كيف تسيطر "إسرائيل" على الأراضي الخصبة في الضفة المحتلة؟

الساعة 12:31 م|20 أغسطس 2026

فلسطين اليوم

تتزايد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي التي تطال الأراضي الزراعية ومصادر المياه في شمال الضفة الغربية، في ظل مصادرته للأراضي وتدمير آبار المياه وخطوط الري، بما يهدد مصادر رزق آلاف المزارعين الفلسطينيين ويعمّق الضغوط التي تواجهها التجمعات الزراعية في المنطقة.

وفي هذا السياق، نشر موقع "موندويس" تقريرا يسلط الضوء على التداعيات المتزايدة لمصادرة دولة الاحتلال للأراضي وتدمير آبار المياه في شمال الضفة الغربية، مستعرضا شهادات مزارعين فلسطينيين تضررت مصادر رزقهم جراء استهداف خطوط المياه وتجريف الأراضي وإصدار أوامر بهدم الآبار.

وقال الموقع، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الزراعة في شمال الضفة الغربية قد تكون على وشك الاختفاء تحت وطأة مصادرة إسرائيل للأراضي وتدمير آبار المياه، مشيرا إلى أن منطقة عاطوف، في محافظة طوباس شمال شرقي الضفة الغربية، والمعروفة منذ فترة طويلة بأنها "سلة خبز" المنطقة، تعرضت لهجمات شنها مستوطنون استهدفت خطوط المياه فيها.

وتتزامن هذه الهجمات مع مشاريع البنية التحتية التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، والتي شقت طريقها عبر الأراضي الزراعية الفلسطينية ودمرت الآبار.

أربعة أشهر بلا مياه للري

بحسب السكان المحليين، لم يتمكن آلاف المزارعين الفلسطينيين في سهل عاطوف من الوصول إلى المياه اللازمة لري محاصيلهم على مدى أربعة أشهر، بعدما بدأ المستوطنون بتدمير خطوط المياه.

وخلال الأسابيع الأخيرة، جرف جيش الاحتلال أراضي زراعية في عاطوف ضمن مشروع لإنشاء طريق عسكري، ما أدى إلى مزيد من الأضرار في خطوط المياه، كما أصدر أوامر بهدم آبار المياه في السهل، ودمر بالفعل عدداً منها.

ويأتي ذلك في وقت أصبح فيه شمال الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة محوراً لأوامر عسكرية إسرائيلية ونشاط استيطاني، بعدما سمحت الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين بالعودة إلى مواقع كانت تضم أربع مستوطنات أُخليت عام 2005. وللمرة الأولى منذ الانتفاضة الثانية، سيطر الجيش الإسرائيلي على حي في مدينة جنين لأغراض عسكرية داخل المنطقة "أ"، وهي الجزء من الضفة الغربية الذي يُفترض أنه يخضع للولاية الحصرية للسلطة الفلسطينية.

ولم تكن طوباس بمنأى عن هذه التطورات، إذ شهدت بدورها نصيباً من الغارات الإسرائيلية والتوسع الاستيطاني، ولا سيما بسبب موقعها الاستراتيجي المطل على شمال غور الأردن، غير أن تدمير مصادر المياه في الأراضي الزراعية بطوباس يحمل تداعيات أعمق على حياة الفلسطينيين في المنطقة وفي مختلف أنحاء الضفة الغربية، وتتجاوز آثاره مسألة التواصل الجغرافي الفلسطيني وملكية الأراضي.

سهل عاطوف ومصدر رزق آلاف العائلات

ويمتد سهل عاطوف بين قريتي عاطوف والرأس الأحمر، وكلتاهما امتداد لبلدة طمون، المركز الإداري لشرق طوباس. وتضم طمون وعاطوف والرأس الأحمر مجتمعة أكثر من 85 ألف دونم، أي ما يعادل 8500 هكتار، من الأراضي الزراعية، وقد صادرت الحكومة الإسرائيلية أجزاء منها على مدار سنوات الاحتلال.

وحتى مطلع العام الحالي، كان الفلسطينيون لا يزالون يزرعون نحو 30 ألف دونم من الأراضي في طمون والقرى الواقعة شرقها، حيث تعتمد مئات العائلات على الزراعة في المنطقة.

