كاتس يوجّه بنقل صلاحيات "الجيش" في الضفة للشرطة.. الضمّ وله فيه مآرب أخرى

الساعة 09:06 ص|16 أغسطس 2026

فلسطين اليوم | محمد هلسة

أثار بيان وزير حرب الاحتلال "يسرائيل كاتس" الذي أعلن فيه أنه وجّه "الجيش" الإسرائيلي إلى "إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المدنية في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، بينما يتولّى "الجيش" ما يسمّيه محاربة "الإرهاب الفلسطيني" وحماية المستوطنات والحدود"، أثار جدلاً في الداخل الإسرائيلي بين مؤيّد ومعارض، كما قُرئ في أوساط فلسطينية وعربية كثيرة، باعتباره خُطوة أخرى إضافية على طريق ضمّ أراضي الضفة الغربية إلى "إسرائيل". 

ولا شكّ بأنّ ظاهر هذه الخطوة، كما مضمونها، في حال نُفّذت، يخدم رغبة المستوطنين بتسريع الخطى نحو ضمّ الضفة الغربية، كما أنها تأتي مُنسجمة مع الانقلاب الذي يقوده بتسلئيل سموتريتش منذ عام 2023، بنقله صلاحيات كثيرة تتعلّق بالاستيطان والسيطرة على الأرض الفلسطينينة من المؤسسة العسكرية إلى أجهزة مدنية إسرائيلية في مجالات المُلكية والتخطيط والبناء والأراضي والبنية التحتية. 

فمنذ أن أصبحت الإدارة المدنية تحت سلطة الوزير سموتريتش، بات تطبيق القانون على البؤر الاستيطانية، في معظمه، في أيدي جهات مدنية. وما يطرحه كاتس في هذه الخطوة الآن هو إضافة إنفاذ القانون إلى هذا المسار، حيث تتولّى الشرطة إدارة المجتمع الاستيطاني، بينما يحتفظ "الجيش" بالوظيفة الأمنية تجاه الفلسطينيين.

ومن هنا تأتي إشادة "يسرائيل غانتس"، رئيس مجلس بنيامين ورئيس مجلس "يشع" للمستوطنات، بمبادرة الوزير كاتس، معتبراً أنها قرار مهم "فلقد حان الوقت لأن تُدار الحياة المدنية في بنيامين ويهودا والسامرة كما تُدار في أيّ مكان آخر في دولة إسرائيل"، مضيفاً بأنّ "هذه خطوة إضافية على طريق تصحيح واقع مستمر منذ عشرات السنين. والآن يجب استكمال هذه الخطوة، وإلغاء اتفاقيات أوسلو وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على بنيامين ويهودا والسامرة، لقد حان الوقت للانتقال من الإدارة المؤقتة إلى التطبيق الكامل للقانون الإسرائيلي".

وبالعودة إلى بيان الوزير كاتس، فإنّ الإعلان لا يتحدّث عن نقل إدارة الضفة كلّها إلى الشرطة الإسرائيلية، ولا عن إلغاء الإدارة المدنيّة أو تغيير جميع ترتيبات الحكم القائمة، بل يتعلّق بجانب محدّد من الصلاحيات، هو إنفاذ القانون في القضايا المدنية، وخصوصاً التعامل مع المستوطنين والنظام العامّ، مع إبقاء "الجيش" مسؤولاً بصورة أساسية عن الملف الأمني الفلسطيني. فهل هناك اعتبارات أخرى تقف خلف هذا البيان..!

في الواقع يبدو للمتابع، أنّ أراضي الفلسطينيين وبلداتهم وقُراهم في الضفة الغربية، إضافة إلى كونها الساحة الرئيسية لحسم الصراع مع الفلسطينيين نحو السيطرة والاستيطان والتهجير، تتحوّل، مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، إلى ساحة للمزايدات السياسية والاستعراضات الدعائية الانتخابية، بل ولتصفية الحسابات بين هذا الطرف أو ذاك..!

ومن هنا، يجب النظر إلى الاعتبارات الأخرى الخفية في بيان كاتس، والتي تشير إلى أنّ خطوة الوزير هي أيضاً محاولة أخرى منه لإضعاف اللواء "آفي بلوط" قائد المنطقة الوسطى في "الجيش" الإسرائيلي والمساس بصلاحياته، خاصة على خلفيّة التوتر القائم بين الرجلين، حيث أقدم كاتس على الإعلان عن إقالته قبل أيام على الهواء مباشرة، مما أثار عاصفة من الانتقادات الداخلية. 

والمعلوم أنّ معظم صلاحيات إنفاذ القانون تجاه المستوطنين في الضفة الغربية هي من اختصاص شرطة "إسرائيل"، وليس "الجيش" الإسرائيلي. وعملياً، لا تدخل شرطة "إسرائيل" إلى المنطقتين A  وB، ولذلك عندما يخالف مستوطنون إسرائيليون القانون في هاتين المنطقتين، كالاعتداء على القرى الفلسطينية، فإنّ الشرطة الإسرائيلية لا تدخل لاعتقالهم، بل يقوم "الجيش" بذلك. 

ثمّ إنّ عمليات إخلاء البؤر الاستيطانية التي بقيت ضمن صلاحيات قائد المنطقة الوسطى هي: إخلاء البؤر الموجودة في المنطقتين B وA، وحالات الاستيلاء الحديثة على أراضي الفلسطينيين، أو البؤر العنيفة التي يتطلّب إخلاؤها اعتبارات أمنية. ويبدو أنّ كاتس يريد انتزاع هذه الصلاحية من قائد المنطقة "بلوط"، وإيجاد وضع لا يستطيع فيه "الجيش" إخلاء أيّ بؤرة استيطانية، حتى في الحالات الأمنية الاستثنائية والضرورية. 

زد على ذلك، أنّ إحدى الأدوات القليلة التي لا تزال متاحة لـ "الجيش" الإسرائيلي اليوم في التعامل مع المستوطنين في الضفة الغربية هي إصدار "الأوامر الإدارية"، أي أوامر التقييد التي يصدرها قائد المنطقة الوسطى، مثل الإقامة الجبرية والإبعاد عن الضفة الغربية والاعتقال الإداري. صحيح أنّ الوزير كاتس لم يذكر ذلك صراحة في بيانه، لكنه يحاول منذ فترة الضغط على قائد المنطقة "آفي بلوط" لوقف استخدام هذه الأوامر، وهو أمر لا يدخل ضمن صلاحيات الوزير. 

وبيان كاتس بالأمس، هو محاولة التفاف لوقف الأوامر الإدارية، تحت عنوان "نقل صلاحيات إنفاذ القانون"، حيث يسعى كاتس عملياً، إلى سلب قائد المنطقة وجهاز الشاباك صلاحية الاستناد إلى المعلومات الاستخباراتية لفرض الإقامة الجبرية على المستوطنين وإبعادهم عن الضفة الغربية، وهي تقريباً الأداة الوحيدة التي بقيت بأيديهم في مواجهة الإرهاب اليهودي.

يدّعي البعض كذلك، بأنّ أحد اعتبارات كاتس في إصدار هذا التوجيه، هو أنّ "الجيش" الإسرائيلي لا يملك ما يكفي من القوى البشرية لتنفيذ جميع المهام الملقاة على عاتقه في الضفة الغربية تحديداً، في ظلّ الإعفاء الواسع من التجنيد الممنوح للحريديم. ومع ذلك، لا يبدو أنّ الشرطة الإسرائيلية تمتلك هي الأخرى هذه القوى البشرية، وهي غالباً ما تعتمد أمنياً على "الجيش" الإسرائيلي في كلّ ما يتعلّق بالدخول إلى المنطقتين الفلسطينيتين A وB، حيث تُقام البؤر الاستيطانية. 

وهذا يقودنا مباشرة، إلى الاتهامات المتبادلة بين "الجيش" والشرطة الإسرائيلية حول سبب "الإخفاق" في التعامل مع الإرهاب اليهودي، وتحديداً وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المسؤول عن الشرطة، الذي لطاما ادّعى، أنّ مسؤولية التعامل مع أعمال العنف في الضفة تقع على عاتق "الجيش" الإسرائيلي. 

والمرجّح أنّ خطوة كاتس هذه، تأتي في أعقاب الأحداث الأخيرة التي ألحقت ضرراً بصورة "الجيش"، في ظلّ ضغط متزايد عليه وانتقادات لطريقة تعامله المتساهلة بل والمتواطئة مع اعتداءات المستوطنين، كما ظهر في أحداث قرية قُصرة وغيرها. وهي، من طرف كاتس، خطوة تهدف في نهاية المطاف إلى تحويل الانتقادات، بشأن هذه القضية من "الجيش" إلى الشرطة. وكأنّ كاتس يريد أن يلقي بهذه الكرة المشتعلة بين قدمي بن غفير؛ فإن تساهل مع المستوطنين وغضّ الطرف عنهم، وهو المتوقّع، فإنه سيتحمّل الانتقادات وليس "الجيش"، وإن حاول منع المستوطنين ودخل معهم في صدام فإنه سيفقد دعمهم خاصة قُبيل الانتخابات الإسرائيلية، ومن المشكوك فيه أن يوافق بن غفير على نقل الصلاحيات إلى الشرطة في هذا التوقيت.

ومن هنا، فإنّ الأرجح أنّ بيان الوزير كاتس، ما هو إلا، أولاً؛ مناورة سياسية إعلامية يراد منها ألا يقوم أحدٌ، بما فيهم "الجيش"، باعتقال المستوطنين الإسرائيليين الذين ينفّذون اعتداءات في الأراضي الفلسطينية؛ لأنّ الشرطة الاسرائيلية عملياً لا تستطيع الدخول إلى المنطقتين A وB، وبأنه ثانياً؛ لن يُنفَّذ، لأنه أولاً يتعارض مع القانون الإسرائيلي والقانون الدولي، وكذلك، والأهمّ، مع المصالح الواضحة لبن غفير قُبيل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية؛ لكنه بالتأكيد يبعث برسالة واضحة إلى جنود "جيش" الاحتلال وقادته في الميدان: لا تتحرّكوا ضدّ الإرهاب اليهودي وفتية التلال، والقادة الذين سيتحرّكون ضدّهم سيتضرّرون. 

كلمات دلالية