ترامب يعترف.. كيف هزّت حرب غزة نفوذ "إسرائيل" في واشنطن؟

الساعة 09:22 ص|13 أغسطس 2026

فلسطين اليوم | شرحبيل الغريب

تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديثة لـ(ريل أميركا فويس)، والتي قال فيها إنّ أكبر تغيير رأيته خلال ربع قرن هو ما حدث لـ "إسرائيل"، فقد كان لديها أقوى لوبي في واشنطن، لم تكن الأولى في هذا السياق، إذ سبقت ذلك تصريحات قال فيها إنّ "إسرائيل" كانت قبل نحو 20 عاماً صاحبة أقوى لوبي في الكونغرس، وإنّ نفوذها لم يعد بالقوة نفسها.

الأهمّ في التطوّر الحقيقي ليس التصريح نفسه، مع أهميته، بل السياق الذي أصبحت تقال فيه هذه المواقف العلنية بعد قرابة ثلاث سنوات من الحرب على قطاع غزة، في إشارة واضحة وصريحة إلى تحوّل واضح في الرأي العامّ الأميركي والغربي، وتراجع في الصورة والمكانة الدولية لـ "إسرائيل"، ووصول النقاش حول نفوذ اللوبي الإسرائيلي إلى قلب السياسة الأميركية.

وهذا بحدّ ذاته يعكس بداية تحوّل بنيوي، وهذا ما أثبتته نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز (بيو)، وهو مركز أبحاث واستطلاعات للرأي مستقلّ وغير حزبي في أميركا، والذي كشف في آخر استطلاع رأي له للعام الجاري أنّ النظرة إلى "إسرائيل" سلبية لدى 67% في 36 دولة، مقابل 25% إيجابية، وفي الولايات المتحدة الأميركية نفسها تتزايد النظرة السلبية إلى "إسرائيل"، خصوصاً بين فئة الشباب.

هذه الانعكاسات تدلل على تآكل القدرة على صناعة الإجماع السياسي الذي كان يجعل هذا النفوذ وكأنه غير قابل للمنافسة والنقاش. والأهمّ أنّ الرئيس ترامب نفسه استخدم في تصريحه تعبيراً بالغ الدلالة حين قال: "كانت إسرائيل تملك أقوى لوبي، وكانت تملك نفوذاً هائلاً في الكونغرس، أما الآن فلم تعد تملك السيطرة نفسها". 

لهذا تكتسب تصريحات الرئيس ترامب أهمية استثنائية عندما يقول: كانت تمتلك قبل نحو عقدين أقوى لوبي رآه الكونغرس، وإنّ نفوذها لم يعد بالقوة نفسها اليوم، وهذه التصريحات تمثّل إعلاناً صريحاً لما كانت تخشاه "إسرائيل" دوماً باعتباره الخطر الأعمق والأبعد مدى، ويلامس صورة "إسرائيل" داخل العالم وفي قدرتها على ضمان الإجماع السياسي الذي حماها لعقود طويلة.

قراءة انعكاسات هذه التصريحات مهمة جداً، فالرئيس ترامب لا يتحدّث عن تراجع نفوذ حزب داخل أميركا، بل عن بداية تآكل ومؤشّرات اهتزاز واحدة من أكثر ركائز العلاقات الأميركية الإسرائيلية ثباتاً، والقدرة على تحويل الدعم لـ "إسرائيل" من خيار سياسي قابل للنقاش إلى ما كان سابقاً ثابتةً من الثوابت داخل الكونغرس، لا يقترب منه أحد إلا بحذر شديد.

ثمّة سؤال مهم يطرح نفسه ما الذي جرى ليحدث كلّ هذا التغيير؟ الذي جرى هو ارتدادات حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي قامت بها "إسرائيل" في قطاع غزة، وهنا يُسجّل لغزة أنها كسرت حاجز الصمت في أميركا وفي العالم الغربي أجمع.

على مدار عقود كانت "إسرائيل" تتمتع بعناصر قوة ودعم أميركي رسمي واسع، وشبكة ضغط سياسية مؤثّرة في الكونغرس الأميركي، وعلاقات قوية مع مرتكز القرار فيه، لكنّ حرب غزة أحدثت اهتزازاً واضحاً، ولم تعد الرواية الإسرائيلية تصل إلى الجمهور الغربي من خلال حكومات ومؤسسات تمارس فيها دور حارس البوابة، تخفي ما تشاء وتنشر ما تشاء. 

