لا تبدو "إسرائيل" اليوم أمام معركة انتخابية طبيعية تتنافس فيها الأحزاب الإسرائيلية على البرامج والمقاعد، بل أمام معركة على تعريف الأمن أولاً، واستطلاعات الرأي الأخيرة ترسم مشهداً سياسياً مضطرباً حتى اللحظة، مشهداً يسجل تراجعاً واضحاً لنتنياهو، وصعوداً واضحاً لغادي آيزنكوت، وتقدماً لأحزاب سياسية تبحث عن بديل لحزب الليكود، لكن من دون أن يظهر حتى الآن بديل أيديولوجي واضح لسياسات اليمين الإسرائيلي.
وهذا ما يطرح سؤالاً مهماً أمام هذه المعطيات، مع قرب الانتخابات الإسرائيلية/ هل المطلوب تغيير نتنياهو واستبداله، أم تغيير النهج الذي قاد "إسرائيل" إلى حرب وتصعيد على عدة جبهات، ما زالت "إسرائيل" غير قادرة على حسم أيٍّ منها؟
وبينما تتراجع صورة نتنياهو كخيار قوي وحيد، تستمر الجبهات العسكرية في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية والقدس مفتوحة، فيما تتصاعد لغة الخطاب والرغبة في استئناف الحرب على إيران من جهة أخرى.
وهنا تكمن المفارقة، كلما اهتزت مكانة نتنياهو السياسية انتخابياً، ازدادت قيمة العامل الأمني في المعركة السياسية المرتقبة، وهو الجانب الوحيد الذي يلعب عليه نتنياهو مع ناخبيه، باعتباره ما يشيع أنه سيد الأمن في "إسرائيل"، والأكثر قدرة على تحقيقه من غيره.
الجديد في مشهد الانتخابات الإسرائيلية هو صعود غادي آيزنكوت من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ففي أحدث استطلاع للرأي نشرته قناة كان، حصل حزب يشار بقيادة آيزنكوت على 24 مقعداً، متقدماً على حزب الليكود بمقعدين، فيما حصل تحالف نفتالي بينيت بياحد، الذي يضم يائير لابيد، على 14 مقعداً، وحصلت الأحزاب العربية مجتمعة على 12 مقعداً.
وهنا، بعيداً عن الأرقام وأهميتها، فإن الأهم هو أن تحالف آيزنكوت وبينيت يتفوقان على نتنياهو في سؤال الشخصية الأنسب لرئاسة الوزراء في الانتخابات المقبلة. وهذه الأرقام، إذا استمرت في الظهور عبر استطلاعات متقاربة، تعني أن نتنياهو لم يعد يتمتع بالمكانة التي كان يقدم بها نفسه للناخب الإسرائيلي، باعتباره الأكثر رسوخاً في المشهد السياسي الإسرائيلي، بعد ثلاث سنوات من حرب مستمرة على عدة جبهات.
لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن الناخب في "إسرائيل" انتقل من تأييد اليمين إلى اليسار أو حتى إلى أحزاب الوسط.
ثمة مسألة مهمة جداً في هذا السياق، بل يجب الحذر منها في قراءة المشهد المتعلق بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة وفي القراءة السطحية لصعود غادي آيزنكوت. فهو قادم من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إذ تقلّد منصب رئيس الأركان سابقاً، ويُعد جزءاً مهماً من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي تشكل أحد أعمدة صناعة القرار في "إسرائيل".
وبالتالي، فإن صعوده يعكس، في جانب مهم منه، رغبة قطاعات من الناخبين في "إسرائيل" في استبدال نتنياهو وتغييره، لا استبدال العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، بمعنى أدق، قد يكون نجاح آيزنكوت بديلاً لنتنياهو، لكنه ليس بالضرورة بديلاً لسياسات نتنياهو، وهذه هي النقطة التي ستصبح أكثر حساسية كلما اقترب موعد استحقاق الانتخابات في "إسرائيل".
