تحظى أوبك+ بمتابعة استثنائية في سوق النفط، لأن قراراتها لا تبقى داخل قاعات الاجتماعات المغلقة، بل تظهر آثارها سريعًا في أسعار الخام وتوقعات التضخم وأسهم شركات الطاقة وميزانيات الدول المنتجة والمستهلكة. فأي تعديل في سياسة الإنتاج، سواء بالخفض أو الزيادة أو التمديد، يمكن أن يغير نظرة المتداولين إلى توازن السوق خلال دقائق.
لكن أوبك+ لا تعمل كجهة تحدد سعر النفط مباشرة. فهي لا تعلن السعر الذي ينبغي أن يُباع به البرميل، ولا تستطيع فرض مستوى سعري ثابت على السوق. قوتها تأتي أساسًا من قدرتها على التأثير في المعروض. فعندما تضيف براميل جديدة، أو تسحب جزءًا من الإمدادات، أو ترسل إشارات بشأن سياستها المقبلة، فإنها تغير توقعات المستثمرين حول ما إذا كان سوق النفط يتجه نحو فائض أو عجز.
تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن دول أوبك تنتج مجتمعة نحو 35% من النفط الخام العالمي، وتمثل قرابة نصف النفط المتداول عالميًا. برغم ذلك، لا يعني نفوذ أوبك+ السيطرة الكاملة على السوق. فأسعار النفط تتشكل في النهاية من تفاعل واسع بين الإنتاج والاستهلاك، والإمدادات القادمة من خارج التحالف، والنمو الاقتصادي، والمخزونات، والتوترات الجيوسياسية، وتوقعات المتداولين بشأن المستقبل.
تأسست منظمة الدول المصدرة للبترول، المعروفة باسم أوبك، في مؤتمر بغداد في سبتمبر 1960، بمشاركة إيران والعراق والكويت والسعودية وفنزويلا. وكان الهدف المعلن من تأسيسها هو تنسيق السياسات النفطية بين الدول الأعضاء والمساهمة في استقرار اسعار النفط.
ومع مرور الوقت، أصبحت أوبك واحدة من أكثر المؤسسات تأثيرًا في قطاع الطاقة، خصوصًا مع تزايد سيطرة الدول المنتجة على مواردها النفطية وقدرتها على التأثير في كميات المعروض المتاحة عالميًا.
ظهر التحدي الأبرز لنفوذ أوبك مع صعود النفط الصخري في الولايات المتحدة. فقد سمحت تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي بزيادة كبيرة في إنتاج النفط الأمريكي، وهو معروض لا يخضع لسيطرة أوبك. ولهذا اتجه التحالف النفطي بعد موجة هبوط أسعار النفط التي بدأت في 2014، إلى توسيع دائرة التعاون مع منتجين من خارج المنظمة، بحثًا عن تأثير أكبر في السوق.
وكانت النتيجة هي إعلان التعاون في 10 ديسمبر 2016، بين دول أوبك ومنتجين مشاركين من خارجها. ومن هذا الترتيب ظهر ما أصبح يُعرف باسم أوبك+، وهو إطار أوسع ضم مصدرين كبارًا من خارج أوبك، وعلى رأسهم روسيا.
وأثبت هذا التحالف أهميته بوضوح خلال أزمة كوفيد-19. فعندما انهار الطلب العالمي على النفط في 2020، اتفق المنتجون المشاركون على تعديلات إنتاجية ضخمة بلغت 9.7 مليون برميل يوميًا في المرحلة الأولى من الاستجابة للأزمة.
تتحرك أسعار النفط في سوق عالمي يعتمد على التوازن بين ما يُنتج يوميًا وما يستهلكه العالم. فإذا كان الطلب أعلى من الإمدادات المتاحة، تبدأ المخزونات عادة في التراجع، ويزداد الضغط الصعودي على الأسعار. أما إذا تجاوز الإنتاج حجم الاستهلاك لفترة طويلة، فقد تمتلئ المخزونات تدريجيًا، وتضعف الأسعار نتيجة وفرة المعروض.
