في عام 2018، أحدثت شابة تبلغ من العمر 28 عاماً، تدعى ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، زلزالاً كبيراً في الحياة السياسية الأميركية بذلك الوقت، بعدما أطاحت في انتخابات مجلس النواب بالكونغرس، النائب جو كراولي في الدائرة 14 بولاية نيويورك، والذي كان يشغل مقعده لمدة 20 عاماً متواصلة، وكان الشخص الرابع في الهرم القيادي الديمقراطي في مجلس النواب الأميركي. أسّس صعود كورتيز السياسي، من دون أي تمويل من جماعات الضغط والشركات، هي ومجموعة أخرى حول البلاد، تضم إلهان عمر (نائبة حالية في الكونغرس من أصول صومالية – مينيسوتا)، ورشيدة طليب (نائبة من أصول فلسطينية – ميشيغن)، الموجة الأولى الكبيرة للتقدميين داخل الحزب الديمقراطي. ووصل التقدميون إلى الكونغرس، وأحدثوا زخماً غير معتاد، كشفته لاحقاً استطلاعات الرأي، والإحصاءات. ومثّلت كورتيز الصوت الأكثر تحدثاً في السياسة الأميركية، بحسب الأرقام، بعد الرئيس دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى (2017 – 2021)، منذ انتخابها حتى مغادرته منصبه في يناير/كانون الثاني 2021.
وبعد الانتخابات الأميركية في عام 2024 وخسارة الديمقراطيين الرئاسة، ظنّ الحرس القديم في الحزب أنهم نجحوا في تقييد حدود التيار التقدمي، غير أن الانتخابات التمهيدية للكونغرس لعام 2026 التي تسبق الانتخابات النصفية المقرّرة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل كشفت عن ولادة موجة تقدمية جديدة تحاول تصحيح نفسها وإعادة تقديم برامجها في مواجهة المؤسسة التقليدية التي يسّمي أعضاؤها أنفسهم بالمعتدلين. وتمكن التقدميون الجدد حتى الآن من إطاحة بعض أفراد المؤسسة التقليدية، غير أنّ هذه الموجة لا يزال أمامها طريق طويل لقيادة الحزب في الكونغرس.
التقدميون من 1991 إلى اليوم
ويضم التيار التقدمي في الكونغرس الأميركي (المؤلف من 535 عضواً بينهم 100 عضو في مجلس الشيوخ)، طبقاً للموقع الرسمي للتكتل، 99 عضواً برئاسة النائب غريغ كاسار، ونائبته إلهان عمر، و96 عضواً في مجلس النواب إضافة إلى عضو واحد في مجلس الشيوخ (السيناتور بيرني ساندرز).
أطلق ستة أعضاء فقط هذا التكتل في عام 1991، غير أن ذروته سُجّلت في 2018 بأكثر من 100 عضو. ويعرّف التقدميون أنفسهم بأنهم تيار "يدعو إلى سياسات تقدمية تمنح الأولوية للأميركيين العاملين على مصالح الشركات ويتبنى إصلاح نظام الهجرة ورعاية صحية شاملة وأجوراً مجزية وتعليماً من دون ديون وسياسة خارجية عادلة وتعزيز العدالة والكرامة والسلام للجميع.
حوصر التقدميون في الكونغرس، بعد تبنيهم سياسات تدعو إلى حمّامات مشتركة بين الرجال والنساء، واستخدام الجمهوريين لهذه السياسات كسلاح لاستهداف الديمقراطيين في 2024. وخفت صوت هذا التيار في العديد من القضايا، غير أن قضية واحدة، وهي قضية الإبادة الجماعية في غزة، قادت الأصوات البارزة في التكتل إلى إعادة تنظيم صفوفه في الانتخابات التمهيدية لعام 2026، حتى لو تطلب ذلك إقصاء بعض أعضاء التكتل نفسه.
