كما كانت معظم دول أميركا اللاتينية ملجأً لعشرات وربما مئات آلاف العرب المشرقيين - أي من سوريا ولبنان وفلسطين - الذين هربوا من بطش الدولة العثمانية أو من الفقر الذي حدق بجميع دول المنطقة التي كانت تحت الحكم العثماني وخاصة في أواخره؛ فقد هاجر الكثير من اليهود الصهاينة من أوروبا إلى العديد من دول القارة الجديدة، وفق تعليمات المنظمات الصهيونية التي تحالفت مع الإمبريالية الأميركية، وربما لمواجهة احتمالات المد العربي هناك.
وقطفت الصهيونية العالمية ثمار هذا التغلغل السري منه والعلني خلال عملية التصويت على قرار التقسيم في الأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، حيث أيدت كل من: البرازيل، بوليفيا، كوستاريكا، الإكوادور، غواتيمالا، هايتي، نيكاراغوا، بنما، باراغواي، بيرو، أوروغواي، وفنزويلا (أي 12 دولة من أصل 33 دولة أيدت القرار الذي اعترضت عليه 13 دولة، وامتنعت 10 دول عن التصويت).
وساعد التأثير الأميركي في جميع دول القارة الجديدة الكيان الصهيوني لاحقاً لتوسيع دائرة علاقاته السرية والعلنية مع حكومات هذه الدول وقواها المؤثرة، خاصة في مجال الاقتصاد والمال والإعلام الذي لعب دوراً مهماً للدعاية للفكر الصهيوني وسياسات "الدولة" العبرية. ومع التأثير الواضح لنضال الشعب الفلسطيني الثوري والفكر العربي القومي التقدمي الذي تبنّاه الزعيم الراحل عبد الناصر - خاصة بعد انطلاق حركة عدم الانحياز مع تيتو ونهرو ونيكروما ولومومبا - بدأت العديد من شعوب ودول القارة الجديدة بقيادة كاسترو وجيفارا تتضامن مع القضايا العربية والإسلامية المعادية للإمبريالية والصهيونية العالمية، وخاصة بعد الثورة الإسلامية في إيران التي انفتحت على دول أميركا اللاتينية.
وأغضب ذلك واشنطن وحليفتها "تل أبيب" التي راحت تتآمر على كل نَفَسٍ ثوري في القارة المذكورة من خلال الثورات المضادة والانقلابات العسكرية، كما هو الحال في تشيلي عندما أطاح الجنرالات الفاشيون بالرئيس الشيوعي المنتخب سلفادور أليندي في أيلول/سبتمبر 1973 وقتلوه؛ لأنه أراد أن يحد من التأثير الصهيو-أميركي في بلاده ودول أميركا اللاتينية. وشهدت القارة الجديدة بعد ذلك التاريخ سلسلة من حالات المد والجزر مع التأثير المباشر والفعال لواشنطن و"تل أبيب" في العديد من دولها، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانشغال روسيا بمشاكلها الداخلية؛ من دون أن يمنع كل ذلك معظم شعوب أميركا اللاتينية من البحث عن مخرج لأزماتها المستعصية، وأهمها الفقر المدقع وتأثير عصابات المافيا ذات العلاقة الخفية بأجهزة المخابرات العالمية وأهمها "السي آي أيه" والموساد.
فشهدت العديد من دول القارة الجديدة تحولات سياسية أوصلت الأحزاب اليسارية بمختلف تياراتها المتطرفة والمعتدلة إلى الحكم في جميع هذه الدول باستثناء واحدة أو اثنتين منها. فجن جنون التحالف الصهيو-أميركي، خاصة بعد أن بدأت الحكومات اليسارية الجديدة تضامنها مع القضية الفلسطينية وسعت لتطوير علاقاتها مع إيران، التي سبق لها أن أقامت علاقات استراتيجية مع كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا التي كان اليسار يحكمها منذ شباط/فبراير 1999.
فاستنفر الكيان الصهيوني كل إمكانياته في جميع دول أميركا اللاتينية لخلق المشاكل لحكومات اليسار، بعد أن فشلت هذه الحكومات في معالجة مشاكل الجماهير الكادحة التي أوصلتها إلى السلطة. وكان لذلك العديد من الأسباب، ومنها الجهل السياسي والاجتماعي بقضايا الجماهير، وتكالب القوى الداخلية الحليفة لواشنطن و"تل أبيب" والتي كانت تسيطر على قطاعات واسعة في الاقتصاد والتجارة والمال والإعلام.
وجاء انتصار اليميني المتطرف خافيير ميلي في الأرجنتين على مرشح اليسار القوي في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 كنتاج لهذا التكالب الصهيو-أميركي، خاصة وأن ميلي كان صهيونياً أكثر من الصهاينة وإمبريالياً أكثر من صديقه الحميم ترامب. ومع التذكير بنجاح الموساد عام 1960 في اختطاف الضابط النازي أدولف آيخمان من الأرجنتين ونقله إلى "تل أبيب" وإعدامه بحجة مسؤوليته عن المجازر التي استهدفت اليهود في ألمانيا، فقد أثبتت المعطيات أن انتصار ميلي في الأرجنتين كان مهماً جداً وتحقق بدعم الإعلام والمال الصهيوني؛ ليكون ذلك بداية لسلسلة من الانتكاسات التي تعرضت لها حكومات اليسار في معظم دول أميركا اللاتينية.
ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 فاز رودريجو باز مرشح اليمين الوسط منهياً عقدين من حكم اليسار في بوليفيا. وفي حزيران/يونيو 2026 أصبحت كيكو فوجيموري - ابنة الرئيس الأسبق للبلاد والمتهم بقضايا فساد خطيرة - رئيسة للبيرو، بعد أن تقدمت على منافسها اليساري روبرتو سانشيز بنحو خمسين ألفاً من الأصوات. وفي كولومبيا - حيث أعلن الرئيس ترامب تأييده العلني له - فاز مرشح اليمين المتطرف أبيلاردو دي أسبيريلا على مرشح اليسار إيفان سيبيدا وبفارق لا يتجاوز واحد في المئة في انتخابات كولومبيا (البلد المجاور لفنزويلا) والتي جرت في يونيو 2026.
وفي أكتوبر 2025، عندما توقع الجميع لحزب الرئيس ميلي أن يُهزم في الانتخابات التشريعية النصفية، قال الرئيس ترامب إنه: «في حال هزيمته فإن أميركا ستجمد مساعدتها للأرجنتين وهي بقيمة 20 مليار دولار»، ليكون ذلك كافياً لفوز الحزب. وفي تشيلي فاز مرشح أقصى اليمين خوسيه أنطونيو كاست، المعجب بالديكتاتور بينوشيه، بعد أن حصد 58% من أصوات الناخبين في الانتخابات التي جرت في 15 ديسمبر/كانون الأول العام الماضي، حيث صوّت 42% من الناخبين لمرشح اليسار الذي فشل طيلة العقدين الماضيين في معالجة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي سببها رجال الأعمال الموالون لواشنطن و"تل أبيب"، كما هو الحال في باقي دول القارة.
وفي هندوراس فاز نصري عصفورة، وهو مرشح اليمين الوسط وفلسطيني الأصل والمدعوم من الرئيس ترامب، بالانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 وشابها الكثير من عمليات التزوير وفق ادعاءات المرشح الآخر سلفادور نصر الله، وهو أيضاً فلسطيني الأصل. وفي الإكوادور فاز الرئيس اليميني المنتهية ولايته دانيال نوبوا على منافسته اليسارية لويزا غونزاليس، بعد أن حصد 56% من أصوات الناخبين في الانتخابات التي جرت في نيسان/أبريل 2025.
وأما العدوان الأميركي على فنزويلا في يناير/كانون الثاني 2026 واختطاف الرئيس مادورو وزوجته من غرفة نومهما، فهو الحدث الأهم في مسلسل التدخلات الإمبريالية والصهيونية المباشرة وغير المباشرة، والسرية منها والعلنية، في دول أميركا اللاتينية. وأثبتت تطوراتها الأخيرة تغلغل المخابرات الأميركية والإسرائيلية في هذه الدول، وكما هو الحال في فنزويلا التي قد تتحول قريباً من قلعة لليسار العالمي إلى حليف محتمل لواشنطن و"تل أبيب"، بعد أن أصبحت «المناضلة الثورية» ديلسي رودريغيز رئيسة للبلاد خلفاً لمادورو الذي تخلى عنه جنرالات الرئيس الأسطوري تشافيز، كما تخلوا عن عقيدتهم البوليفارية الأصيلة استعداداً للانتخابات التي ستجري العام القادم بناءً على طلب ترامب.
وفي جميع الحالات ومع انتظار هذه الانتخابات، يستنفر الرئيس ترامب ومعه الكيان العبري وبكل أعوانهم وعملائهم في أميركا اللاتينية كل إمكانياتهم لإسقاط حكومات اليسار المتبقية في المكسيك والبرازيل والأوروغواي ونيكاراغوا وكوبا التي تتعرض لعقوبات أميركية صارمة، بعيداً عن اهتمام العالم بكل ذلك.
في الوقت الذي يزداد فيه تقارب الرؤساء اليمينيين الجدد في معظم دول أميركا اللاتينية مع الكيان الصهيوني، الذي حقق انتصاره الأول في هذه الدول عبر الرئيس الأرجنتيني ميلي، ولحق به الرئيس السلفادوري نجيب أبو كيلة ذو الأصل الفلسطيني والمتحالف مع الصهاينة، والذي فاز للمرة الثانية في انتخابات شباط/فبراير 2024 بعد أن نجح في مساعيه المدعومة من واشنطن للحد من نشاط عصابات المافيا الخطيرة في البلاد.
