حرب "هرمز" الأخيرة على الأبواب

الساعة 08:42 ص|22 أغسطس 2026

فلسطين اليوم | د. عبد الحليم قنديل

رغم أن أدوار الوساطة الباكستانية والقطرية وغيرها لا تتوقف، فإن فرص العودة إلى مفاوضات واشنطن وطهران تتراجع، واحتمالات الذهاب إلى حرب ضارية مجددة تتصاعد، وبالذات بعد انقضاء فترة الستين يوما التي كانت مقررة لسريان مذكرة التفاهم، التي تصر طهران على العودة لنصوصها وبنودها، واعتبارها أساسا ومرجعا لأي اتفاق لاحق.

فيما يميل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استبعاد شبح المذكرة، التي عدها الإيرانيون نصرا لهم وهزيمة لأمريكا، وعلى حد تصريح بهذا المعنى أطلقه محمد باقر قاليباف كبير المفاوضين ورئيس البرلمان الإيراني، وأعاد المفاوضون الإيرانيون استنساخ شروط المذكرة، كلزوم ما يلزم لإعادة فتح «مضيق هرمز»، فيما يواصل ترامب إطلاق دعاياته النفسية البدائية، وينشر على موقعه الاجتماعي «تروث سوشيال» خريطة للمضيق، يشفعها بعبارة «أرض أمريكية جديدة»، في إشارة صريحة مباشرة لعزمه الاستيلاء الكلي على «مضيق هرمز»، مع أن ترامب نفسه أكد مرارا، أن البحرية الأمريكية تسيطر بالكامل على المضيق، وهو زعم لا تسنده الوقائع المنظورة، التي تؤكد استمرار سيطرة «الحرس الثوري» الإيراني، وإغلاقه المضيق تماما، إلى حد أنه لا تعبر سفينة ولا ناقلة واحدة في بعض الأيام، وعلى العكس تماما من مزاعم ترامب وإدارته، وقد وصل الحال بالرئيس الأمريكي أنه ادعى وجود قناة اتصال وتفاوض سري بين الأمريكيين وجماعة «الحرس الثوري»، وهو ما جرى تكذيبه إيرانيا، وعاد ترامب نفسه لتكذيب نفسه وقال، لا توجد أي مفاوضات من أي نوع.

وبالجملة، فإنه لا تبدو من فرص لتجديد التفاوض بين الإيرانيين والأمريكيين في مدى قريب، وقد صرنا أمام أحجية من نوع «البيضة أم الفرخة أولا «، فالإيرانيون ومجلسهم الأعلى للأمن القومي، وضعوا شروطا ستة لفتح «هرمز»، أولها الرفع الفوري للحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وإزالة العقوبات الأمريكية المفروضة على حرية تصدير البترول الإيراني ومشتقاته البتروكيماوية، بينما لسان حال الإدارة الأمريكية يقول العكس بالضبط، وأنه لا بد من فتح إيران للمضيق أولا، ثم يرفع الحصار الأمريكي بعدها.

وعلى مدى أيام وأسابيع، تصور البعض أن فك العقدة قد يأتي من خلال مفاوضات طهران مع «سلطنة عمان»، ورغم حدوث تقدم ما في هذه المفاوضات، فإن الإيرانيين صمموا على التفريق بين مفاوضاتهم مع عمان لتنظيم الحركة في المضيق، وبين التفاهم مع واشنطن لفتح «هرمز»، واعتبروا أن التفاهم مع عمان لا يعنى تلقائيا تفاهما مع واشنطن، وهو ما زاد من جنون ترامب، الذي هدد مجددا بقصف «سلطنة عمان» نفسها.

ومع التغييرات الأخيرة في هيكل السلطة الإيرانية، وتعيينات المرشد مجتبى خامنئي، في قيادة الجيش والحرس الثوري و»الباسيج»، بدا النظام الإيراني كأنه يستعد لجولة تفاوض خشن، أو لحرب جديدة، فأغلبية أو حتى كل قرارات المرشد مجتبى، مالت إلى تغليب نفوذ العناصر الأكثر تشددا، وهو ما بدا ظاهرا بالذات في اختياره الجنرال محسن رضائي أمينا عاما لمجلس الأمن القومي، والمعروف أن رضائي عبّر عن عدم ارتياحه لفتوى الإمام الراحل خامنئي بتحريم صناعة القنابل الذرية، وربما يعكس ذلك ميلا عند مجتبى نفسه للتخلص من فتوى التحريم، خصوصا مع تصريحات غامضة صدرت عن الرئيس الإيراني الإصلاحي مسعود بزشكيان بعد لقاء السبع ساعات مع مجتبى، قال بزشكيان، إن حرمان إيران من قدرات معينة، هو الذي أتاح فرصا للعدوان الأمريكي الإسرائيلي المتكرر عليها، أضف إلى ذلك ما صار مستقرا اليوم في اللهجة الإيرانية العسكرية بالذات، وتعلق بالانتقال في الحرب من الدفاع إلى الهجوم، والحديث عن إمكانية مبادرة إيران بفك الحصار البحري الأمريكي بالقوة، ومحصلة ما يجرى اليوم مع انسداد أبواب التفاوض، أننا قد نكون بصدد حرب، «حرب هرمز» ومحيط المضيق والجزر الإيرانية القريبة منه أو المطلة عليه.