ويضم التيار التقدمي اليساري الأميركي في داخله تيارات مختلفة، تتداخل في ملفات متعددة، غير أن التيارات الرئيسية هي: الاشتراكيون الديمقراطيون والليبراليون الديمقراطيون وتحالف "الديمقراطيون الجدد"، ورغم الاتفاق الكبير بين الأعضاء في عدد من القضايا على رأسها الرعاية الصحية والتغير المناخي، إلا أنهم يختلفون في العديد من القضايا على رأسها السياسات الخارجية، كما أن بعضهم يختار تغيير مواقفه السياسية بعد الفوز في الانتخابات طبقاً لمصالحه الخاصة.
تقدميون يطيحون تقدميين
غادر هذا العام، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، تقدميان دعما إسرائيل، لصالح مُرشّحيْن اثنين ضد الإبادة في غزة. والحديث هنا يدور عن شري ثانيدار وديانا ديغيت اللذين أطاحت غزة حظوظهما رغم انتمائهما الحالي أو السابق للجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي.
وشري ثانيدار هو أحد أبرز الوجوه الذين دخلوا السياسة الأميركية من بوابة التقدميين، وتحديداً من أقصى اليسار بجناح الاشتراكيين، بعدما حصل على دعم منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا بانتخابات عام 2022، وشارك في رعاية مشروع قرار يدعو الكونغرس إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل التي كان وصفها في عام 2021 بأنها دولة فصل عنصري خلال عضويته في مجلس النواب ولاية ميشيغن (لكل ولاية مجلس نواب خاص بها). غضبت لجنة الشؤون الأميركية الإسرائيلية "أيباك" (لوبي الضغط الأكبر لصالح إسرائيل في الولايات المتحدة) منه، وجعلته هدفاً رئيسياً لحملتها، ونشرت إعلانات سياسية ضده بـ1.6 مليون دولار، ودعمت منافسته شاكيراً هوكينز بـ55 ألف دولار، غير أنه فاز في انتخابات مجلس النواب الأميركي (2022)، مستعيناً بالإنفاق من ثروته الشخصية.
تصور سانيدار بعد فوزه في ذلك العام أن تغيير مواقفه السابقة بخصوص إسرائيل سيضمن له بقاء طويلاً في الكونغرس، فسافر مع "أيباك" في رحلة تثقيفية إلى إسرائيل في عام 2023، ثم انسحب من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بغلاف غزة، ليتحول العداء التاريخي بينه وبين إسرائيل إلى حماية وثيقة ودفاع من جانبه عن دولة الاحتلال ومصالحها. ومثلما دخل ثانيدار من بوابة الاشتراكيين الديمقراطيين، يغادر مجلس النواب الأميركي في يناير المقبل من الباب نفسه، بعدما دعم التقدميون ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية بولاية ميشيغن خلال شهر أغسطس/آب الحالي، منافساً له يتبنى مواقفهما في ما يخص معارضة تسليح إسرائيل، وهو الاشتراكي دونافان ماكيني، والذي أنفقت جماعات ضغط تعمل لصالح إسرائيل أكثر من 2.5 مليون دولار لإسقاطه.
وليست حالة ثانيدار الوحيدة التي يطيح فيها تقدمي معارض لإسرائيل تقدمياً آخر يدعم سياسات دولة الاحتلال ويحصل على تمويل من "أيباك"، ففي مدينة دينفر بولاية كولورادو، أطاحت الاشتراكية ميلات كيروس، ابنة الـ29 عاماً، العضو الديمقراطية بمجلس النواب منذ 30 عاماً، ديانا ديغيت. وقالت كيروس إن فوز زهران ممداني (عن "الاشتراكيين الديمقراطيين" والمهاجم الشرس لإسرائيل وسياسات رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو) بمنصب عمدة مدينة نيويورك ألهمها للترشح، بعدما أثبت أن التنظيم أقوى من المال، داعية إلى عدم الخوف في مواجهة المال السياسي.
