اعتاد الصحفي بشير أبو الشعر أن يحمل كاميرته ويوثق معاناة المرضى والجرحى في قطاع غزة، وينقل مناشداتهم بحثًا عن جهة تسمع أصواتهم وتساعدهم في الحصول على العلاج، لكن هذه المرة وجد نفسه في الجهة الأخرى من الحكاية؛ أبًا يقف أمام معاناة طفلته التي يرافقها المرض منذ سنوات، ويبحث لها عن فرصة لاستكمال علاجها.
"يابا أنا زهقت من العلاج".. كلمات قالتها الطفلة راما لوالدها، بعدما أنهكها المرض وتكررت معها نوبات التشنج، لتكشف في جملة قصيرة عن سنوات من العلاج والأدوية والانتظار، "دون أن تتمكن عائلتها حتى الآن من استكمال الفحوصات المتخصصة اللازمة لفهم حالتها.
وتعيش عائلة راما منذ سنوات على وقع نوبات التشنج المفاجئة، وما يرافقها من خوف دائم على طفلتهم، فيما أصبح تأمين الأدوية اللازمة جزءًا من معركة يومية لا تنتهي، في ظل صعوبة الحصول على العلاج واستكمال الفحوصات الطبية داخل قطاع غزة.
بدأت معاناة راما منذ عام 2020، وخضعت لعدد من الفحوصات والعلاج، إلا أن فحوصاتها لم تستكمل، ومن بينها فحص جيني كان من شأنه المساعدة في تحديد طبيعة حالتها.
ومنذ ذلك الوقت، تتابع راما علاجها في عيادات الغدد بمستشفى الرنتيسي، حيث تعتمد على الأدوية للسيطرة على حالتها، ويقول والدها لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، إن طفلته تعاني من نقص حاد في الكالسيوم وتتكرر معها نوبات التشنج، ما يجعل استمرارها على العلاج ضرورة لتجنب تدهور حالتها.

ويُعرف نقص الكالسيوم الحاد (Hypocalcemia) بأنه انخفاض مستوى الكالسيوم في الدم عن المعدل الطبيعي، وقد تظهر على المصابين به أعراض مختلفة بحسب شدة النقص، من بينها التشنجات والتقلصات العضلية والتنميل والضعف، فيما قد تؤدي الحالات الشديدة إلى مضاعفات أكثر خطورة.
ويصف الأب رحلة علاج طفلته بأنها أصبحت روتينًا مرهقًا للأسرة، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، مشيرًا إلى أن زوجته كانت تضطر في أوقات سابقة إلى السير على الأقدام للوصول إلى المستشفى والحصول على العلاج اللازم لراما.
ولا تتوقف معاناة الأسرة عند الوصول إلى المستشفى، إذ يؤكد أبو الشعر أنه يواجه أحيانًا صعوبة في توفير الأدوية، وفي حال نفاد أقراص "الألفا" أو الكالسيوم، يضطر إلى الخروج ليلًا والبحث عنها، خوفًا من تعرض طفلته لنوبة جديدة، قائلاً:" أحيانًا بطلع بعد نص الليل أدور على علاج راما، خصوصًا لما تخلص حبوب الألفا أو الكالسيوم، لأني بخاف عليها من التشنجات، ما بقدر أستنى لليوم الثاني".
ويشير أبو الشعر إلى أنه حاول أكثر من مرة الحصول على تحويلة طبية لابنته، إلا أن طلبه لم يجد طريقه إلى التنفيذ، موضحًا أن الأطباء أخبروه بأن حالتها مزمنة وتحتاج إلى العلاج بشكل مستمر.
لكن الأب لا يزال يرى أن إجراء الفحوصات المتخصصة، وعلى رأسها فحص الجينات، قد يساعد في فهم حالة طفلته بصورة أدق، وربما يفتح أمامها فرصة للوصول إلى علاج أفضل، قائلاً:" إذا ما في إمكانية نلاقي حل نهائي لحالتها هون، ليش ما يسمحوا لها تسافر وتكمل علاجها برّا؟ يمكن الأطباء في الخارج يقدروا يعرفوا سبب المرض ويساعدوها."

ولا يخفي الأب حجم القلق الذي يعيشه مع كل نوبة تصيب طفلته، خصوصًا أن راما ما زالت صغيرة، فيما لم تتمكن الأسرة حتى الآن من استكمال الفحوصات التي بدأت قبل سنوات، مؤكداً أن مطلبه لا يتجاوز منح طفلته فرصة حقيقية لاستكمال علاجها وفحوصاتها، والحصول على الرعاية الطبية التي تحتاجها، بعيدًا عن دائرة الانتظار وتوفير الأدوية من وقت لآخر.
واليوم، يناشد أبو الشعر المؤسسات الطبية والإنسانية والجهات المعنية مساعدته في تأمين تحويلة لطفلته وتسهيل سفرها إلى الخارج، لإجراء فحص الجينات واستكمال ما تحتاجه من فحوصات وعلاج، قائلاً: "أنا اليوم ما قدرت أستنى أكثر، وما عاد قلبي يحتمل. بدي تسهيلات لسفر طفلتي لتلقي العلاج في الخارج، وعمل فحص للجينات، لأنه الفحص المطلوب لمعرفة تفاصيل أكثر عن تشخيص المرض".
وبينما اعتاد أبو الشعر أن يوثق مناشدات المرضى والجرحى في غزة، يجد نفسه اليوم صاحب المناشدة، لا يبحث عن قصة ينقلها إلى الناس، بل عن فرصة لطفلته راما لاستكمال علاجها، بعد سنوات من المرض والانتظار.