مساعدات غزة: فائضٌ من الأرز والعدس يقابله شحٌّ في "الاحتياجات"

الساعة 10:48 ص|30 أغسطس 2026

فلسطين اليوم

في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة في قطاع غزة، يسعى المواطنون للحصول على أي مساعدة إنسانية قد تعينه في توفير لقمة عيش لأطفال، وعلى الرغم من شح كمية المساعدات الإنسانية التي تصل للمواطنين، إلا أن مايصل لهم يخيب آمالهم بسبب نوعيتها وكمياتها.

فالمتابع للحالة الاقتصادية في القطاع، يجد أن العديد من المؤسسات الإنسانية مازالت تقوم بدورها لتوزيع المساعدات الغذائية على المواطنين بين الفينة والأخرى، إلا أن المراقب لهذه المساعدات لا يجد سوى تكرار لما اعتاد عليه المواطن الغزي والذي لا يلبي حاجته الإنسانية ومطلبه.

وفي ظل الحصار الخانق، وبعد طول انتظار تصل الرسائل للمواطنين لتلقي مساعدات غذائية وبلهفة يحاول الوصول لها، وقد يستدين للحصول عليها، إلا أنه يفاجأ أنها بنفس الكميات والنوعيات التي اعتاد عليها منذ بداية الحرب، فيضطر لبيعها بأبخس الأثمان ليحصل على احتياجات أخرى، أو يخزنها خشية حدوث مجاعة كما حدث من قبل.

فجوة بين الاحتياج والمسموح

ولا تتجاوز كميات المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى قطاع غزة حالياً 25% إلى 30% فقط من الاحتياجات الفعلية للسكان، ولازالت غير كافية وغير منتظمة، كما أن هناك فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية للقطاع وما يُسمح بإدخاله، سواء من حيث الكمية أو النوعية أو استدامة تدفق المساعدات.

وأوضح مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة محمد صالحة، أن ما يدخل إلى قطاع غزة يتراوح يومياً بين 200 و220 شاحنة، في حين يحتاج القطاع إلى نحو 700 إلى 800 شاحنة يومياً وبشكل متواصل، ما يعني أن الكميات الداخلة لا تتجاوز 25 إلى 30% من الاحتياجات الفعلية.

وبحسب مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، فإن الكميات المسموح بإدخالها لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، بما يشمل الغذاء والدواء والملابس ومواد الإيواء وغيرها، في ظل الحاجة الواسعة للمساعدات الإنسانية.

البيع لشراء الأفضل

أبو خالد العايدي، تحدث بمرارة لـمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، لدى تلقيه رسالة بحصوله على "كابونة غذائية" من قبل الأغذية العالمية، ليصطدم مكوناتها "العدس والأرز والفاصولياء" التي اعتاد عليها ولم يتم تغيير مكوناتها منذ بداية الحرب، لافتاً إلى أنه يضطر لبيعها ليحصل على طعام جيد لأطفاله لأنهم "ملوُ وتعبوا" من العدس والأرز.

يقول الخالدي:" لماذا لا يتم التغيير في نوعية وكمية الكابونة الغذائية، ويحصل المواطن على حصة غذائية جيدة بها خضار وفاكهة ولحوم".

يقول أحمد درويش في حديث لـمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية":" للأسف اعتادت المؤسسات أن تقدم للمواطن منذ بداية الحرب مساعدات إنسانية، قد يكون بعضها تالفاً وانتهى تاريخه ولكون الفلسطيني يرزح تحت الحرب مضطر للقبول بها، بل وطلب الزيادة منها، خاصةً بعد أن عاش فترة المجاعة خلال الحرب.
يسأل درويش:" لماذا تبلغ قيمة هذه المساعدة وتُدفع من الجهة المانحة 700 دولار، بينما قيمتها الحقيقية في غزة لا يتجاوز الـ30 دولار، حيث تمثل هذه المحتويات من الطرود أكثر من 80% من المساعدات الواردة لغزة".

ويشير إلى أن بعض محتويات الطرود لا قيمة لها في السوق، في حين أن الاحتياجات الأساسية للمواطن غالية الثمن وأسعارها لا يمكن أن تراعي ضعف القدرة الشرائية لدى جل المواطنين في القطاع.

ويطالب المواطنون في القطاع، بضرورة تغيير محتويات الطرد لأصناف أكثر تنوع مثلًا زيت زيتون، تونة معلبة، لحوم معلبة، سكر، حليب، برغل، علب فول، شاي، ورفع جودة الأصناف لتكون صالحة للأكل.

فائض بلا قيمة

من جانبه وصف المحل الاقتصادي أحمد أبو قمر، مساعدات غزة أنها "فائض بلا قيمة"، موضحاً أن المشكلة الاقتصادية الحقيقية في غزة تتمثل بسوء تركيبة المساعدات وليست بقلتها فقط، معلبات وعدس وطحين تتكرر بكل طرد غذائي، لدرجة إنها تكدست بالخيام، بينما تغيب تماما أصناف أساسية متل الخضار واللحوم والحليب المنظفات ومستلزمات الايواء.

وأوضح أبو قمر في حديث لـمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن النتيجة الاقتصادية منطقية، حين يزيد المعروض من صنف واحد بشكل مبالغ فيه تنهار قيمته السوقية. طرد غذائي قيمته الأصلية تتجاوز 500 شيكل، بات يباع بالسوق بـ70 شيكل فقط، لأن الجميع يملك الصنف نفسه، فلا أحد مستعد يدفع ثمنه الحقيقي.

وبين، أن ما يحدث ليس مصادفة عابرة وإنما انعكاس لأزمة أعمق بإدخال المساعدات، دخل غزة حتى منتصف يوليو الماضي 58.6 ألف شاحنة مساعدات فقط من أصل 165 ألف كانت مفترضة -أقل من 35% من الكميات المتفق عليها، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي.

واعتبر أبو قمر أن الأخطر أن هذا النقص يترافق مع إغراق السوق بسلع تجارية منخفضة القيمة الغذائية (شوكولاته ونودلز ومشروبات غازية)، مقابل شح حاد بسلع أساسية عالية القيمة. فجوة مزدوجة تتمثل هدر بما هو متوفر وحرمان من الأهم.

ورأى أبو قمر أن الأسرة حين تبيع جزءاً من مساعداتها، هي ببساطة تحول فائضا لا تحتاجه إلى سيولة تشتري فيها ما تحتاجه فعلا، وذلك الحل الاقتصادي هو أن الأمن الغذائي لا يقاس بعدد الشاحنات الداخلة وإنما بمدى تطابق محتواها مع الاحتياج الحقيقي للسكان، وبدون تنويع فعلي تبقى المساعدة عبئا إضافيا لا حلا.