"تل أبيب" والخطوط "الصفراء" الجوية في سوريا

الساعة 01:33 م|29 أغسطس 2026

فلسطين اليوم

مؤخراً، تعرض مطار "أبو الظهور" العسكري في ريف إدلب شمالي سوريا، لضربة جوية نفذتها أربع مقاتلات إسرائيلية على الأقل، نتج عنها أضرار متوسطة في المدرج الرئيسي والفرعي للمطار، أظهرتها الصور الجوية في هذا المطار الذي جرى تجديده مؤخراً بمساعدة تركية.

اللافت في هذا الهجوم - الذي لا يعتبر من حيث الشكل الأول من نوعه - التصريحات "المعلنة" لوزير الدفاع الإسرائيلي، والتي أكد فيها ضلوع "إسرائيل" في هذا الهجوم، مؤكداً استمرار السياسة الإسرائيلية الحالية الرامية إلى "التصدي لأي مصدر تهديد خارجي".

جاءت الضربة الجوية الإسرائيلية لمطار أبو الظهور العسكري، بعد أن أظهرت الصور الجوية الحديثة، بدء أعمال ترميم واسعة النطاق في المطار منذ نيسان/ أبريل الماضي، تركزت بشكل أساسي على تحديث مدارج الطائرات والبنية التحتية الداعمة، بما يؤشر على وجود نيات حقيقية لإعادة هذا المطار إلى نشاطه الكامل، سواء على مستوى وجود مقاتلات حربية عاملة فيه، أم إعادة تأهيل وتشغيل أنظمة الدفاع الجوي والرادار الموجودة فيه. 

 

مسار "تدميري" للقدرات العسكرية السورية

في السياق العام، تعتبر هذه الخطوة من جانب سلاح الجو الإسرائيلي، استكمالاً لخطوات سابقة حاولت الحؤول دون تمدد تركيا عسكرياً في سوريا بشكل يمسّ حرية الحركة الجوية الإسرائيلية في الأجواء السورية واللبنانية. بداية هذه الخطوات كانت في آذار/مارس 2025، حيث أظهرت الصور الجوية بدء عمليات إنشاء قاعدة للدفاع الجوي، داخل مطار منغ العسكري السوري، جنوب مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي، وشملت هذه العمليات إعادة تهيئة المطار العسكري ليكون قاعدة للدفاع الجوي، وكذا تأهيل مهبط المروحيات الموجود في المطار، حيث يُعتبر هذا المطار أساساً مطاراً للمروحيات العسكرية، ويضم مدرجين يبلغ طول كل منهما 1.2 كيلومتر.

 

تزامن ذلك مع تصريحات نشرتها حينذاك صحيفة "حرييت" التركية"، تفيد بأن تركيا ستسهم في إعادة هيكلة الجيش السوري، وستعمل على تزويد الجيش السوري بمنتجات صناعاتها الدفاعية، وستقوم بتعيين أحد ضباطها مستشاراً عسكرياً للجيش السوري. كما أن هذا التطور ترافق مع نشر أنباء عن استطلاع ضباط أتراك مطارات سورية عسكرية أخرى، مثل مطار "التيفور" في ريف حمص الشرقي.

 

عقب ظهور هذه الصور، أطلقت المقاتلات الإسرائيلية في نيسان/أبريل 2025، غارات استهدفت مطار تدمر العسكري، ومطار "التيفور"، في ريف حمص، وأسفرت هذه الغارات عن تدمير عدد من الطائرات، من بينها قاذفة من نوع "سوخوي-24"، جرى نشر صور بعد تدميرها، بجانب برج المراقبة وكتيبة للصواريخ ومستودع للأسلحة داخل مطار التيفور، حيث أفادت التحليلات الإسرائيلية حينذاك، بأن قاعدة التيفور تمثل أهمية كبيرة للجانب التركي، الذي كان بصدد السيطرة عليها لتكون قاعدة متقدمة تعمل منها المسيرات الهجومية والاستطلاعية، مع إمكانية الدفع بطائرات مقاتلة.

 

في التوقيت نفسه، قالت قوات سوريا الديمقراطية - التي اندمجت لاحقاً ضمن النسيج العسكري النظامي في سوريا - إنه في مناطق جنوب وشرق مدينة منبج، وفي محيط مدينة عين العرب، ينقل الجيش التركي ليلاً وبشكل سري آليات ومستلزمات عسكرية لبناء قواعد جديدة في تلة قره قوزاق، وكذلك على الضفة الغربية لنهر الفرات، وفي قرية حسن آغا جنوب شرق مدينة منبج، وأشارت إلى أن تركيا تتبع الأساليب السرية في بناء قواعدها الجديدة، وتتجنب رفع الأعلام والرايات التركية على تلك القواعد.

