في قطاع غزة المطحون بين آلة الحرب الإسرائيلية من جهةٍ، والموقف العربي والدولي العاجز واللامبالي من جهةٍ أخرى، يحاول السكّان الفلسطينيون التشبُّث بأي بصيص من الأمل، حتى لو كانوا يعرفون سلفاً بأنّه مجرد سراب سرعان ما يختفي ويزول.
خلال كل مراحل الحرب المجنونة التي تستمرُّ فصولها حتى يومنا هذا، كان سكّان القطاع يبحثون عن أيِّ فرصة لالتقاط أنفاسهم، والاقتراب ولو عن بُعد من حياتهم التي كانوا يعيشونها قبل اندلاع الحرب، أو حتى من جزءٍ منها، مع أنّ تلك الحياة كانت هي الأخرى صعبة وقاسية، ولم تكن تشبهه من قريب أو من بعيد ما يعيشه باقي سكان العالم، حتى أولئك الذين عانوا من أزمات معقّدة ومُستدامة كما هو الحال في بعض دول العالم الثالث على سبيل المثال.
في غزة المنكوبة قبل الحرب وبعد الحرب، تبدو الحياة أقرب إلى المغامرة منها إلى أيِّ شيءٍ آخر، إذ يحتاج المواطنون فيها إلى سلوك طريق المخاطر من أجل تأمين جزءٍ يسير من قوت أطفالهم، هؤلاء الأطفال الذين يهيمون على وجوههم كل صباح من أجل الحصول على بعض الفتات من التكايا المهترئة، أو علاج المرضى والجرحى منهم وما أكثرهم، والذين لا يكادون يجدون سريراً مناسباً يلقون عليه أجسادهم الضعيفة والبالية.
في غزة المنسيّة كما بات يعتقد الكثيرون من سكّانها، يتابع الناس عن كثَب كلّ ما يُنشر من أخبار، وكلّ ما يُتداول من معلومات، بل وكلّ ما يتمُّ ترويجه عن قصد من إشاعات وفبركات، ويبحثون بين ثنايا كلّ ذلك عمّا يهدّئ من روعهم، أو يجبر خواطرهم، بل وعن كلّ ما يمكن أن يمنحهم بارقة أمل في ما هو قادم.
خلال الأسابيع الأخيرة سيطرت على عقول الغزّيّين فكرة انتهاء الحرب العدوانية بشكل كامل، وانتقال الأوضاع إلى مربّع الأمن والاستقرار، لا سيّما بعد ما سمعوه من أخبار عمّا جرى من توافقات في العاصمة المصرية القاهرة، والتي شهدت التوصل إلى اتفاق النقاط الخمس عشرة، والتي عزّزتها اللقاءات التي جرت الأحد الماضي وشارك فيها صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، والمدير التنفيذي لـ "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف، وهو ما أشاع جوّاً من التفاؤل غير المسبوق لدى المواطنين في غزة، والذين اعتقدوا أنَّ هذا الاتفاق سيكتب نهاية لمعاناتهم المستمرة منذ ما يقارب الثلاث سنوات، والتي ذاقوا فيها ويلات الحرب كما لم يحدث مع أيِّ شعب آخر، ودفعوا خلالها أثماناً باهظة تجاوزت كلّ ما دفعوه خلال سنوات الاحتلال الثماني والسبعين الماضية.
وعلى الرغم من الرفض الإسرائيلي المعلن لهذا الاتفاق، والإعلان عن مواصلة عمليات القتل والسيطرة على الأراضي كما هو حاصل خلال الشهور العشرة الماضية من عمر اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنّ التفاؤل بقيَ سيّد الموقف لدى سكان القطاع، الذين راهنوا وما زالوا على جهود الدول الوسيطة والضامنة، وما زال يحدوهم الأمل بنجاح ضغوطات تلك الدول على الكيان الصهيوني، الذي لم يسبق له من قبل -كما تشير التجربة- أن انصاع للضغوطات مهما كان حجمها، بل أدار ظهره وضرب عرض الحائط بكلِّ ما تمّ التوافق عليه في مواعيد ومناسبات خلت.
إلا أنّه وبعيداً عمّا يجول في خواطر الناس في غزة، وبغضِّ النظر عن التطمينات التي صدرت عن بعض الجهات، والتي سمعنا مثلها الكثير خلال الشهور الماضية، فإنّ المعطيات والمؤشرات لا تسمح بالكثير من التفاؤل خلال الأسابيع القادمة على أقلِّ تقدير، وخصوصاً في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية.