وبهذا تشكّلت حالة وعي كبيرة داخل أميركا وخارجها، جعلت "إسرائيل" تخوض معركة على صورتها وشرعيتها الأخلاقية والسياسية في العالم، وهي معركة أصعب بكثير من أي معركة عسكرية يمكن بها أن تمارس القوة العسكرية المفرطة، خاصة أنّ "إسرائيل" كانت تقدّم نفسها طيلة سنوات طويلة على أنها "دولة" ديمقراطية وتمارس في الوقت ذاته دور الضحية، لكنّ غزة قلبت المعادلة تماماً.

بلغة الأرقام التي أفرزتها نتائج استطلاع الرأي الصادرة عن مركز بيو الأميركي، لا بدّ من التوقّف عند نقطة جوهرية، تكشف فيها عن تراجع شعبية "إسرائيل" بشكل واضح، والفارق الأساسي في هذا الموضوع أنّ "إسرائيل" كانت تمتلك تاريخياً المصالح الاستراتيجية المشتركة ومعها الغطاء الشعبي والسياسي، وحال التغيّر الآن يتركّز في أنّ هناك فجوة بدأت تتغيّر وتتسع، بمعنى أنّ الرئيس ترامب يجزم مسألة مهمة، أنّ حال الاحتكار في القرار انتهى، وهذه نقطة أكثر أهمية من العبارة نفسها، وهذا بحدّ ذاته بداية تحوّل تاريخي.

في السابق كان السياسي الأميركي يستطيع أن يدعم "إسرائيل" من دون أن يخشى كثيراً من أن يتحوّل ذلك إلى عبء سياسي داخل حزبه، أما اليوم فقد أصبحت هناك أصوات من اليمين إلى اليسار، ومن الشباب والجامعات وقطاعات أخرى متزايدة من الحزب الديمقراطي، وحتى التيار المحافظ في أميركا، يطرحون سؤالاً مختلفاً، هذا السؤال هو بداية التحوّل الحقيقي.

هل يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدّة دائماً لدفع الكلفة السياسية والمالية والعسكرية لأيّ خيار تتخذه "إسرائيل"؟ وهذا السؤال تحديداً بمجرّد أن يصبح مشروعاً سياسياً، يعني أنّ المفاهيم القديمة بدأت تتغيّر وتتآكل.

المفارقة في حرب غزة أنّ "إسرائيل" استطاعت إلحاق دمار هائل في قطاع غزة، لكنّ هناك قاعدة مهمة في السياسة تقول إنّ نتائج الحروب لا تقاس بالخسائر وإنما بالنتائج، وهنا القوة العسكرية التي استخدمتها "إسرائيل" لم توصلها إلى النتيجة السياسية التي كانت تريدها، بل حدث العكس، فقد اتسعت دائرة الدول التي تنتقد "إسرائيل"، وتراجعت صورتها وشرعيّتها في استطلاعات الرأي الدولية، وتحوّلت قضية فلسطين من ملف إقليمي ثانوي إلى قضية حاضرة بقوة في كلّ المحافل الدولية.

حتى داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها، أصبح الخلاف حول "إسرائيل" جزءاً من الصراع الداخلي على هوية الحزبين ومستقبل السياسة الخارجية الأميركية، وقد وصفت تصريحات أميركية حديثة التحوّل الحاصل بأنه تراجع في الإجماع السياسي حول "إسرائيل"، بمعنى أدقّ أنّ "إسرائيل" بدأت فعلياً دفع ثمن سياسي واستراتيجي بسبب حربها على غزة قد يستمر لعقود طويلة.

فعلياً بدأت الأوساط السياسية في أميركا تتحدّث بالعلن عن الخطر طويل المدى لهذا الموضوع، وتقول بملء الفم/ ماذا سيحدث خلال الفترة المقبلة من جيل الشباب الذي بات واعياً لحقيقة ما جرى في غزة من حرب إبادة عندما يصبح صانع قرار؟ وهذه مسألة غاية في الأهمية لدى الأوساط والأحزاب الأميركية، بمعنى أعمق أنّ السياسة الخارجية الأميركية تتغيّر عندما تتغيّر القاعدة الاجتماعية التي تنتخب السياسيين، وهذا يجعل التحوّل الحالي أخطر من مجرّد انخفاض شعبية نتنياهو.