السؤال الحقيقي الذي تواجهه المعارضة في "إسرائيل" ليس فقط، كيف نتخلص من نتنياهو؟ بل، ماذا سنفعل بعد نتنياهو؟ وهل سيكون آيزنكوت بديلاً مناسباً أم مختلفاً في إدارة الحرب؟ بل هناك أسئلة كثيرة تدور في العقل الإسرائيلي حول سياساته تجاه الشعب الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر، والعلاقة مع حزب الله في لبنان، والعلاقة مع إيران، ومواقفه من الولايات المتحدة.
كل هذه أسئلة لا تبدو لها إجابات واضحة حتى الآن، بل إن ردود منصور عباس بشأن القائمة العربية والاعتراف بدولة فلسطينية كشفت حدود المجال السياسي في "إسرائيل"، فبدلاً من أن تتحول القضية إلى نقاش استراتيجي حول مستقبل الصراع، تحولت سريعاً إلى اختبار للولاء السياسي، واضطر آيزنكوت إلى التنصل منها فوراً خشية أن يدفع ثمناً انتخابياً.
وهذا الموقف يكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بشخص نتنياهو، وإنما بمحددات أوسع للمسار السياسي في "إسرائيل".
هناك مسألة مهمة في هذا السياق، فهناك جمهور واسع من الناخبين يريد تغيير نتنياهو بسبب إخفاقات السابع من أكتوبر، وطريقة إدارته للحرب، والأزمات السياسية التي نتجت عنها، والعلاقة مع المؤسسات الأمنية، وتدهور صورة "إسرائيل" الخارجية نتيجة حرب الإبادة في غزة، لكنه ليس بالضرورة ناخباً يريد تغييراً جذرياً في الموقف من الشعب الفلسطيني أو في مفهوم الأمن لدى "إسرائيل".
وهنا يظهر الفرق بين المعارضة لنتنياهو والمعارضة لنهج نتنياهو طوال السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد السابع من أكتوبر 2023.
على الزاوية الأخرى من الصورة، يبدو أن نتنياهو ليس بعيداً عن كل هذا، فهو يدرك المشهد جيداً، وبنى صورته العامة على خبرته في مواجهة ما سمّاه دوماً التهديدات الخارجية، ويدرك أن الأزمات الأمنية قادرة على إعادة ترتيب أولويات الناخب في "إسرائيل" بسرعة.
وعندما تصبح المعركة الانتخابية بهذا الشكل بينه وبين آيزنكوت وتحالفه، يصبح السؤال الأبرز في هذه المعركة الانتخابية//من الأقدر الذي يستطيع حماية أمن "إسرائيل"؟ ونتنياهو يعتبر نفسه سيد الأمن، وملعبه المفضل، لهذا لا يمكن قراءة الجبهات العسكرية والسياسية بمعزل كامل عن المعركة الانتخابية الداخلية، حتى من دون افتراض أن كل عملية عسكرية تُتخذ في هذه المرحلة لأسباب انتخابية، سواء في غزة أم في لبنان.
هناك فرق كبير بين القول إن نتنياهو يشعل كل جبهة يريدها من أجل الانتخابات، وبين القول إن البيئة الأمنية تمنحه مساحة أوسع لإعادة إنتاج صورته باعتباره سيد الأمن كما رسمها في وعي وعقل الناخبين، وهو استنتاج فيه قدر من الواقعية والمنطقية وفي قراءة المشهدية في "إسرائيل".
نتنياهو لديه قدرة عالية على توظيف أي حدث لصالحه انطلاقاً من العنوان الأمني، فمثلاً، حين يتصدر المشهد توظيف الطائرات الورقية التي يلعب بها أطفال غزة باعتبارها تهديداً أمنياً، فالمشكلة ليست في الطائرة الورقية بحد ذاتها، وإنما في قدرة الخطاب السياسي والعسكري الذي يقوده نتنياهو على تحويل أمر غير مهم إلى سردية أمنية تُستخدم لتبرير أي تصعيد عسكري يريده نتنياهو في قطاع غزة أو غيره من الجبهات.
من الخطأ اختزال كل ما يحدث في قطاع غزة إلى حسابات انتخابية فقط، فالحرب المستمرة على غزة لها اعتبارات وحسابات عسكرية واستراتيجية، لكن تجاهل العامل السياسي الداخلي في "إسرائيل" سيكون فيه خطأً موازياً، خصوصاً عندما يصبح الأمن الموضوع الأكثر قدرة على إعادة تشكيل الرأي العام.
غزة، مع قرب الانتخابات، ليست الجبهة الوحيدة المفتوحة مع "إسرائيل"، و"إسرائيل" اليوم تتحرك في بيئة إقليمية مفتوحة على أكثر من مسار، سواء مع لبنان أم مع سوريا وإيران، وحتى على الصعيد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس، وقضية حسم الصراع وضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية.
ومع كل جبهة تسخن، من الملاحظ أن حضور مسألة الأمن في الحياة السياسية يتزايد، فيما يتراجع النقاش حول القضايا الأخرى، وهنا تظهر أهمية أي توتر أو تصعيد أمني قد يحدث مع أي جبهة. وكلما ارتفع منسوب التهديد، أصبح السؤال الانتخابي في "إسرائيل" أقل ارتباطاً بمستقبلها، وأكثر ارتباطاً بمن يملك القدرة على إدارة هذا التهديد، وهذا تحديداً هو العامل الذي يستطيع نتنياهو استثماره وتوظيفه لصالحه.
وبالنسبة إلى الناخب الإسرائيلي، فهو في النهاية، عندما يشعر بأن ثمة تهديداً يحيط بأمنه، يكون أكثر انحيازاً إلى من يستطيع حمايته، حتى لو كان غير راضٍ عن أدائه السياسي.
لكن هذه المعادلة تحمل في الوقت نفسه خطراً على نتنياهو نفسه، فإذا استمرت الحرب من دون تحقيق أي حسم سياسي أو عسكري واضح، وإذا بقيت تداعيات السابع من أكتوبر حاضرة في الوعي الإسرائيلي، فإن أي شخص كنتنياهو سيتعرض للسؤال الأهم، وللمساءلة في الوقت ذاته، كيف حدث هذا أصلاً في عهد حكومة نتنياهو؟
في تقديري، ستكون المعركة الانتخابية في "إسرائيل" على تفسيرات السابع من أكتوبر. وبالتالي، قد لا تكون الانتخابات الإسرائيلية المقبلة على شخص نتنياهو، بل استفتاءً بشأن الرواية التي ستُبنى حول أحداث السابع من أكتوبر.
وستُطرح أسئلة كثيرة// هل كان الفشل نتيجة خديعة استراتيجية مارستها حماس ونجحت، أم بسبب قصور استخباري وعسكري يمكن إصلاحه بتغيير القيادة؟ أم أنه نتيجة أعمق مرتبطة بالسياسة التي سبقت السابع من أكتوبر في قطاع غزة، وإدارة الصراع مع الشعب الفلسطيني، وبطريقة اتخاذ القرار داخل الحكومة الإسرائيلية؟
في هذا السياق ستُطرح أسئلة كثيرة، وستكون هناك مزايدات أكثر، لكنها ستركز بالدرجة الأولى حول حاجة "إسرائيل" إلى تغيير قياداتها، أم أنها بحاجة إلى قيادة جديدة أكثر كفاءة أمنية، أم إلى إعادة تعريف الاستراتيجية المناسبة تجاه الشعب الفلسطيني والجبهات الأخرى المفتوحة.
في تقديري، هذه الأسئلة المهمة هي ما سيحدد حجم التحول الحقيقي في المشهد المقبل، وإذا بقي سؤال الانتخابات محصوراً في نتنياهو أم في غيره، فقد تنتج الانتخابات قيادة جديدة مع استمرار جزء كبير من السياسات الأمنية القائمة حالياً.
أما إذا انتقل المشهد إلى سؤال/ أي "إسرائيل" نريد بعد الحرب؟ وهذا يجري الحديث فيه حالياً من بعض الأوساط فإنها قد تتحول إلى نقطة انعطاف استراتيجية. لكن حتى الآن، لا تشير كل المعطيات إلى أن هذا التحول قد حُسم بشكل نهائي.
لذلك، أعتقد أن صعود أسهم آيزنكوت يجب ألّا يُقرأ باعتباره نهاية عصر اليمين الإسرائيلي، ولا باعتباره بداية جديدة لمسار سياسي يقود إلى تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني.
وعلى الأرجح، فإن "إسرائيل" ذاهبة إلى مرحلة إعادة ترتيب داخل مراكز القوة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مع الرغبة المتزايدة في تغيير القيادة الحالية بزعامة نتنياهو، إلى جانب استمرار وزن قوي للتيار اليميني، واستمرار حضور المؤسسة الأمنية بوصفها لاعباً رئيسياً في الجبهات العسكرية المفتوحة.
لذلك، أعتقد أن أي طرح سياسي حالياً قد يُفهم على أنه تنازل في الملف الفلسطيني، على سبيل المثال، وهذا يفسر لماذا يمكن لآيزنكوت أن يتقدم انتخابياً على نتنياهو من دون أن يقدّم، حتى الآن، مشروعاً مختلفاً جذرياً عن المشروع الأمني الإسرائيلي التقليدي الذي سار عليه نتنياهو.
وهذه النقطة تمثل جوهر صعوده في استطلاعات الرأي ومحاولته إعادة بناء الثقة داخل المؤسسة الأمنية وعلاقتها بالناخب في "إسرائيل".
ثمة سؤال غاية في الأهمية لا تريد "إسرائيل" مواجهته مع قرب الانتخابات، والمشهد في "إسرائيل"، من الواضح، يتجه نحو معركة انتخابية محتدمة ومفتوحة، ولن تكون بسيطة أو سهلة بين نتنياهو وخصومه، معركة على الأمن، وعلى إرث السابع من أكتوبر، وعلى مستقبل الحرب بين "إسرائيل" وغزة ولبنان وإيران، وعلى هوية القيادة الجديدة التي ستدير المشهد في المرحلة المقبلة.
أعتقد أن تقدم آيزنكوت يرجع إلى أنه يمثل، بالنسبة إلى قطاعات مهمة من الناخبين، إمكانية التغيير من دون القفز إلى المجهول، ونتنياهو يتمسك بالأمن والحرب لأنه يعرف أن خوف الناخب من المستقبل هو أحد أقوى العوامل القادرة على إعادة ترتيب الخريطة الانتخابية.
ومن هذا اليوم إلى يوم الانتخابات المقبلة في أكتوبر، سيبقى السؤال الأكبر مؤجّلاً// هل تريد "إسرائيل" تغيير نتنياهو فقط، أم أنها مستعدة فعلاً لمراجعة السياسات التي أوصلت "إسرائيل" إلى هذا الوضع كله؟
قد تغيّر الانتخابات نتنياهو وتأتي بآيزنكوت، وقد تعيد توزيع الخارطة السياسية، لكن هذا كله لا يعني بالضرورة تغييراً في طبيعة الصراع، سواء مع غزة أم مع لبنان أم حتى إيران، وإذا استمرت الجبهات في الاشتعال والمواجهة، فإن "إسرائيل" لن تكون أمام انتخابات تبحث عن واقع جديد بقدر ما ستكون أمام معركة على من يملك القدرة على مدى قدرة إخراج "إسرائيل" من الأزمات المتصاعدة والمستمرة التي تعيشها منذ السابع من أكتوبر وحتى الآن.