"العدو حوّل كل قطاع غزة إلى منطقة غير صالحة للحياة، تمهيداً لتهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة... هجرة قسرية جبرية ناتجة عن تدمير كل مقوّمات الحياة في غزة، بل وتدمير كل أمل في المستقبل للجيل الصاعد وما بعده من أجيال... التفكير في الهجرة كخلاص للفرد والأُسرة نجاةً من الموت واليأس وبحثاً عن الحياة والأمل يُسيطر على كثير من الناس خاصة الشباب، ولكن ما إن تنتهي المحنة وينقضي هذا الكرب العظيم حتى يعود للناس أملهم في الحياة والمستقبل، ويرددوا معاً قولاً وعملاً نشيد: سوف نبقى هنا... كي يزول الألم... سوف نحيا هنا... سوف يحلو النغم...".
الفقرة السابقة جاءت في كتاب (تراجيديا فلسطينية من وحي الحرب) لكاتب هذا المقال تحت عنوان (سوف نبقى هنا)، في ذروة حرب الإبادة، وهي تلخّص جوهر المشروع الصهيوني في فلسطين (تهجير الشعب الفلسطيني)، وبالمقابل جوهر المشروع الوطني الفلسطيني (البقاء في فلسطين)، والبقاء في فلسطين بمعنى الوجود الفلسطيني فيها هو أساس مفهوم (الصمود)، والصمود كمفهوم وجودي ووطني وسلوك حياتي وسياسي يستطيع إعادة بعث الحياة في الشعب من رحم الموت، وتجديد مشروع التحرير من قلب الدمار، ولكنه بعد تداعيات ومتغيرات حرب الإبادة يحتاج إلى إعادة تعريف.
إعادة تعريف الصمود تتطلب تصويب بعض مضامين خطاب الصمود غير المناسبة لمرحلة ما بعد حرب الإبادة، ومنها الخطاب الإنشائي (العنترية)، الذي يُمعن في تضخيم القدرات الوهمية وتصغير قدرات العدو الحقيقية، ويبالغ في استعراض القوة والقدرة اللفظية واستخدام عبارات التهديد والوعيد النظرية، ويفتقر إلى البصيرة الواقعية والرؤية الاستشرافية والحسابات الاستراتيجية.
ومنها الخطاب البطولي (الأسطرة)، الذي يُجرد الشعب الفلسطيني من طبيعته الإنسانية بما فيها من حالات قوة وضعف، ويضع الشعب الفلسطيني في قالب البطل الأسطوري الخارق الذي لا يتعب أو ينهك ولا يتألم أو يتوجع، وينزع عن الشعب الفلسطيني مشاعره الإنسانية فلا يحزن أو يغتمّ ولا يخاف أو يفزع.
ومن مضامين خطاب الصمود التي تحتاج إلى تصويب، إضافة إلى العنترية والأسطرة، الخطاب العدمي (تقديس الموت)، الذي يُركز على التضحية والموت من دون أفق سياسي واضح ومن دون ربط التضحيات بالإنجازات السياسية والوطنية، والذي يتجاهل أنَّ الغاية من التضحيات هي الحياة الحرة العزيزة وليس الموت، وأنَّ الغاية من الصمود هو الوصول إلى الانتصار. ومنها الخطاب الاستهلاكي (استهلاك المأساة) الذي يحوّل مأساة النكبة الجديدة إلى مادة استهلاكية توّظف لأغراض الدعاية الحزبية وجمع الأموال والشهرة الإعلامية، وتفقد قيمتها الإنسانية والسياسية والوطنية، ويحوّلها إلى مجرد مُنتج رقمي بصري مُكرر يُعتاد عليه بمرور الوقت وتكرار المشاهد.
تصويب المضامين الإشكالية في خطاب الصمود الفلسطيني، وإعادة تعريف الصمود باتجاه مشروع الحياة والتحرير، الذي يعني ببساطة (البقاء) الذي تحدّث عنه الشاعر الفلسطيني توفيق زياد في قصيدته (هنا باقون)؛ فقال: "كأننا عشرون مستحيل... في اللد والرملة والجليل... هنا على صدوركم باقون كالجدار... وفي حلوقكم... كقلعة الزجاج كالصبار". كما يعني تحويل البقاء إلى طاقة إيجابية للاستمرار، كما قال الأديب الفلسطيني غسان كنفاني في مقالته (أفكار عن التغيير واللغة الصماد)؛ فقال: "إنَّ الصمود ليس هو القدرة على تلقي الضربات، بل هو القدرة على تحويل هذه الضربات إلى طاقة للاستمرار والبناء فوق ذات الأرض التي يُراد مَحْوُنا منها".
الصمود بمفهومي توفيق زياد وغسان كنفاني موجود في كل تفاصيل الحياة اليومية في فلسطين المُحتلة من البحر إلى النهر أثناء حرب الإبادة بنسخها المُتعددة في غزة والضفة والداخل، موجود في إصرار الفلسطينيين بغزة على الحياة في مخيمات النزوح رغم أهوال الحرب ومعاناة النزوح، وموجود في تصميم الفلسطينيين بالضفة على الحياة في مدنهم وقراهم ومخيماتهم رغم إرهاب الاحتلال بجيشه ومستوطنيه، وموجود في إرادة الحياة لفلسطينيي الداخل المحتل عام النكبة الأولى ومقاومة مصادرة الأراضي وانتهاك الحقوق، وموجود في أمل الحياة والعودة للشعب الفلسطيني في خارج فلسطين رغم مأساة اللجوء وغربة الشتات...
الصمود موجود في كل بيت يُبنى ومدرسة تؤسَّس ومصنع يُقام وأرض تُزرع وبئر تُحفر... الصمود موجود في كل طفلٍ يولد وتلميذ يدرس وفلاح يحصد وعامل ينتج وموظف ينجز وعالم يبدع.
إعادة تعريف الصمود على أساس وركيزة البقاء والوجود كمنطلق لمشروع التحرير بعد حرب الإبادة هو منظومة متكاملة الأبعاد، تبدأ بالصمود الديمغرافي، ويعني الحفاظ على الحضور السكاني الفلسطيني موجوداً ومتواصلاً في فلسطين التاريخية، بهدف حماية الهوية الفلسطينية للأرض أمام تحدي الإبادة المادية.
وتمر بالصمود المجتمعي، ويعني الحفاظ على المجتمع الفلسطيني مُوحداً ومتماسكاً في أماكن وجوده، بهدف حماية التماسك الاجتماعي للشعب الصامد المقاوم أمام تحدي الإبادة المعنوية. وينتهي بالصمود الوطني، ويعني الحفاظ على وجود الشعيب الفلسطيني كجماعة وطنية واحدة يجمعها تاريخ ومصير مشترك، بهدف حماية القضية الفلسطينية والمشروع الوطني أمام تحدي المشروع الصهيوني الإحلالي العنصري.
العلاقة التكاملية والاعتمادية بين أبعاد الصمود الثلاثة توصلنا إلى نتيجة واضحة بأنَّ الأساس والمنطلق فيها هو وجود الشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين، ومن هنا تأتي أهمية بقاء الشعب في أرضه وعدم الهجرة منها كأقوى وثيقة تاريخية وقانونية لملكية الأرض وحفظ الهوية، وكأقوى ركيزة لمشروع المقاومة والتحرير والعودة...
المشروع الذي سيوصل الشعب والأمة إلى بوابة النصر والتمكين... ليعود النهار إلى فلسطين، النهار الذي ستُشرق شمسه ضوءاً وأملاً في قلوب الفلسطينيين وكل المستضعفين، النهار الذي ستُحرق شمسه بنارها وغضبها الغزاة الصهاينة وكل المستكبرين.