ومن هنا يأتي دور أوبك+. فالتحالف لا يحدد سعر النفط مباشرة، لكنه يحاول التأثير في هذا التوازن من خلال التحكم في كمية الخام التي يضخها أعضاؤه إلى السوق. وبذلك يصبح قرار الإنتاج أداة لتغيير توقعات السوق بشأن الفائض أو العجز في المعروض.
لنفترض مثلًا أن الطلب العالمي يبلغ 103 ملايين برميل يوميًا، بينما تشير التقديرات إلى أن المعروض قد يصل إلى 104 ملايين برميل يوميًا. في هذه الحالة، يتوقع السوق فائضًا قدره مليون برميل يوميًا، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع المخزونات والضغط على الأسعار. فإذا قررت أوبك+ سحب مليون برميل يوميًا من السوق، فقد يتحول هذا الفائض المتوقع إلى سوق أكثر توازنًا.
والعكس صحيح أيضًا. فإذا كانت المخزونات تنخفض بسرعة والأسعار ترتفع بقوة، تستطيع أوبك+ من حيث المبدأ زيادة الإنتاج وضخ براميل إضافية لتخفيف الضغط على السوق.
تُعد أهداف الإنتاج، أو ما يُشار إليه عادة باسم حصص الإنتاج، الأداة الأكثر وضوحًا التي تستخدمها أوبك+ لإدارة السوق. فمن خلال هذه الحصص، تحدد المجموعة مستوى الإنتاج الإجمالي المستهدف، ثم توزع هذا الرقم بين الدول المشاركة وفق أهداف فردية أو مستويات إنتاج مطلوبة.
ولا تكون هذه الحصص متساوية بالضرورة. فكل دولة تختلف عن الأخرى من حيث الطاقة الإنتاجية، وتاريخ الإنتاج، والاحتياجات المالية، وحجم الاستهلاك المحلي، وخطوط الأساس التي تُستخدم في حساب التخفيضات أو الزيادات.
وهذا الفرق جوهري عند قراءة قرارات أوبك+. فإعلان خفض الهدف الإنتاجي بمليون برميل يوميًا لا يعني تلقائيًا أن السوق سيفقد مليون برميل حقيقي. فقد تكون بعض الدول تنتج بالفعل أقل من حصصها قبل القرار. وفي هذه الحالة، فإن خفض الهدف الرسمي لدولة غير قادرة أصلًا على الوصول إليه قد يغير الأرقام على الورق، لكنه لا يزيل أي إمدادات فعلية من السوق.
تصبح اتفاقات أوبك+ أكثر تعقيدًا عندما تُحسب التخفيضات أو الزيادات بناءً على مستويات إنتاج مرجعية، تُعرف غالبًا بخطوط الأساس. وهذه الخطوط ليست مجرد أرقام فنية، بل تحمل أهمية سياسية واقتصادية كبيرة لأنها تحدد نقطة الانطلاق التي تُبنى عليها حصص الدول الأعضاء.
لنفترض أن دولة “أ” تستطيع إنتاج 4 ملايين برميل يوميًا، لكن خط الأساس المعتمد لها داخل الاتفاق هو 3 ملايين برميل فقط. إذا طُبق خفض بنسبة 10%، يصبح هدفها الجديد 2.7 مليون برميل يوميًا.
في المقابل، إذا كانت دولة “ب” تمتلك القدرة نفسها على إنتاج 4 ملايين برميل يوميًا، لكن خط أساسها المعتمد هو 4 ملايين برميل، فإن خفضًا بنسبة 10% سيترك لها هدفًا قدره 3.6 مليون برميل يوميًا.
في هذه الحالة، ستشعر الدولة “أ” بأن النظام يحد من قدرتها على الاستفادة من طاقتها الإنتاجية واستثماراتها، بينما تحصل الدولة “ب” على مساحة إنتاج أكبر رغم امتلاكهما قدرة فعلية متقاربة.
لذلك، فإن الخلافات حول خطوط الأساس لا تتعلق بالمحاسبة فقط. فهي تحدد حجم النفط الذي تستطيع كل دولة ضخه ضمن الاتفاق، وبالتالي تحدد جزءًا كبيرًا من إيراداتها النفطية ونفوذها داخل التحالف. ولهذا تكون مفاوضات الحصص وخطوط الأساس من أكثر القضايا حساسية داخل أوبك+، لأنها تمس مباشرة مصالح الدول المنتجة وقدرتها على تحويل طاقتها الإنتاجية إلى دخل فعلي.