يمكن لنا الإشارة إلى بعض الملاحظات للتدليل على وجهة نظرنا هذه، والتي ربما يعتقد البعض بأنّها متشائمة وتفتقد إلى الواقعية، وهذا الأمر يمكن أن يكون صحيحاً، إلا أنّ تجربتنا خلال السنوات الثلاث من عمر هذه الحرب الإجرامية تدفعنا على الدوام للتعامل مع كلِّ ما يحدث من تطورات بحذر شديد، بل والنظر إليها بعين الشكّ والريبة، خصوصاً إذا ما عرفنا بأنّ الطرف الآخر ليس لديه أيُّ نية لوقف العدوان، وأنّ مواقفه خلال شهور الحرب الطويلة كانت تتّسم بالمراوغة والكذب ونقض العهود، بل والتراجع عن كثير ممّا تمّ الاتفاق عليه من دون أن يُلقي بالاً لأحد، حتى لو كان رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم.
الملاحظة الأولى التي تمنعنا من الإفراط في التفاؤل تتعلّق بالموقف الإسرائيلي المُعلن والواضح ممّا تمّ الاتفاق عليه في القاهرة مؤخراً، وهو موقف منسجم تماماً مع موقفه من كلِّ التفاهمات السابقة حتى تلك التي وقّع عليها، وأعلن التزامه بها كما كان الحال إبّان اتفاق التاسع عشر من كانون الثاني/يناير من العام الماضي، أو اتفاق العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، اللذَيْن شهدا خروقات إسرائيلية واضحة وفاضحة، نتج عن الثاني منهما نحو 1300 شهيد، ومئات الجرحى والمصابين، وتوسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية إلى ما يقارب السبعين في المائة من مساحة القطاع.
في كلِّ التصريحات الإسرائيلية التي تلت اتفاق القاهرة الأخير، ظهرت بما لا يدع مجالاً للشكّ معارضة الكيان الصهيوني له، ورفضه جملة وتفصيلاً، بل والتأكيد على مواصلة العدوان بكلِّ أشكاله، لا سيّما الاستمرار في جرائم استهداف المواطنين بواسطة الطائرات المسيّرة، أو من خلال عمليات إطلاق النار والقصف المدفعي الذي لا يتوقف خصوصاً في ساعات الليل.
على أرض الواقع تمّت ترجمة هذا الموقف بكلِّ تفاصيله، وباتت عمليات القتل بالصواريخ الحارقة حدثاً يومياً لا يستوجب الاستنكار أو التنديد من المجتمع الدولي، أو من قِبل الدول الراعية والضامنة، التي لم تتجرّأ على إصدار بيان إدانة للعدوان الإسرائيلي إلا بعد الحصول على إذن من الجانب الأميركي كما جرى قبل يومين.
حسب كلِّ المعطيات على الأرض، وما يجري من إنشاءات جديدة لمواقع عسكرية إسرائيلية بالقرب من الخط الأصفر، إضافة إلى قرب الانتخابات الإسرائيلية، التي يبدو فيها مجرم الحرب، والفارُّ من وجه العدالة الدولية بنيامين نتنياهو بحاجة ماسة إلى تحقيق إنجازات للحصول على المزيد من أصوات الناخبين الإسرائيليين؛ فإنّ التصعيد سيبقى سيّد الموقف خلال الشهرين القادمين على أقلِّ تقدير، مع إمكانية حدوث بعض التقدم في ما يخصُّ موضوع المساعدات الإنسانية فقط، وهو أمر سيكون بمنزلة ذرّ للرماد في العيون لتخفيف الانتقادات الدولية، وللتغطية على استمرار عمليات القتل والاستيلاء على الأراضي.
ملاحظة ثانية تدفعنا إلى عدم التفاؤل كثيراً تتعلّق بعدم وضوح الرؤية في ما يخصُّ تنفيذ بعض نقاط خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هذه الخطة التي -كما يبدو- حملت بين ثناياها ألغاماً كثيرة، ومُلِئت عن سابق قصد بالعديد من الملفات الشائكة.
أولى هذه النقاط وأكثرها تعقيداً هي قضية نزع سلاح المقاومة في غزة، والتي باتت الآن أهمَّ نقاط اتفاق وقف إطلاق النار، وتجاوزت في أهميتها وضرورة تنفيذها فوراً كلَّ ما سواها من نقاط، حتى تلك التي وردت في المرحلة الأولى من الاتفاق وتنكّر العدوُّ الصهيوني لها، ولم يلتزم بتنفيذ الشقِّ الأكبر منها.