صحيح أنه جرت اشتباكات سبقت في «مضيق هرمز»، وبمبادرة من ترامب، الذي أعلن عن تنفيذ ما سماه عملية «مشروع الحرية» مرات، فشلت جميعا، واستمرت إيران في إحكام قبضتها على المضيق، الذي تعده أهم أوراقها الاستراتيجية، وقنبلتها النووية الاقتصادية، الأهم من مخزون التخصيب النووي المرتفع، ومن حوارات البرنامج النووي الإيراني المؤجلة عمليا مع تعثر «مذكرة التفاهم»، فيما يبحث ترامب عن «فتح هرمز» أولا، وربما ينصحه جنرالاته بعدم الاكتفاء بالضغط الاقتصادي الأقصى على إيران، وتجريب فرص إنزال بري محدود على جنوب إيران، والاستيلاء على جزيرة «خارك» بالذات، وهو اختيار عسكري وسط، لا يصل إلى حد المجازفة بغزو بري أمريكي كامل لإيران، لا يستطيع ترامب اتخاذ قرار فيه خوفا من التكاليف البشرية المتوقعة لضباطه وجنوده، والمزج بين تداعيات التحول الظاهر في الروح العسكرية الإيرانية مع مأزق ترامب الراهن، قد يقود إلى توقع نشوب حرب شاملة على مدارج الأيام والأسابيع القريبة.

وفي جغرافيا مضيق «هرمز» ومحيطه بالذات. وفي اجتماعات أخيرة للجنرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» مع القادة العسكريين لكيان الاحتلال الإسرائيلي، قالت التسريبات إن إسرائيل عرضت دورا تكامليا مع القوات الأمريكية في استئناف هجوم شامل على إيران، يتولى فيه سلاح الجو الإسرائيلي، شن غارات مدمرة على البنى التحتية المدنية الإيرانية من الجسور ومحطات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه لمدة 15 يوما متصلة، وهو احتمال وارد جدا، خصوصا أن الجنرال كوبر أكثر حماسا لاستئناف حرب ضارية على إيران، على عكس قائد الأركان الأمريكية المشتركة دان كاين، الذي قيل إنه حذر ترامب في اجتماع سري من تناقص ربما نفاد مخزون الصواريخ الهجومية والدفاعية، وإنه لم يعد من حل عسكري في إيران عبر القصف الجوي مهما كانت ضراوته، وقد يتجه ترامب إلى تقبل خطط كوبر مع الإسرائيليين، بعد أن أعيته حيل إخضاع إيران بالضغط الاقتصادي، وارتجاله لأكاذيب السيطرة الكاملة على «مضيق هرمز»، ودعوة إيران إلى رفع راية الاستسلام التام بغير قيد ولا شرط.

ومع شخص في مثل تقلبات ترامب الصباحية والمسائية، فقد لا يستقر توقع بذاته لمدار حركته وسلوكه، وقد يعيد إلغاء كل خطط عسكرية، وينتحل لنفسه عذرا بتدخل أصدقائه في المنطقة، فهو يشعر غريزيا، بأن الطريق بات مسدودا أمامه في إيران، التي لا تخضعها حمم النار ولا ضغوط الاقتصاد، وتبدي رغبتها في الانتقال من الردع الدفاعي إلى المبادرات الهجومية، خصوصا مع احتفاظ إيران بأغلبية مخزونها من المسيرات والصواريخ الجوالة «كروز» والباليستية الأدق في إصاباتها، وسعي النظام الإيراني لإعادة ترتيب صفوفه، وتجنيد حلفاء إيران من «الحوثيين» والجماعات الموالية في العراق بالذات، وإشراكهم في حرب ممتدة زمنيا وجغرافيا، وكسب أوقات حرب إضافية، وعلى أمل زعزعة موقف إدارة ترامب، مع نتائج انتخابات التجديد النصفي في الثلاثاء الأول من نوفمبر المقبل، وربما إغراق ترامب في حرب استنزاف مطولة، قد تمتد إلى نهاية فترته الرئاسية الأخيرة، ومد أزمة غلق «هرمز» إلى أزمة مضافة في مضيق «باب المندب»، وعلى أمل مضاعفة تكلفة الحرب في الداخل الأمريكي، وزيادة معدلات التضخم وأسعار المحروقات.

ونأمل ألا تكرر إيران سلاسل الأخطاء إياها في الجولات الحربية الجديدة المتوقعة، فخاصرة أمريكا الرخوة الموجعة في إسرائيل، التي نقلت لها واشنطن أغلب أصولها العسكرية في المنطقة، خصوصا مع تضاعف شراسة التوحش الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية وفي لبنان وسوريا، حيث تقيم إسرائيل ما تسميه مناطقها الأمنية «الصفراء» وتتوسع فيها، وترفض الانسحاب من شبر منها، فالحرب على إيران كانت ولا تزال حربا إسرائيلية، حتى إن جرت في الكثير من جولاتها بجيوش أمريكية، يعود جيش كيان الاحتلال للالتحاق بها قريبا، ويلوى بنيامين نتنياهو ذراع ترامب في اتفاقات غزة ولبنان وسوريا، ويواصل حروب إبادة لا تنتهي، ويزايد بالدم العربي في بورصة انتخابات «الكنيست» القريبة .

كلمات دلالية