ونقل الموقع عن سمير بشارات، رئيس بلدية طمون السابق، أن 70 إلى 80 بالمئة من السكان في طمون ومحيطها يعتمدون جزئياً أو كلياً على الزراعة لكسب عيشهم، ولا سيما بعد أن ألغت دولة الاحتلال تصاريح العمل.

وأوضح بشارات أن المستوطنين الإسرائيليين من البؤر الاستيطانية المحيطة دأبوا على القدوم وإتلاف خطوط المياه، وقد شجعهم على ذلك بدء الجيش الإسرائيلي العام الماضي في شق طريق عسكري عبر السهل.

وأشار إلى أن الفلسطينيين في طمون حاولوا مرارا إصلاح خطوط المياه المتضررة، لكن قوات الاحتلال أمرت العمال بمغادرة المنطقة، ثم بدأ الاحتلال خلال الأسبوعين الماضيين بتوزيع أوامر هدم لآبار المياه التي يعتمد عليها المزارعون في الري، قبل أن يشرع الأسبوع الماضي في هدم عدة آبار في سهل عاطوف.

تدمير مصادر الرزق

تتضح آثار هذه الإجراءات بشكل مباشر في حالة ضرغام محمد، وهو مزارع متفرغ في عاطوف، يمتلك 400 دونم من الأراضي الزراعية في سهل عاطوف، تشمل دفيئات زراعية وحقولاً تزرع فيها محاصيل مختلفة وبئرا للمياه.

وينتج محمد محاصيل موسمية مثل القمح والطماطم والبصل والخيار والبطاطا والخس والسبانخ وأنواعاً مختلفة من الفواكه، ويبيعها إلى التجار في أسواق الخضروات في نابلس وبيتا وقباطية، كما يستعين بثلاثين مزارعاً تعتمد عائلاتهم على هذه الأرض لتأمين دخلها.

وكان محمد يعتاد ري مزرعته من بئره الخاصة، التي كان لديه منها ما يكفي من المياه لبيع الفائض لمزارعين آخرين في السهل. لكنه تلقى الأسبوع الماضي أمراً بهدم البئر.

وقال محمد إن عمله توقف فعلياً خلال الأشهر الأربعة الماضية، وإنه، رغم أن البئر لم يُهدم بعد، لم يعد قادراً على الاستفادة من مياهه.

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أوضح محمد أن ما يحاولون القيام به حالياً هو الحصول على أكبر كمية ممكنة من المياه عبر الأنابيب لري بعض المحاصيل وإنقاذ أكبر قدر ممكن من إنتاجهم، لكنه أكد أن هذا الحل مؤقت أيضاً، لأن الطريق العسكري سيجعل الوصول إلى جميع أراضيه البالغة 400 دونم مستحيلا، ما يعني أنه سيفقد مصدر دخله الوحيد.

طريق عسكري يتجاوز خطط التوسع الاستيطاني

في قراءة أوسع للتطورات، يرى خليل التفكجي، الجغرافي الفلسطيني والخبير في شؤون المستوطنات الإسرائيلية، أن السيطرة الإسرائيلية على سهل عاطوف وشرق طوباس أمر استثنائي، لأنها لا تتطابق مع أي خطط سابقة للتوسع الاستيطاني.

وأوضح التفكجي أنه درس مشروع الطريق العسكري، مبينا أن الطريق يعبر شمال الضفة الغربية من شرق طمون وطوباس، مروراً بشرق قباطية وجنين، وينتهي عند أقصى نقطة شمالية من الخط الأخضر في الضفة الغربية، على بعد عدة كيلومترات غرب طريق ألون، الذي لطالما حدد خطة إسرائيل لضم غور الأردن.

ولفت إلى أن المشروع لا يخدم أي غرض حالي للتوسع الاستيطاني، وإنما هو عسكري بحت، مضيفاً أنه، بخلاف الحالات الأخرى، لا يوجد هدف إسرائيلي واضح لتدمير مصادر المياه والزراعة في المنطقة.

وأكد قائلا: "لا يسعني إلا أن أعتقد أن تدمير الاقتصاد الزراعي في الضفة الغربية هو بحد ذاته الهدف الإسرائيلي في هذه الحالة".

وصادرت دولة الاحتلال صادرت ما لا يقل عن 52 ألف دونم، أي نحو 5200 هكتار، من الأراضي في الضفة الغربية المحتلة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفقا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية.