5 إصابات متتالية ونزوح متكرر.. نائلة وشام في مواجهة الموت بغزة

الساعة 11:54 ص|16 أغسطس 2026

فلسطين اليوم- فادي العمارين

"وين شام؟.. وين بنتي؟".. كانت هذه الكلمات أول ما خرج من فم نائلة مريش، البالغة من العمر 24 عامًا، بعد أن دوّى انفجار قرب خيمتها، كانت في تلك اللحظة تعد الطعام لزوجها وابنتها، قبل أن يتحول المكان خلال ثوانٍ إلى مشهد من الركام والدماء.

لم تستطع نائلة الحركة من مكانها بسبب إصابة سابقة أصابتها بالشلل، فصرخت على شقيقتها لتعرف أين وقع الاستهداف، وسرعان ما اكتشفت أن القصف أصاب باب خيمتها، وأن طفلتها شام، التي كانت تلعب بالقرب من الخيمة، أصبحت بين المصابين.

"طلعوها وهي كلها دم".. تقول نائلة، واصفة اللحظة التي رأت فيها ابنتها بين المصابين، كانت شظية قد أصابت شام قرب رأسها، فيما غطت الدماء وجهها وجسدها، في مشهد أصاب والدتها بالصدمة، لم تكن نائلة تملك فيه سوى أن تبحث بعينيها عن طفلتها، وتتأكد من أنها ما زالت على قيد الحياة.

نجت شام من ذلك الاستهداف، لكنه لم يكن الأول الذي تتعرض له خلال الحرب، تقول والدتها لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم" إن طفلتها تعرضت للإصابة خمس مرات خلال الحرب، وتركت تلك التجارب آثارًا نفسية عميقة عليها.

في الليل، تستيقظ شام مذعورة، تصرخ وتبكي، وكأن أصوات القصف ما زالت عالقة في ذاكرتها، لتقول نائلة وهي تستعيد صورة ابنتها في لحظة الاستهداف الأخيرة: "شو ذنبها؟ طفلة".

2cf971a8-97b9-4600-97a5-b838ea98139f.jfif
 

قصة شام ليست منفصلة عن قصة والدتها؛ فنائلة نفسها تعرضت للقصف والإصابة مرات عدة منذ بداية الحرب، وفي كل مرة كانت تحاول النجاة والبدء من جديد.

نائلة التى تنحدر من حي الشجاعية، اضطرت مع بداية الحرب إلى النزوح نحو جنوب قطاع غزة، وصلت إلى دير البلح، وأقامت هناك نحو شهرين، قبل أن تجد نفسها مجددًا أمام رحلة نزوح جديدة.

وخلال أحد الاستهدافات في دير البلح، أصيبت نائلة، فيما استشهد شقيقان لها، كما أصيبت بكسور في ساقيها وظهرها، واضطرت إلى البقاء لنحو ستة أشهر قبل أن تتمكن من المشي مجددًا.

5f76f9ec-e509-4c90-aba7-f2fb0af54340 (1).jfif
 

لم تكن الإصابة الأولى

في بداية الحرب، تعرضت نائلة لإصابة في حي التفاح، بعدما استهدف الاحتلال منزلًا مجاورًا للمكان الذي كانت تنزح فيه، وبعد ذلك نزحت إلى حي الزيتون، حيث تعرضت لإصابة أخرى إثر استهداف مبنى بجوار منزل عائلتها.

ثم جاءت إصابة دير البلح، التي فقدت خلالها شقيقين لها، لتضيف إلى جسدها جراحًا جديدة وإلى حياتها فقدًا آخر.

لاحقًا، عادت نائلة إلى الشجاعية خلال الهدنة الأولى، قبل أن تضطر إلى النزوح مجددًا بعد إصدار أوامر بإخلاء مناطق، انتقلت عقبها إلى الزيتون، ثم إلى الرمال، حيث مكثت أربعة أيام في الشارع، قبل أن تجد مكانًا مع عائلتها ظنت أنه سيكون آمنًا.

ec0c81c6-e4e0-40c8-ab79-7b09fd43879b.jfif
 

لكن بعد نحو عشرة أيام، تعرضت الخيمة المجاورة لهم للقصف، وهذه المرة كانت الخسارة أكبر؛ استشهدت والدتها، وأصيب أحد أشقائها ووالدها، كما أصيبت نائلة وابنتها شام، ليكون ذلك الاستهداف الأقسى في حياتها.

دخلت شظية إلى رئتي نائلة، وتسببت لها بنزيف حاد، وأدخلتها في غيبوبة استمرت أسبوعين ونصف الأسبوع، وعندما فتحت عينيها، لم تكن أمامها معركة التعافي من الإصابة فقط، بل كانت أمام واقع جديد بالكامل؛ فقد أصيبت بشلل نصفي، وفي الوقت نفسه علمت أن والدتها استشهدت.

تقول نائلة لـ"مراسلنا"، وهي تذرف الدموع:" الصدمة الكبيرة كانت إني معي شلل نصفي وأمي استشهدت بنفس الوقت"، ولم تتوقف آثار الإصابة عند الشلل النصفي، إذ بقيت شظية في يدها أصابت المفصل وأثرت في حركته، لتجد نفسها مضطرة إلى التعايش مع آثار إصاباتها ومضاعفاتها.

fbe14e68-2f84-4c22-af32-53dc3e976389.jfif
 

تحلم بالمشي

نائلة، ابنة الرابعة والعشرين من عمرها، تجد نفسها اليوم أمام حياة مختلفة تمامًا عما كانت تعرفه قبل الحرب، حياة لم تعد فيها قادرة على الحركة كما كانت، وأصبحت إصابتها عائقًا أمام قيامها بواجباتها اليومية ورعاية زوجها وابنتها كما كانت تفعل من قبل.

وبين الألم والانتظار، يبقى حلمها الوحيد أن تتلقى العلاج وتستعيد قدرتها على الحركة، لتعود إلى حياتها التي توقفت منذ لحظة القصف، قائلة: "نفسي أرجع أمشي وأتعالج.. نفسي أرجع لحياتي الطبيعية".

أما شام، فتواصل طفولتها وسط آثار لا تشبه عمرها؛ طفلة نجت من خمس إصابات، لكنها لم تنجُ من آثارها النفسية. وفي كل مرة تستيقظ فيها ليلًا وهي تصرخ وتبكي، تعود الحرب إلى داخل الخيمة من جديد.

كلمات دلالية