمكانية وصوله إلى بعض الشخصيات أصبحت أسهل وأسرع نتيجة استخدامهم هواتف نقّالة بغض النظر إن كانت قديمة أو حديثة، وهم في ذلك منحوا العدو فرصة من ذهب لاغتيالهم كما حدث الخميس الماضي قرب "مبنى الصناعة" غرب مدينة غزة، إذ تبيّن أن الشهيد الذي تم اغتياله كان يتحدث بواسطة هاتفه الشخصي لحظة استهدافه،حيث أصاب الصاروخ رأسه بشكل مباشر.
اكتشاف هدف ما يتم أيضاً من خلال العملاء والجواسيس المزوّدين بصور ومواصفات الشخصيات المراد الوصول إليها، خصوصاً إذا كانوا من مناطق سكناهم أو جيرانهم.
خلال الفترة الأخيرة لوحظت زيادة كبيرة في نشاط هؤلاء العملاء، والذين استفادوا من ثغرات في عمل أجهزة أمن المقاومة نتيجة ما تعرّضت له هذا الأجهزة من ضربات، والتي وإن لم تؤدّ إلى انهيارها أو تفكّكها، إلا أنها أثّرت بالسلب على قدراتها الميدانية على وجه الخصوص.
كما استفاد العملاء من وجود بعضهم في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، إذ إن هذه المراكز والمخيمات لا تخضع لإجراءات أمنية ثابتة وصارمة، ولا يمكن معرفة جميع الموجودين فيها أو فرزهم مناطقياً لانتمائهم إلى مناطق مختلفة، بعضها بعيد جداً عن مكانهم الحالي.
في عمليات الاغتيال العشوائية يُعطى الإذن بالاستهداف لحظة التأكّد من وجود الهدف سواء كان في شارع أو سيارة أو بيت أو خيمة، مع تفضيل لاستهدافه بشكل منفرد كما حدث خلال المرحلة الأخيرة تجنباً لوقوع إصابات بين المدنيين وهو ما يستوجب انتقادات دولية تسعى "إسرائيل" لتفاديها قدر الإمكان.
في العادة، تقوم بتنفيذ الاغتيال طائرات استطلاع إسرائيلية من طراز "هيرمس-450"، أو نسختها الأحدث من طراز "هيرمس-900"، والتي لا تفارق سماء قطاع غزة على مدار الساعة، وتطير جنباً إلى جنب مع نظيراتها المتخصصة بالمراقبة والرصد من طراز "هيرون"، وفي بعض الأحيان طائرات صغيرة الحجم من طراز "أوربيتر "، وهي وإن كانت مخصصة للهجمات الانتحارية، إلا أنها تشارك بفعالية في مهام المراقبة لا سيّما في المناطق المزدحمة وذات الكثافة السكانية الكبيرة.
على كل حال، وبما أن التفاصيل المتعلّقة بهذا الموضوع كثيرة، وبحاجة إلى مساحة أكبر، وهو ما يمكن أن نشير إليه مجدّداً في مناسبات أخرى، إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن هناك إمكانية للتغلّب على كل هذه المسائل المعقّدة، سواء من خلال إجراءات احترازية بسيطة مثل عدم استخدام الهواتف قديمها وحديثها نهائياً، أو أي وسائل اتصالات أخرى، والابتعاد عن الأماكن المزدحمة، أو مراكز التسوّق والمطاعم وغيرها من الأماكن التي يرتادها العامة، إلى جانب الابتعاد قدر الإمكان عن المحيط العائلي القريب والبعيد للأشخاص المستهدفين.
صحيح أن حارس العمر الأجل، وصحيح أنه لا يمكن الفرار من الموت، إلا أن الأخذ بأسباب النجاة واجب يجب الالتزام به، ففيه حفظاً للنفس، وتعزيزاً للقدرات، ومراكمةً لا بد منها للخبرات التي بات الشعب الفلسطيني في غزة بأمسّ الحاجة إليها.