في مسألة نزع سلاح المقاومة هناك وجهتا نظر: الأولى تتبنّاها المقاومة وتستند إلى وجوب تخزين السلاح الثقيل فقط لدى جهة فلسطينية موثوقة، وأنّه لا يجوز تسليم هذا السلاح للعدوِّ الإسرائيلي أو أيِّ جهة خارجية مهما بلغت درجة موثوقيتها، وأنّ ذلك يجب أن يتمَّ في ظلِّ تشاور وطني داخلي ليس لـ"إسرائيل" أيُّ تأثير عليه من قريب أو بعيد.
وجهة النظر الأخرى التي يتبنّاها العدوُّ الإسرائيلي وحليفه الأميركي وبعض أعضاء مجلس السلام تشير إلى ضرورة نزع السلاح بأشكاله كافة ثقيلاً كان أم خفيفاً، إلى جانب سلاح العائلات، وضمان ألا يشكّل هذا السلاح في المستقبل أيَّ "تهديد" يُذكر على أمن "الدولة" العبرية، ومن دون البدء في تنفيذ هذه الخطوة لن تتأتّى أيُّ انفراجة حقيقية، سواء في ما يتعلّق ببدء الإعمار، أو في ما يخصُّ وقف العدوان بشكل كامل، وانسحاب "جيش" الاحتلال إلى الخط الأصفر الأساسي الذي ورد في خرائط اتفاق الهدنة قبل عشرة أشهر.
نقطة ثانية نراها معقّدة أيضاً خصوصاً في ظلِّ الموقف الإسرائيلي المتعنّت تخصُّ مسألة انتشار "قوة الاستقرار" الدولية، التي لا تتشجّع الكثير من الدول على الانخراط فيها حتى الآن على أقلِّ تقدير، إلى جانب وجود تخوّف فلسطيني من دورها المستقبلي في ظلِّ مرجعيتها السياسية التي لا تبشّر بخير، وإمكانية تحوُّلها إلى قوة احتلال بدلاً من قوة فضِّ منازعات، أو توفير الأمن للمواطنين الفلسطينيين.
في هذه المسألة هناك تعقيدات في ما يخصُّ أماكن انتشار القوة، وعدد أفرادها، والأدوار المنوطة بها، بالإضافة إلى تمكُّنها من القيام بواجباتها في ظلِّ وجود "جيش" الاحتلال بالقرب من أماكن تموضُعها.
نقطة ثالثة لا تقلُّ أهمية عن سابقاتها، وهي تتعلّق بدخول لجنة التكنوقراط لمباشرة مهامّها في إدارة أمور القطاع، وتوفير ما يلزم المواطنين من مستلزمات حياتية ومعيشية غاب معظمها خلال شهور الحرب، إلى جانب -وهو الأهمّ- البدء في عملية رفع ملايين الأطنان من الأنقاض وإعادة الإعمار، والتي تبدو أصعب مهام هذه اللجنة ذات الإمكانيات المتواضعة، والصلاحيات المحدودة.
حتى الآن يمنع العدوُّ الإسرائيلي هذه اللجنة من دخول القطاع، ويعطّل بشكل واضح فرصة تسلُّمها مقاليد الأمور فيه، وهو في ذلك يسعى لإطالة أمد الأزمات التي بات بعضها مستفحلاً، وتشديد الخناق على سكان القطاع لدفعهم إلى فقدان الأمل في أيِّ انفراجة قادمة.
ملاحظات أخرى من قبيل الموقف الأميركي المنحاز إلى العدوِّ الإسرائيلي، الذي أعاد التعبير عنه كوشنر وملادينوف في لقاءات القاهرة قبل يومين، وفقدان الدول الضامنة والوسيطة لأيِّ أوراق ضغط على الاحتلال، بالإضافة إلى ما يلقيه استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي من ظلال قاتمة على كامل المشهد الفلسطيني.
على كلِّ حال، تبدو الأيام والأسابيع القادمة مهمة بدرجة كبيرة لناحية ظهور بوادر ومؤشرات ينتظرها كلُّ سكان قطاع غزة، ويترقّبون حدوثها بتلهُّف وشغف، وهو أمر يراه الكثيرون ممكناً ومتاحاً، إلا أنّ المعطيات على أرض الواقع لا تشير إلى إمكانية حدوث ذلك في وقت قريب على أقلِّ تقدير، وربما يحتاج الأمر إلى بذل جهد أكبر، ومساعٍ أوسع، لإرغام العدوِّ على تقديم تنازلات حقيقية، والوفاء بالجزء الأكبر من التزاماته التي وافق عليها في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2025.