وجاء اعتراف الرئيس الكولومبي الجديد الأسبوع الماضي بالجولان كجزء من "الدولة" العبرية ليثبت مدى سيطرة الصهاينة بالتنسيق والتعاون مع الصهيوني ترامب على مفاصل القرار في معظم دول أميركا اللاتينية التي سيطر عليها اليمين خلال العامين الأخيرين فقط.
في الوقت الذي فشلت فيه الجاليات العربية في تحقيق أي انتصار يذكر في التأثير على قرارات هذه الدول باستثناء القليل منها عندما كان اليسار يحكمها. كما لم يثبت هؤلاء العرب - باختلاف انتماءاتهم الوطنية وطيلة السنوات الماضية - أي موقف تضامني مع قضايا دولهم والقضايا العربية المشتركة، وفي مقدمتها فلسطين.
فقد أصبح اللبناني خوليو طربية رئيساً لكولومبيا عام 1978، والسوري كارلوس منعم رئيساً للأرجنتين عام 1989، واللبناني المتواطئ مع واشنطن ميشال تامر رئيساً للبرازيل عام 2016 (بعد عزل الرئيسة اليسارية ديلما روسيف)، والفلسطيني إلياس سقا غونزاليس رئيساً للسلفادور عام 2004 (بعد أن هزم منافسه الفلسطيني اليساري شفيق حنضل)، والفلسطيني كارلوس فلوريس رئيساً لهندوراس عام 1998. وفي بوليفيا جاء العسكر بالفلسطيني الأصل خوان ديريدا حزبون إلى الرئاسة عام 1978 بانتخابات مزورة ليبقى فيها ثلاثة أشهر فقط، وإلى أن أطاح العسكر به من جديد.
وأصبح خايمي رولدوس أغيليرا اللبناني الأصل رئيساً للإكوادور عام 1979، كما أصبح الفلسطيني عبد الله بو كرم رئيساً للدولة نفسها في انتخابات 1996، وجاء بعده اللبناني جميل معوض في انتخابات 1998، ومن قبلهم جميعاً وفي عام 1944 أصبح اللبناني خوليو ثيودور سالم رئيساً للبلاد لمدة ثلاثة أيام فقط. كما أصبح اللبناني ماريو عبدو بينيتيز رئيساً لباراغواي عام 2018، وقبله بأربعين عاماً (أي عام 1982) تم انتخاب اللبناني جاكوب آزار رئيساً في الدومينيكان ولكن لمدة 42 يوماً.
ومع الإشارة إلى أن الغالبية الساحقة من هؤلاء الرؤساء ذوي الأصول العربية لم يتخذوا أي موقف عملي ومشرف للتضامن مع القضايا العربية وأهمها فلسطين، لابد لنا أن نتذكر بأنه ليس هناك أي يهودي أصبح رئيساً في دول أميركا اللاتينية، إلا أن معظم رؤساء هذه الدول - بمن فيهم ذوو الأصول العربية - تضامنوا دائماً مع الكيان العبري الذي نجح في إقامة شبكة من العلاقات السرية والعلنية مع قطاعات واسعة من الأوساط المؤثرة في هذه الدول الاستراتيجية والغنية جداً بمواردها الطبيعية.
وتجاهلت معظمها القضايا العربية وأهمها الفلسطينية، والسبب الرئيسي في ذلك هو خيبة الأمل التي أصابت الأوساط الحاكمة بعد ما رأته من تواطؤ معظم الحكام العرب مع واشنطن وحليفتها الكيان العبري. وتحوَّل إلى عنصر مهم ومؤثر جداً في مجمل تطورات أميركا اللاتينية، ليس فقط لسد الطريق على أي تضامن مع القضايا العربية، بل أيضاً لمواجهة التأثير الإيراني هناك لأنه الأهم بالنسبة إلى الكيان المذكور وحساباته ومخططاته الاستراتيجية.
ويعرف الجميع أنه قد استنفر أيضاً كل إمكانياته المالية والسياسية والاستخبارية والتكنولوجية لمواجهة إيران ليس فقط في أميركا اللاتينية، بل في جميع أنحاء العالم، حيث وصل الصوت الإيراني المشرف بعد صموده الأسطوري في وجه التحالف الصهيو-أميركي، والذي استغل بدوره ويستغل جهل وغباء العديد من الحكام العرب والمسلمين ليحقق من خلالهم ما يسعى إليه في كل مكان، بغياب الاهتمام والحس العربي والإسلامي الشريف والمخلص لقضايا الأمة والمستعد دائماً للدفاع عنها والتضحية من أجلها.