 

سياقات ضربة أبو الظهور

إذ، مما سبق يمكن القول إن "تل أبيب" تتتبّع منذ سقوط نظام الأسد، عمليات إعادة تأهيل الجيش السوري، وخاصة أن الغارات على مطار أبو الظهور، جاءت بعد ساعات من انتشار معلومات عن زيارة وفد عسكري تركي للمطار لمعاينته والمساعدة في إعادة تأهيله، وهو أمر لم تؤكده أو تنفيه أنقرة، وإن كانت قد قالت إنها تساعد دمشق على إعادة تأهيل منشآتها العسكرية، وبالتالي يمكن وضع قصف هذا المطار ضمن عدة سياقات أساسية، السياق الأول يتمثل في منع إعادة تشغيل مطار أبو الظهور، فقد تركز القصف الإسرائيلي بشكل أساسي على مدرجات الإقلاع والمنشآت المرتبطة بالتشغيل، بشكل يشي بأن الهدف الأساسي من هذا الهجوم، كان وقف أي محاولة لإعادة تشغيل المطار، أو تأخير هذه المحاولات قدر الإمكان.

 

سياق آخر في هذا الصدد، يرتبط بما يبدو أنه محاولة إسرائيلية لتكرار معادلة "تحجيم التسليح" في سوريا، فقد أشارت عمليات القصف سالفة الذكر للمطارات السورية، وكذلك العمليات الجوية الإسرائيلية التي جرى تنفيذها خلال الأيام التالية لسقوط النظام السوري، واستهدفت القوات الجوية والبحرية السورية، ووحدات الدفاع الجوي، إلى استراتيجية إسرائيلية ممتدة من الآن فصاعداً، تحاول تحجيم أي عملية جديدة لإعادة التسلح السوري، في حدود ضيقة لا تمثل مخاطر حالية أو مستقبلية على نطاقات السيطرة الإسرائيلية في الجنوب السوري.

 

ويمكن قراءة هذا التوجه بشكل كبير من خلال التركيز الإسرائيلي الشديد مؤخراً، على متابعة عمليات إعادة تأهيل القوات الجوية السورية، خاصة بعد رصد بدء تحليق طائرات حربية سورية من نوع "سوخوي-22"، للمرة الأولى منذ سقوط النظام السوري، وكذلك رصد تحليق طائرات تدريب متقدم مجددة من نوع "إل-39"، خلال الاحتفال بتخريج دفعة جديدة من ضباط صف الكلية الجوية في قاعدة خالد بن الوليد "كويرس سابقاً"، بريف حلب الشرقي، في تموز/يوليو الماضي. يُضاف إلى ذلك أن موقع مطار أبو الظهور، يعتبر استراتيجياً على المستوى العسكري، بسبب موقعه المتوسط القريب من محافظات إدلب وحلب وحماة، والبادية السورية.

 

وحقيقة الأمر أن تركيز المراكز البحثية الإسرائيلية، حول مسألة إعادة تأهيل وتنظيم الجيش السوري، كان ملحوظأ خلال الشهرين الماضيين، حيث ركزت هذه المراكز على الهيكل الجديد لهذا الجيش، الذي يتألف بشكل أساسي من "فيالق إقليمية"، عددها خمسة، هي الفيلق الشمالي، والفيلق الشرقي، والفيلق المركزي، وفيلق دمشق والجنوب، وفيلق الغرب والساحل، ولكل منها أربع فرق عسكرية كاملة، عدا فيلق دمشق والجنوب الذي يتكون من ثلاث فرق عسكرية فقط. هذا التقسيم من وجهة النظر الإسرائيلية، سيرسّخ تسلسلاً قيادياً أكثر وضوحًا، وسيحسّن من سيطرة دمشق على القوات المسلحة، وسيقصّر إجراءات اتخاذ القرار، وسيمكن من نشر القوات بمرونة أكبر استجابةً للتهديدات المتغيرة على مختلف جبهات سوريا، وهو أمر يمثل في حد ذاته مصدر انتباه لـ"إسرائيلط، كما أن قادة الفيالق الخمسة، جميعهم من كبار المسؤولين السابقين في هيئة تحرير الشام، ذوي الخلفية الفكرية السلفية الجهادية.

