تتحرّك الساحة السياسية الإسرائيلية، وخاصة اليمينية منها، وتميد على وقع المخاض الانتخابي المقبل نهاية تشرين الأول/أكتوبر، في أخطر انتخابات برلمانية إسرائيلية منذ إقامة الكيان الإسرائيلي، لأنها ستحّدد مسار الكيان؛ هل يذهب بلا نهاية خلف ملك يُحكم السيطرة للأبد؟ أم تميد وتضطرب نحو الخلف لتراجع واقعها في ضوء التحوّلات الداخلية والخارجية الحادّة؟
مع قرب العاشر من أيلول/سبتمبر يتوقّف نبض الساحة السياسية الإسرائيلية، وتتوقّف الانتخابات الداخلية الحزبية والترشيحات والتحالفات، لتستقرّ على خريطة حزبية ثابتة تمارس الدعاية لنفسها في الانتخابات العامة المرتقبة، وفق مشهد محدّد واصطفاف شبه نهائي، حتى ذلك التاريخ وعلى هامش تفاعلات نتائج البرايمرز داخل الليكود، والتي يضمن فيها نتنياهو 8 مقاعد ثابتة داخل الليكود يحدّدها بنفسه لتعتلي منصة الكنيست، لتبدأ بعدها حالة الترقّب وعد الثواني.
على وقع البرايمرز وما تمخّض عنه تصطف أسماء إشكالية داخل الليكود، سواء تلك التي حاولت أن تنقلب عليه عقب السابع من أكتوبر 2023، بزعامة نير بركات؛ وزير الاقتصاد، وهي المحاولة الانقلابية الداخلية التي فضحها يسرائيل كاتس وزير الدفاع، واستحق عقبها هذا المنصب خلفاً ليوآف غالانت والذي أقصي ثمّ استقال من الكنيست، وجرت محاولات لفصله من عضوية الليكود، فيما تتهيّأ تالي غوتليب وهي المغضوب عليها من نتنياهو لأن تمثّل ثقلاً داخل الليكود أو تمضي خارجه.
يكاد مخاض الليكود يتشكّل في الظاهر الرسمي، استعداداً لخوض انتخابات أكتوبر، وهو الشهر الذي يصطحب معه ذاكرة ذروة الفشل الأمني والعسكري الإسرائيلي، ويبذل نتنياهو جهده الصارم لتبرئة المستوى السياسي الحاكم، وهو عندما حدّد السابع والعشرين من أكتوبر للانتخابات البرلمانية العامّة، كان قد حسم الجدل حتى اللحظة أنه يدخل الانتخابات بمرافعة براءة تامة من هذا الفشل التاريخي.
يراهن نتنياهو على البراءة التامة من فشل السابع من أكتوبر، ليدين في المقابل كلّ خصومه السياسيين، وأيضاً خصومه في المؤسستين العسكرية والأمنية، واللتين لم يكتفِ معهما بتجريدهما من قياداتهما السابقة وغزوهما بأزلامه من خارجهما، بل هو اليوم يراهن على انتخابات مفصلية، وفي حال فوزه فيها فإنها ستحسم له كل الساحات الداخلية بما فيها ساحة القضاء التي تأجّلت معركتها بسبب السابع من أكتوبر.
اهتزازات داخل الليكود واليمين:
ظاهرياً يبدو الليكود يهتزّ على وقع الحراك الداخلي العنيف، وهو الحزب الأكبر في الكيان الإسرائيلي منذ 3 عقود، حتى لو تجاوزته أحزاب أخرى في استطلاعات الرأي، خاصة حزب (يشار) بزعامة الجنرال الشرقي آيزنكوت، فيما أنّ الليكود من وجهة نظر نتنياهو وطريقته في اللعب، يمتلك أوراقاً إضافية تنبع من عمق هذا الاهتزاز.
اهتزاز الليكود يبدو حقيقياً، وقد دفع وسيظل يدفع بانشقاقات جديدة، كان أخطرها مؤخراً استقالة يولي إدلشتاين رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست ووزير الصحة سابقاً، إضافة إلى غلعاد إردان وزير الأمن الداخلي والسفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة، واللذين استقالا من الليكود مؤخراً بعد الخلاف الحاد حول قانون التجنيد وإدارة نتنياهو للحزب، وقد شكّلا حزباً جديداً لخوض الانتخابات المقبلة.
إضافة إلى حزب إدلشتاين-أردان المسمّى (هأحدوت) أي الوحدة، والمنفصل عن الليكود، هناك حزب موشي فيغلن مؤسس حزب (زيهوت) والذي سبق أن استقال من الليكود وما زال يراهن على اجتياز نسبة الحسم، أما حزب (الأمل الجديد) بقيادة وزير الخارجية الراهن ساعر، فهو يحافظ حتى اللحظة على اندماجه داخل الليكود خاصة أنه حصل على مقعد مضمون.