وتُعرف كيروس التي ولدت في إثيوبيا بمواقفها المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، إذ كتبت في نوفمبر 2023 مقالاً تساءلت فيه عن شرعية إسرائيل التاريخية ردّاً على بيان لكبرى شركات المحاماة الأميركية، يخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية. وعلى خلفية المقال في حينه، فصلتها شركتها لرفضها حذفه.
ولا يزال ثانيدار وديغيت عضوين في التجمع التقدمي الديمقراطي، مع العشرات داخل هذا التكتل الذين يحصلون على أموال من اللوبي الداعم لإسرائيل، حيث يحصل ما بين 34 و36 عضواً من هذا التيار على أموال من "أيباك"، ومن بينهم شونتيل براون وبراد شيرمان وتيد ليو وفاليري فوشي ومايك ليفين وجيمي بانيتا وفرانك بالوني وبريندان بويل، بالإضافة إلى روزا ديلورو وكويسي مفومي ودونالد نوركروس ونانيت باراغان ونيكما ويليامز ولورا فريدمان ومورغان ماكغارفي وكريس ديلوزي وخوان فارغاس وغريس منغ وأدريانو إسبايات ودان غولدمان. أما لورا فريدمان ووستيفن هورسفورد وجو نيغوز وجين إيفي وغابي آمو وآدم سميث، فقد قطعت "أيباك" عنهم الدعم لتصويتهم لصالح قرار يوقف الدعم لإسرائيل قدّمه (النائب الجمهوري) توماس ماسي في يونيو/حزيران الماضي. وماسي خسر أخيراً التمهيديات لصالح مرشح مدعوم من ترامب.
وتوجد داخل كتلة التيار التقدمي ثلاثة اتجاهات رئيسية، أحدها يمثل الأعضاء الذين يقبلون الحصول على أموال شركات وجماعات الضغط بما فيها اللوبي الإسرائيلي، ولكنهم تقدميون في قضايا الأجور والرعاية الصحية والمناخ، والفريق الآخر الذي يعارض سياسات إسرائيل ويرفض أموال الشركات واللوبي الإسرائيلي، وهؤلاء التقدميون يضمون غالبية الاشتراكيين الديمقراطيين وبعض التقدميين، وفريق ثالث يطلق عليه في الكواليس السياسية بواشنطن The Chilled Democrats ويقصد بهم النواب التقدميون الخائفون، إذ يتحاشون إعلان مواقفهم في ملفات معينة، خوفاً من أن تستهدفهم "أيباك"، والتي من جهتها تتفهم هذا الوضع ولا تستهدفهم بشكل كبير. وعلى رأس هؤلاء زعيم الكتلة التقدمية نفسه غريغ كاسار الذي تبنى في بداية صعوده السياسي الحقوق الفلسطينية قبل أن يسحب توقيعه ودعمه لبعض المبادرات، وأيضاً مارك بوكان الذي سبق أن اعترف علناً بأن نواباً ديمقراطيين يصوتون لصالح قرارات مدعومة من "أيباك" ليس عن قناعة وإنما بسبب "الخوف على مستقبلهم السياسي".
ومثلما نجحت الآلة المالية لـ"أيباك" سابقاً في إنهاء الحياة السياسية لبعض أبناء التيار التقدمي الرافضين للإبادة في غزة، مثل جمال بومان وكوري بوش، نجح التقدميون وتحديداً الجناح الاشتراكي المعارض لإسرائيل، في إبعاد بعض الأسماء السياسية التقدمية التي تدعم إسرائيل بشكل شبه دائم، على رأسهم أدريانو إسبايات الذي خسر بالانتخابات التمهيدية هذا العام أمام الاشتراكية التقدمية دارياليزا أفيلا شوفالييه مقعد الدائرة 13 بنيويورك، ودان غولدمان الذي خسر أمام الأميركي اليهودي براد لاندر المعارض لسياسات إسرائيل في أكثر دائرة تضم يهود في الولايات المتحدة، وهي الدائرة العاشرة بنيويورك. بينما فازت الاشتراكية كلير فالديز عن الدائرة السابعة في نيويورك على منافس تقدمي معارض أيضاً لإسرائيل، وذلك خلفا للنائبة الحالية التقدمية التي أعلنت اعتزالها العمل السياسي نيديا فلازكيز التي كانت تعارض سياسات إسرائيل.
إلى ذلك، تشهد مقاعد تقدمية تنافساً كبيراً من تقدميين ضد إسرائيل ضد آخرين يدعمونها أو مدعومين من دولة الاحتلال، من بين ذلك السباق على تمثيل الدائرة 34 في ولاية كاليفورنيا، حيث ستُنافس أنجيلا غونزاليس توريس، النائب التقدمي الحالي جيمي غوميز، الذي يحصل على أموال من اللوبي الصهيوني (نظام الانتخابات التمهيدية في كاليفورنيا يسمح بترشح أول اسمين في ورقة الاقتراع بغض النظر عن الحزب الذي ينتميان إليه). وتتبنى توريس موقفاً ضد السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وتقدم نفسها باعتبارها مدافعة صريحة عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتعارض ما تصفه بتورط الولايات المتحدة في الإبادة الجماعية في غزة.
وأزاح التقدميون في صورتهم الجديدة التي ترفض أموال جماعات الضغط والشركات، على الأقل بستة أعضاء حاليين في مجلس النواب مع احتمالية الفوز ببضعة سباقات أخرى، حيث تنقسم طبقاً لتتبع "العربي الجديد"، إلى ثلاث مجموعات: أولاً التقدميون الذين ضمنوا بالفعل الفوز بمقاعدهم ومن بينهم المرشحون الثلاثة عن مقاعد ولاية نيويورك، وهم الاشتراكيان دارياليزا أفيلا شوفالييه وكلير فالديز والتقدمي براد لاندر، إضافة إلى الطبيب من أصلي مصري آدم حماوي عن إحدى دوائر ولاية نيوجيرسي وميلات كيروس عن إحدى دوائر ولاية كولورادو، ودونافان ماكيني عن إحدى دوائر ميشيغن.
أما المجموعة الثانية فهم التقدميون الجدد الذين ينافسون في دوائر متأرجحة، إما مع ديمقراطيين أو بين ديمقراطيين وجمهوريين، وعلى رأسهم النائبة التقدمية عائشة واهب عن إحدى دوائر ولاية كاليفورنيا، حيث ستواجه في نوفمبر المقبل الديمقراطية ميليسا هيرنانديز المدعومة من اللوبي الإسرائيلي، والتي فازت عليها عائشة منذ أيام في انتخابات خاصة لشغل مقعد الدائرة حتى يناير المقبل بعد استقالة النائب إريك سوالويل الداعم إسرائيل بسبب تهم تتعلق بالسلوك الجنسي، علماً أن "أيباك" أنفقت خمسة ملايين دولار في هذا السباق. كذلك تواجه التقدمية أنجيلا غونزاليس توريس المعارضة لإسرائيل، النائب التقدمي الحالي جيمي غوميز على مقعد لدائرة الـ34 في كاليفورنيا، فيما ستواجه التقدمية ماي فانغ النائبة الديمقراطية الحالية دوريس ماتسوي لتمثيل الدائرة السابعة في كاليفورنيا، والتقدمي راندي فيلغاس الذي يواجه النائب الجمهوري ديفيد فالاداو لتمثيل الدائرة الـ22 في الولاية ذاتها، وأيضاً التقدمي وليام لورانس على مقعد الدائرة السابعة في ميشيغن، والذي سيواجه النائب الجمهوري توم باريت في دائرة تنافسية للغاية.
