وقّعت كلٌّ من السعودية والسودان، بالرياض في 17 آب/أغسطس 2026، اتفاقية لإنشاء المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي المشترك، بهدف تعميق العلاقات الثنائية ووضع إطار مؤسسي للتعاون بين البلدين عبر مبادرات ومشروعات وأهداف محددة. ووقّع عن السعودية وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووقّع عن السودان وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم.
ويتناول المجلس 10 ملفات رئيسية تشمل: إعادة إعمار السودان، والزراعة والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والذهب والتعدين، والبحر الأحمر والموانئ، والطاقة والكهرباء، والتمويل والمصارف، والصناعة والتصنيع الغذائي، والاتصالات والتحول الرقمي، والسياحة والعقار والخدمات. ويهدف المجلس إلى توحيد الرؤى وتعزيز الشراكة الرسمية وتسهيل تنفيذ المشاريع المشتركة، بما يدعم التنمية والاستقرار الاقتصادي. والسؤال: لماذا أُعلن تأسيس مجلس التنسيق بين السعودية والسودان، وفي هذا التوقيت بالذات؟ وما دلالات مأسسة العلاقة بين البلدين؟
تطور العلاقة الثنائية بين السعودية والسودان واتجاهها من الإطار التقليدي صوب المأسسة لم يبدأ من اللحظة التي أُعلن فيها عن تشكيل مجلس التنسيق؛ مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين قفزات تقارب ملحوظة جاءت في ضوء متغيرات إقليمية تنافسية محمومة. ففي آذار/مارس 2026، اتفقت السعودية والسودان على إنشاء مجلس للتنسيق بينهما، وبدأت الفكرة بقرار سوداني في كانون الثاني/يناير 2026، عقب لقاء رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ليُختتم بتحويل الفكرة إلى هيكل مؤسسي رسمي من خلال توقيع اتفاق إنشاء المجلس وتحديد مجالات عمله.
ومن شواهد التقارب السعودي السوداني ومأسسة العلاقة أنه قبل إعلان مجلس التنسيق ببضعة أيام، وفي 14 آب/أغسطس 2026، عيّنت السعودية زيد بن مخلد الحربي سفيراً جديداً لها في السودان، لتدشن مرحلة جديدة من العلاقات السياسية والدبلوماسية الرسمية بين البلدين.
يُذكر أن السودان كان قد شارك في التحالف البحري الدفاعي الذي أنشأته السعودية في 30 تموز/يوليو 2026، وهو ما يعني أن هناك شوطاً كبيراً قطعته كلٌّ من السعودية والسودان قبل الوصول إلى مأسسة العلاقات بينهما، ويعني أن هناك إدراكاً مشتركاً بين البلدين بأن الاستقرار الأمني هو الشرط الأساسي لأي تنمية اقتصادية، وأن أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة لا يمكن فصلها عن استقرار الدول المطلة عليه.
في مشهد العلاقة بين السعودية والسودان تتجلّى عبقرية الجغرافيا السياسية وحتميتها، بمعنى أن الجغرافيا قد تفرض ما لا تريده ولا تطيقه السياسة؛ وكان جمال حمدان يرى أن موقع الدولة هو قدرها وجوهر شخصيتها، وهذا قدر السودان التي تجاهلها العالم، ولكنه لم يستطع تجاهل موقعها وجغرافيتها السياسية، وهذا الموقع الجغرافي من أبرز محددات الموقف السعودي من السودان، وهو محدد يُجيب عن السؤال: لماذا مجلس التنسيق وفي هذا التوقيت؟
هي حتمية الجغرافيا السياسية إذن؛ التي تُفسر توقيت الاتفاق على إنشاء مجلس التنسيق بين السعودية والسودان في دلالات لحظة سياسية فارقة وبيئة إقليمية ودولية فرضت التعجيل بهذه الخطوة ومأسسة العلاقة، لا سيما في ضوء تزايد التنافس الدولي والإقليمي على الممرات المائية القريبة من باب المندب والساحل السوداني، مما جعل حماية أمن البحر الأحمر أولوية أمن قومي مشتركة بين البلدين.
بحسابات السياسة، توقيت إعلان مجلس التنسيق يأتي في وقت ما زال السودان يعيش فيه تداعيات الحرب للعام الرابع على التوالي، وبالتالي، الاقتراب من السعودية ومأسسة العلاقة معها رافعة داخلية وخارجية بالنسبة إلى السودان، الذي يسعى أيضاً إلى التأسيس لمرحلة ما بعد الحرب عبر بناء شبكة أمان إقليمية ترتكز على الرياض كفاعل محوري قادر على جلب الاستثمارات وتوفير الغطاء السياسي. وهذا مربط الفرس إن استطاع مجلس التنسيق أن يفعلها.
أما بالنسبة إلى السعودية، فالاستدارة إلى السودان تعني تأميم البحر الأحمر وتأمينه كمجال استراتيجي لأمنها البحري والتجاري، والدخول من بوابة السودان لتحييد التنافس الدولي والإقليمي الحاصل على النفوذ في الساحل السوداني وموانئه وحدوده وموارده. ورغبة السعودية في تثبيت دعمها لمؤسسات الدولة السودانية ووحدتها الترابية عبر قناة رسمية ومعلنة تمنع التجاذبات الإقليمية وتحدّ من التدخلات الخارجية.
إعلان قيام مجلس التنسيق يعني مأسسة العلاقة بين السعودية والسودان، ويعني إعادة هيكلة شاملة لإدارة المصالح العليا بين البلدين، وإيجاد آلية عمل سياسية وأمنية واقتصادية ملزمة، تمتلك لجاناً تنفيذية تتابع الاتفاقيات وتضمن استمراريتها بغض النظر عن المتغيرات السياسية المرحلية، والانتقال بالعلاقة من المنحة والدعم المالي إلى شراكة المصالح المتبادلة.
يأتي تشكيل المجلس في مرحلة تشهد إعادة ترتيب للأوراق الإقليمية، مما يُحتم وجود إطار يضمن تنسيق المواقف السياسية والأمنية بين الخرطوم والرياض. ويتزامن الإعلان مع توجه السعودية لتوسيع استثماراتها الخارجية ضمن "رؤية 2030"، ورغبة السودان في جذب رؤوس أموال لتحريك عجلة الاقتصاد وتجاوز أزماته المالية، وفي وقت تزايدت فيه التنافسات الدولية والإقليمية على الممرات المائية، مما أوجب التعجيل ببناء آلية ثنائية لحماية هذا الممر الحيوي.
مجلس التنسيق السعودي-السوداني ودلالات مأسسة العلاقات يرتبط برغبة الرياض في تأمين موطئ قدم استراتيجي وتثبيت نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وسط أزمة السودان الداخلية والتنافس الخارجي عليه.
ويُشكل المجلس غطاءً سياسياً واقتصادياً لتعزيز الدور السعودي كوسيط رئيسي لحل النزاع وتنسيق ملفات وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية. وفوق ذلك كله، تسعى السعودية من خلال المجلس إلى الحد من تغلغل أطراف إقليمية أخرى تُتهم بدعم طرف على حساب آخر في الصراع المسلح.
دلالات مأسسة العلاقة بين السعودية والسودان لا تتوقف محدداتها عند حدود ومحددات البلدين، بل تتجاوزها، والمجلس يعني أن السعودية قررت حسم موقفها في السودان، عبر تمكين الجيش، وكسر ميزان القوة الذي راكمته قوات الدعم السريع بدعم إماراتي. وعليه، لا يمكن استبعاد الإمارات ولا اليمن من محددات قرار السعودية مأسسة العلاقة مع السودان. لذلك، قررت الرياض الانتقال من موقع الوسيط إلى موقع الفاعل، لتصبح في مواجهة مشروع إماراتي ترى فيه تهديداً لوحدة السودان واستقرار الممرات المائية.
لقد جاء تأسيس المجلس كتتويج لمرحلة احتواء التباينات في وجهات النظر وإعادة تنظيم العلاقة ضمن إطار مؤسسي مستدام، وكخطوة استراتيجية حاسمة تهدف إلى مأسسة العلاقات الثنائية والانتقال بها من إطار التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الشاملة.
تأسيس مجلس التنسيق السعودي-السوداني يعني أنه لم يعد ممكناً تجاهل السودان وإسقاطه من الحسابات السعودية الرسمية، ويعني أن السعودية قررت الانتقال من الوسيط إلى الفاعل المباشر والمؤثر، وهذا الانتقال لا يعني كرماً حاتمياً أو صحوة ضمير متأخرة لا تريد ترك السودان ينزف في حرب مستمرة دون توقف؛ لكنه مرتبط بحسابات سياسية تتعلق بالحضور والاشتراك في التنافس الحاصل في البحر الأحمر وبتحييد الدور الإماراتي في السودان، ولأن استقرار السودان واستقرار سواحله وموانئه مصلحة سعودية.
يبقى إعلان إنشاء مجلس التنسيق السعودي-السوداني معلقاً على إنجازاته الفعلية الحقيقية الملموسة، وأن يتحول مسار مأسسة العلاقات بين البلدين إلى مسار يدعم السودان ومؤسساته ويدفع باتجاه تسوية سياسية توقف الحرب؛ العلاقات العربية البينية تفيض بالمؤسسات والاتفاقيات والشراكات والبيانات، ولكنها كلها مجمدة لا تعدو كونها مجرد ديكور وحبراً على ورق.
ختاماً، مجلس التنسيق هذا، إذا لم يُفضِ إلى إحداث تحول وتنمية تُنهي أزمات السودان وصراعاته وتضعه على مسار اقتصادي وسياسي جديد، سيصبح كأي مؤسسة عربية ثم يعدو كأنه لم يكن؛ وفوق هذا، سيؤسس لمأسسة التنافس الإقليمي في السودان، فتصبح كل دولة تبحث عن موطئ قدم في السودان تُعلن عن قيام وإنشاء مجلس تعاون أو تنسيق أو تكامل؛ تعددت الأسماء والنتيجة واحدة: استنزاف السودان واستغلاله. ش