في وقت تبقى فيه التطوّرات داخل الليكود حبلى بالمفاجآت بخصوص يوآف غالانت وزير الدفاع المقال، والذي لم يكن جزءاً من البرايمرز الحالي، ولكنه لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وهو يحتفظ بقاعدة يمينية تؤهّله التنافس للكنيست خارج الليكود أو الدخول في تحالفات جديدة ربما مع أدلشتاين-يغلن، فيما تتهيّأ تالي غوتليب بقاعدتها القوية داخل الليكود لتحديد مسارها في وقت تجري محاولات لإقصائها من قبل عصابة نتنياهو.
قائمة الليكود الرسمية هي الجسم الذي يستند عليه نتنياهو في خوض الانتخابات العامة، ولكن هل هذه القائمة هي آخر خياراته وأسلحته في خوض أخطر حروبه الداخلية والخارجية؟
يعرف نتنياهو أنه استنفد حلوله مع القضاء في ظل محاكمته التي لم يوقفها تدخّل صديقه ترامب، ويعرف أيضاً أنه استنفد حروبه الإقليمية أو يكاد في ضوء الفشل المتعاظم مع إيران، كما يعرف يقيناً أنّ التحالفات المعارضة له قوية وثابتة وجاهزة للانقضاض عليه، بعضها لأسباب تتصل بمستقبل الدولة التي تهتز على وقع سياساته، وبعضها لأسباب شخصية محضة لا رجعة فيها.
ولا يخفى عليه أنّ المؤسسة الأمنية (شاباك وموساد) ترفضه جملة وتفصيلاً، خاصة بعد أن أدخل عليها الغرباء وتسبّب لها بالإرباك الداخلي العنيف، فيما أنّ المؤسسة العسكرية تمضي في وادٍ، ونتنياهو يمضي في وادٍ آخر تبعاً للأولويات الاستراتيجية والميدانية.
إذاً علامَ يراهن نتنياهو وهو يمضي في انتخابات تقرّر مصيره الشخصي والسياسي؟ إما إلى السجن أو الزعامة الأبدية؟
ليست ثمّة حلول وسط بقيت في جعبة نتنياهو بعد الانتخابات؛ سواء حكومة وحدة وطنية أو حلول جزئية مع يمين الوسط واليسار، أو استغلال احتمال عجز الكنيست المقبلة عن تشكيل ائتلاف أغلبية ما يضمن تمديد عمل الحكومة الراهنة، وصعوبة حلّ الكتل العربية عبر القانون، لأنّ العرب يمثّلون قاعدة انتخابية كبيرة نحو خُمس الناخبين، والمحكمة العليا لن ترضخ لهكذا توجّه وهي بالأساس في خصومة مع توجّهات نتنياهو.
تشير عزيمة نتنياهو على خوض الانتخابات العامة على الرغم من خطورتها الشخصية عليه، وفي ظل ضيق هامش خياراته الداخلية والخارجية، إلى أنه يخبّئ في جعبته مفاجأة يمكنها أن تمثّل قارب نجاة، ولعل هذه المفاجأة تكمن في وعيه بحجم الثقل الانتخابي لليمين، وإن فشل في عزل خصومه السياسيين عن اليمين، خاصة عند الحديث عن بينيت وليبرمان، وحتى آيزنكوت فتموضعه السياسي في قلب يمين الوسط بلا جدال.
تفريخات الليكود أو لنقل تفريخات اليمين ربما تكون هي ضربة نتنياهو في الوقت الإضافي، فهو بعد البرايمرز داخل الليكود يكون قد أرسى قائمته الرسمية في جيبه بلا جدال، وعلى يمينه هناك حزب بن غفير (القوة اليهودية) وحزب سموتريتش (الصهيونية الدينية) وهو يسعى لدمجهما في حزب واحد لضمان عدم ضياع أصوات اليمين المتطرّف في حال دخل سموتريتش الانتخابات لوحده ولم يجتز نسبة الحسم ما يضيّع أصواتاً بحجم أقل من 4 مقاعد، لذا فالدمج بينهما يترجّح، ما يكفل لنتنياهو دعماً ائتلافياً مكوّناً من 12 مقعداً إضافيّاً على مقاعد الليكود.
يضاف أيضاً مقاعد شاس وديغل هتوراه (الحريديم) نحو 15 مقعداً، لأنّ تحالفات المعارضة لن تتفاهم معهما على قانون للتجنيد يعفي الحريديم، ما يبقيهما على الرغم من كلّ الجدل الحالي مع نتنياهو في دائرته الائتلافية المستقبلية، وكلّ ذلك معروف ومتوقّع، لكنّ غير المتوقّع وما قد يستغله نتنياهو هو تفريخات اليمين والليكود، نظراً لمساحة قاعدتهما الانتخابية الواسعة.