أما المجموعة الثالثة، فهي الدوائر التي تعد مضمونة للمرشحين المنافسين للتقدميين المعارضين لإسرائيل (طبقاً لتصنيف تقرير كوك السياسي المستقل والمتخصص لنتائج وتوقعات الانتخابات الأميركية). وتضم التقدمي بول نولي الذي ينافس الأميركي من أصول لبنانية وعضو مجلس النواب عن الحزب الجمهوري دارين لحود، لتمثيل الدائرة الـ16 في ولاية إلينوي، وهي دائرة مضمونة للجمهوريين. كما تسعى الطبيبة التقدمية آشلي بيل إلى قلب مقعد مجلس النواب عن الدائرة العاشرة في ولاية كارولينا الجنوبية، والذي يشغله حالياً النائب بات هاريغان، غير أن هذا المقعد يُصّنف أنه آمن للجمهوريين. كذلك، ينافس القس التقدمي روب وايرس النائب الجمهوري ستيف ووماك على تمثيل الدائرة الثالثة بولاية أركنساس في مجلس النواب، والتي تعد أيضاً آمنة للجمهوريين. وفي الدائرة الرابعة بولاية إنديانا، يخوض الأستاذ والموسيقي التقدمي درو كوكس، الانتخابات في نوفمبر المقبل بمواجهة النائب الحالي جيم بيرد المدعوم من اللوبي الصهيوني، وهي دائرة جمهورية آمنة.
أما بالنسبة لأهمية انتصار بعض التقدميين في هذه المجموعات، خاصة الثانية والثالثة، فإن انتصار أي منهم يعني إضافة تقدميين شباب جدد يرفضون تمويل إسرائيل وأموال جماعات الضغط الداعمة لها، إما بدلاً من تقدميين تتباين مواقفهم طبقاً للمزاج العام في البلاد، وإما بإطاحة ديمقراطيين وجمهوريين يضعون أموال "أيباك" ومصلحة إسرائيل أولوية لهم حتى لو جاءت على حساب مقتل المدنيين والأبرياء.
ومن ناحية أخرى، سيشكّل فوزهم ضخّ دماء جديدة شابة في الحياة السياسية الأميركية قادرة على إضافة زخم جديد وتشكيل كتلة قوية إلى جانب المجموعة التقدمية المعارضة لإسرائيل التي تقودها رشيدة طليب وإلهان عمر، كما قد يشجع ذلك المجموعة الحالية المترددة على تجاوز مواقفها الرمادية.
كما يتميز التقدميون الجدد برسوخ فكرة الحق الفلسطيني لديهم كمبدأ غير قابل للتحول، حيث ترشح بعضهم ردّاً على تجاهل الكونغرس للإبادة في غزة مثل الطبيب آدم حماوي الذي تطوع في مستشفيات غزة خلال الإبادة الجماعية، وأنجيلا غونزاليس توريس التي كانت شاهداً على فضّ مخيم الطلاب من أجل غزة، ودارياليزا أفيلا شوفالييه التي زارت فلسطين.
معركة "الشيوخ"... الجائزة الكبرى
في مجلس الشيوخ، يبدو الأمر مختلفاً، إذ يضم التيار التقدمي حالياً عضواً واحداً من أصل 100 هو السيناتور بيرني ساندرز، الأب الروحي لكل هذه الموجة منذ التسعينيات حتى اليوم، وستكون درجة تأثير دخول أي عضو جديد كبيرة للغاية بالنسبة إلى ملفات متعددة، إذا نجح الحزب الديمقراطي في قلب الغرفة التشريعية، ومن هنا كان حرص "أيباك" على العمل ضد مرشحين بعينهم تتخوف من فوزهم. وجاءت أكبر المفاجآت لصالح التقدميين، إما في ولايات تنافسية، أو ولايات تميل للجمهوريين، وأجبرت المؤسسة الديمقراطية التقليدية على دعمهم علناً، خصوصاً أن لا خيار آخر أمام غير ذلك للفوز بالأغلبية. وسيمثل فوز أي من هؤلاء المرشحين الأربعة أكبر إضافة للتيار التقدمي في الكونغرس.