تُعد الطاقة الإنتاجية الفائضة عنصرًا مهمًا في سوق النفط، لأنها تعكس قدرة المنتجين على زيادة الإمدادات سريعًا عند حدوث نقص. وهي لا تعني الاحتياطيات الموجودة تحت الأرض، بل كمية النفط التي يمكن ضخها خلال فترة قصيرة والاستمرار في إنتاجها. وتعرّفها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأنها الإنتاج الذي يمكن تشغيله خلال 30 يومًا وضخه لمدة لا تقل عن 90 يومًا.
وتأتي أهمية أوبك+ من امتلاك دولها، خصوصًا السعودية، جزءًا كبيرًا من هذه الطاقة الفائضة، ما يمنح التحالف قدرة على زيادة الإمدادات عند الحاجة أو إبقائها خارج السوق لدعم الأسعار.
وتختلف الطاقة الفائضة عن الاحتياطيات النفطية، التي قد تحتاج إلى سنوات من الاستثمار وتطوير الحقول قبل تحويلها إلى إنتاج. أما الطاقة الفائضة فتمثل براميل يمكن ضخها بسرعة نسبيًا، ولذلك تعمل كهامش أمان يمكن استخدامه لتعويض نقص مفاجئ في الإمدادات.
برغم ذلك، لا تكفي قرارات أوبك+ إذا لم تتحول إلى انخفاض فعلي في الإنتاج، إذ تعتمد قوة أي اتفاق على التزام الدول بحصصها. فإذا أُعلن خفض بمليوني برميل يوميًا، بينما انخفض الإنتاج فعليًا 1.2 مليون فقط، يكون تأثيره أقل بكثير من الرقم المعلن.
ولمعالجة ذلك، تستخدم أوبك+ آليات تعويض تطلب من الدول التي تجاوزت حصصها تنفيذ تخفيضات إضافية لاحقًا، وهي آلية برز استخدامها بوضوح منذ 2020.
من ناحية أخرى، يحمل خفض الإنتاج تكلفة على أوبك+، لأن ارتفاع الأسعار يفيد أيضًا المنتجين خارج التحالف من دون أن يتحملوا عبء التخفيض. لذلك تواجه المجموعة دائمًا موازنة بين دعم الأسعار والحفاظ على حصتها السوقية.
فخفض الإنتاج قد يرفع الأسعار، لكنه يعني أيضًا بيع براميل أقل، وقد يشجع المنافسين على زيادة إنتاجهم. وظهر هذا التحدي بوضوح مع نمو النفط الصخري الأمريكي، إذ يستجيب المنتجون خارج أوبك+ لارتفاع الأسعار بزيادة الحفر والإنتاج، ما قد يقلل اعتماد السوق على نفط التحالف.
أفضل طريقة لفهم أوبك+ أنها تحالف يضم عددًا من أكبر منتجي النفط ويمتلك جزءًا كبيرًا من الطاقة الإنتاجية الفائضة، وليس جهة تحدد سعر النفط مباشرة. يمكن الإجابة على هذا السؤال وتلخيص كل ما سبق في النقاط التالية:
ينبع نفوذ التحالف من قدرته على التحكم في حجم الإنتاج الفعلي. فعندما يخفض الإمدادات في سوق ذات طلب قوي ومخزونات منخفضة، قد يزيد ضيق السوق ويدعم الأسعار، بينما تساعد زيادة الإنتاج في تخفيف الضغوط الصعودية.
وتزداد قوة أوبك+ عندما يكون إنتاج المنافسين ضعيفًا والطاقة الفائضة مركزة لدى عدد محدود من الدول، لكنها تتراجع مع نمو الإنتاج خارج التحالف أو ضعف التزام الأعضاء أو انخفاض الطلب العالمي.
لذلك، تعمل حصص الإنتاج والتخفيضات الطوعية والطاقة الفائضة وآليات التعويض كأجزاء من نظام واحد للتأثير في توازن السوق. ولا تستطيع أوبك+ فرض سعر محدد، لكنها قادرة على تغيير توقعات المعروض، وهو ما يجعل قراراتها الإنتاجية مؤثرة بقوة في أسواق النفط العالمية.