أحزاب جديدة على هامش الليكود واليمين:
تتعزّز فرص حزب (أهحودت) بقيادة آيدلشتاين-أردان، لتجاوز نسبة الحسم والحصول على 4 مقاعد، كما يمكن أن تتعزّز فرص حزب (زيهوت) بزعامة فيغلن لتجاوز نسبة الحسم كذلك، ويمكن لغالانت خلال هذا الشهر المتبقّي أن يشكّل مفاجأة ويشكّل حزباً أو يتحالف مع أحزاب قائمة، وكذلك غوتليب إن قرّرت مغادرة الليكود، وهناك غاضبون من التهميش في الليكود يمكن أن يحسموا خياراتهم فيما تبقّى من وقت، هؤلاء كلّهم يمثّلون مساحة يمينية يمكن لنتنياهو أن يلعب على أرضها في الوقت الإضافي.
يمكن لتفريخات الليكود واليمين أن تؤدّي بالنيابة عن نتنياهو، ومن دون علمها، دور تمشيط أصوات اليمين، وضمان عدم ضياعها لصالح تحالفات المعارضة الرئيسة، وتجميعها في تحالفات صغيرة بحيث يجتاز بعضها نسبة الحسم، وفي حال حصل ذلك، فإنّ نتنياهو يكون قد جهّز نفسه بعد الانتخابات لإرضائها وكسبها في صفه، في ظلّ تناغمها الفكري والسياسي معه، فيما هي تختلف مع تحالفات المعارضة على الأولويات بشكل مبدئي.
سبق لنتنياهو في انتخابات عام 1996 أن لجأ إلى تحالفات مع أحزاب انشقّت عن الليكود (جيشر وتسوميت) إضافة إلى الحريديم واليمين المتطرّف، وحتى مع حزب (الطريق الثالث) والذي سبق أن انشقّ عن حزب العمل، ليشكّل ائتلافاً واسعاً من 66 عضواً في الكنيست ضمنوا له أغلبية ثابتة لتنفيذ سياساته.
شدّد نتنياهو من قبضته داخل الليكود، دون أن يهتزّ له جفن، ربما ليقينه أنّ كلّ صوت يخرج على القائمة الرسمية لليكود، يمكن استثماره لاحقاً أو حتى ضمن لعبة خفية يمكن أن يكون أعدّها قبل الانتخابات العامّة، ما يفجّر مفاجأة انتصاره ويقلب الطاولة على رؤوس اللاعبين في الداخل والحلفاء في الخارج.
والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء هكذا إدارة خبيثة للتشظّي الانتخابي اليميني، هل هذا الوقت الإضافي مضمون لنتنياهو ليمارس فيه ألاعيبه؟
يبدو أنّ جشع نتنياهو وتعلّقه بالسلطة، يدفعه لمجرّد اللعب حتى لو كان ذلك في مساحة الاحتمالات وليس الخيارات، فهو إن كان بالفعل يراهن على الاحتمالات خاصة تفريخات اليمين، فهو يدخل رهاناً خطيراً ليس مضموناً، ولكنّ اعتداد نتنياهو بنفسه وثقته المفرطة بقدراته الشخصية، خاصة بعد أن اجتاز هذه السنوات العجاف بعد السابع من أكتوبر 2023 بسلامة وثبات، هذا الاعتداد الطاغي هو الذي يحرّك خيارات نتنياهو السياسية وألاعيبه الحزبية.
تبدو احتمالات نتنياهو لاستثمار تفريخات اليمين محدودة، وإن كانت واردة ومحتملة، وهي محدودة مقابل مستوى الاستقطاب السياسي الحادّ الذي ربما لن يسمح بفتح الطريق أمام ولادة أحزاب جديدة، إضافة إلى اتساع نسبة الغاضبين من نتنياهو في الأمن و"الجيش" والقضاء والهستدروت والهاي تك، والتيارات الليبرالية والعربية واليسارية ومعظم يمين الوسط، لهذا في كلّ استطلاعات الرأي بينه وبين آيزنكوت على صعيد رئاسة الحكومة تزداد الفجوة اتساعاً لصالح الأخير، على الرغم من أنه رجل شرقيّ ولم يسبق لشرقيّ أن وصل إلى هذا المنصب.
يترجّح ضياع فرصة نتنياهو في استثمار هامش اليمين وتفاعلاته خارج الليكود، خاصة أنّ فرصة الليكود لا تتجاوز 23 مقعداً من أصل 120، وإن بقي الحزب الأكبر، وهذا الضياع المترجّح (وغير المحسوم) مرتبط بعوامل عديدة ليس آخرها أنّ هذه الانتخابات تجري في أكتوبر على وقع فشل السابع من أكتوبر.