 

السياق الثالث ، والأهم، يرتبط بمستوى الرسائل الاستراتيجية المتبادلة بين "تل أبيب" وأنقرة، فخلال مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري، اختارت القيادة العسكرية الإسرائيلية تفادي التصادم مع تركيا عبر تحييد الأهداف المستقبلية من خلال الضربات الجوية للمواقع المتوقعة لتموضع تركيا على المستوى العسكري، لكن هذه الغارة تمثل رفعاً لمستوى الرسائل غير المباشرة الوجهة من تركيا، لتصبح رسائل مباشرة، حيث إن هذه الغارات على مطار أبو الظهور، تعتبر عملياً أول خطوة عسكرية مباشرة من جانب "إسرائيل"، تستهدف منطقة تعتزم تركيا إرسال عناصر من جيشها إليها، حيث كشفت وسائل إعلام تركية، أن أكثر من 200 عسكري كانوا يستعدون للانتشار في المطار. لذا تعتبر هذه الغارات رسائل تحذيرية مباشرة، مفادها أن محاولة تركيا الاستعاضة عن امتلاك قواعد في سوريا، بتحويل القواعد السورية إلى نقاط تمركز عسكرية تركية على نسق قواعدها في ليبيا، لن تكون مقبولة إسرائيلياً.

 

في هذا الصدد يلاحظ أيضاً أن الاهتمام الإسرائيلي بالملف السوري، يتقاطع مع قلق متزايد من جانب تل أبيب، حيال الدور التركي في تسليح الجيش السوري، وقد تجلّت ذروة هذا القلق في كانون الثاني/يناير الماضي، مع الكشف عن نشر نظام رادار متطور من إنتاج شركة الصناعات الدفاعية التركية "أسيلسان"، وهو الرادار "HTRS-100" - في مطار دمشق الدولي، وهو نظام يوفر صورة جوية ثلاثية الأبعاد دقيقة ضمن نطاق يراوح بين 150 و185 كيلومتراً، وهو نطاق لا يُغطي سماء دمشق فحسب، بل يُغطي أيضًا أجزاءً واسعة من لبنان، ويمتد حتى إلى المجال الجوي لشمال "إسرائيل"، وهو ما يشكل تهديدًا لحرية الحركة الجوية الإسرائيلية، التي تمتعت بها الأسراب الجوية الإسرائيلية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. جدير بالذكر أن عدة أنواع من المعدات العسكرية التركية، بدأت بالظهور تباعاً ضمن تجهيزات الجيش السوري الجديد، منها كاسحات الألغام المتحكم فيها عن بعد "MEMATT"، وتجهيزات أخرى.

 

في الخلاصة العامة، يمكن القول إن الضربة الإسرائيلية الأخيرة لمطار أبو الظهور، تعتبر من حيث المضمون، أحدث الخطوات الرامية إلى دعم مشروع "مشرق جديد" في جنوب سوريا، الذي كشفت عنه صحيفة "يديعوت احرونوت" مؤخراً، وقالت إنه بدأ عملياً قبل عامين، بهدف تحصين كامل منطقة الحدود بين "إسرائيل" وسوريا بواسطة خنادق بعمق وعرض أربعة أمتار وسواتر ترابية عالية. وقال التقرير إنه تم حتى الآن إنجاز قرابة 80% من حفر الخنادق، من منطقة مجدل شمس وحتى منطقة المثلث الحدودي بين سوريا ولبنان و"إسرائيل".

 

الكشف في هذا التوقيت عن الإجراءات الإسرائيلية الجديدة في سوريا، يشير إلى انتقال الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في هذا الاتجاه، من مرحلة التوغلات المؤقتة إلى ترسيخ وجود عسكري أكثر ثباتًا، عبر إقامة مواقع عسكرية دائمة ومنظومة خنادق وسواتر تمتد على طول المنطقة الحدودية، بهدف إبطاء أي تحرك بري باتجاه المنطقة التي يسيطر عليها "الجيش" الإسرائيلي، فيما تخضع النقاط التي تتيح عبور القوات للمراقبة ولتغطية نارية بالمدفعية، وفق مفهوم أمني جديد لا يقوم على تحديد الجهة التي يعتبرها عدوًا بصورة مسبقة، سواء كانت حزب الله أم الجيش السوري أم مجموعات مسلحة أخرى، وإنما على تقييم ما تستطيع أي جهة القيام به عسكريًا.

"تل أبيب" والخطوط "الصفراء" الجوية في سوريا، بقلم : محمد عبده