وكانت الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغن المتأرجحة هي الحدث الأبرز هذا العام، حيث أنفقت "أيباك" وحدها 32 مليون دولار ضد المرشح التقدمي من أصول مصرية عبد الرحمن محمد السيد الذي فاز على منافسته الديمقراطية الداعمة لإسرائيل هايلي ستيفنز، وتحاول الآن العمل مع المرشح الجمهوري مايك روجرز وقد جمعت له تبرعات الأسبوع الماضي علماً أنه أبدى تخوفاً من أن تؤثر حملاتها الإعلانية العلنية لصالحه سلباً على فرصه في نوفمبر المقبل. يصف المرشح الديمقراطي محمد السيد، الشهير باسم عبدول، إسرائيل بأنها دولة مارقة ويرفع شعار "إخراج المال من السياسة ووضع الأموال في جيوبهم ورعاية صحية للجميع".
أما في ولاية مينيسوتا، فقد فازت المرشحة التقدمية المعارضة لإسرائيل بيغي فلانغان ببطاقة الحزب لانتخابات مجلس الشيوخ، على حساب النائبة الحالية أنجي كريغ، المدعومة من "أيباك"، وستواجه في نوفمبر المرشحة الجمهورية، مذيعة الرياضة الشهيرة، ميشيل تافويا. وسبق أن تعهدت فلانغان بالتصويت لوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، ودعم برامج رعاية صحية شاملة، وتظهر آخر استطلاعات الرأي تقدمها بفارق يبع نقاط على منافستها، ولم يفز الجمهوريون بأي انتخابات على مستوى الولاية (الحاكم والنائب ومجلس الشيوخ) منذ عام 2006.
وفي ولاية ماين، يسعى التقدمي تروي جاكسون المعارض للإبادة في غزة لقلب مقعد الولاية الذي تشغله السيناتور الجمهورية سوزان كولينز الداعمة لإسرائيل، أما في ولاية فلوريدا فقد جذبت أنجي نيكسون الأنظار، بعدما نجحت في الفوز ببطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي بعد تغلبها على منافسها أليكس فيندمان المدعوم من قيادات الحزب بحملة من ملايين الدولارات. وستواجه نيكسون في نوفمبر المرشحة الجمهورية آشلي مودي، وهذا السباق سيكون صعباً للغاية بالنسبة إليها، نظراً إلى أن فلوريدا تحولت إلى ولاية آمنة للجمهوريين منذ سنوات، بعدما كانت متأرجحة بين الحزبين.
ويعني هذا أن تكتل التقدميين في مجلسي النواب والشيوخ قد يتجاوز 100 عضو من بين 435 عضواً بمجلس النواب، وذلك عبر إضافة مجموعة ترفض أموال "أيباك"، بينما لا تزال هناك مجموعة تقدمية داعمة لإسرائيل ومواقفها في الشرق الأوسط. كما ستواصل هذه الموجة الجديدة من التقدميين التي تركز على السياسة الخارجية ورفض أموال جماعات الضغط في نوفمبر إطاحة أسماء تقدمية أو ديمقراطية أو جمهورية داعمة لإسرائيل بشكل تام، كما قد تشهد دخول أعضاء جدد إلى مجلس الشيوخ لديهم القدرة على التأثير بشكل أكبر في الغرفة التي تتحكم في التصديق على القضاة الفيدراليين ومسؤولي الحكومة. أما التأثير الأكبر فهو الحيوية التي من المتوقع أن تضيفها هذه الموجة الجديدة الشابة التي تضع قضايا شعبية مثل الرعاية الصحية ووقف دعم إسرائيل على رأس أجندتها، حتى وإن كان هذا التيار غير قادر في صورته المستقبلية التي سيكون عليها في نوفمبر على تنفيذ هذه الأجندة.
المصدر: "العربي الجديد".