واللافت هنا أنّ التحوّل لم يعد محصوراً في الولايات المتحدة الأميركية، فخلال سنوات الحرب الثلاث الماضية انتقلت عدة دول أوروبية من الدعم السياسي المطلق إلى انتقاد أكثر صراحة لـ "إسرائيل"، كما اتسعت دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية رداً على حرب الإبادة في غزة.

وهنا يجب ألّا ننسى أنّ هذا يعني بالمفهوم السياسي أنّ "إسرائيل" تواجه للمرة الأولى منذ عقود مشكلة على مستويين؛ المستوى الأول أزمة شرعية في الشارع الأوروبي والعالمي، والمستوى الثاني أزمة تبرير في السياسة، والفارق بينهما مهم، لأنّ الحكومات الغربية باتت لا تستطيع تجاهل الرأي العامّ إلى الأبد.

ثمّة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق/ ماذا يعني كلّ هذا لـ "إسرائيل"؟

وفق قراءتي التحليلية، إذا استمرّ هذا المسار فقد تدخل "إسرائيل" مرحلة جديدة في علاقاتها بالولايات المتحدة والغرب، وقد يقول قائل إنّه رغم كلّ هذا التحوّل لن تصل إلى مرحلة القطيعة، بالتأكيد لا، بل ربما تكون أخطر من القطيعة، وهي مرحلة الشروط وبداية تآكل النفوذ، أي أن يبقى التحالف ولكن يصبح الدعم السياسي والعسكري مرتبطاً بسلوك "إسرائيل"، وأن تبقى قضية المساعدات مشروطة بنقاش أكثر حول استخدامها، وبهذا تتحوّل "إسرائيل" من "دولة" تحظى بدعم تلقائي إلى "دولة" تحت العين والسؤال على الدوام.

وهنا يجب ألّا ننسى أيضاً أنّ الرئيس ترامب ليس سياسياً معادياً لـ "إسرائيل"، بل إنّ سجله السياسي يشمل خطوات بالغة الأهمية لصالح "إسرائيل"، كما أنه يتفاخر دوماً بأنه قدّم لها ما لم يقدّمه رئيس أميركي آخر.

وهنا السؤال الذي يطرحه ترامب ضمنياً إذا كانت "إسرائيل" لم تعد قادرة على فرض الإجماع داخل واشنطن، فما الذي تغيّر؟ الذي تغيّر هو أميركا نفسها، فالحرب بعد السابع من أكتوبر بدأت في غزة، لكنها تنتهي اليوم بتغيير في واشنطن، وقد بدأت فعلياً، فآثار الحرب على الوعي العالمي لن تنتهي بسهولة، ولقد أنتجت غزة تحوّلاً في طريقة رؤية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من عدة نوافذ، وطرحت أسئلة كانت مغلقة سابقاً، وأعادت تعريف مفاهيم كثيرة مثل الاحتلال الإسرائيلي والحصار وحقّ الشعب الفلسطيني في أرضه، ومفاهيم أخرى حول المسؤولية الدولية تجاه ما جرى فيها من جرائم إنسانية في قطاع غزة.

قد ينظر البعض إلى تصريح ترامب كتصريح عابر يمر في زحمة الأخبار والأحداث، لكن عند وضعه في سياق السنوات الثلاث الأخيرة من حرب غزة يصبح مختلفاً تماماً، فترامب يخبر العالم أنّ "إسرائيل" لم تعد تملك في واشنطن القدرة التي كانت تملكها ذات يوم على جعل موقفها السياسي أمراً شبه محسوم، وهذا لا يعني انهيار التحالف الأميركي الإسرائيلي، بل يقول بشكل واضح إنّ قواعد اللعبة بدأت تتغيّر.

وحين يقول الرئيس ترامب إنّ "إسرائيل" كانت صاحبة أقوى لوبي في واشنطن ثم لم تعد كذلك، فإنّ السؤال الحقيقي ليس هل فقدت "إسرائيل" نفوذها؟ بل هو هل بدأت واشنطن تدخل عصراً جديداً باتت "إسرائيل" فيه ليس حليفاً فوق المساءلة أمام الأحزاب في الكونغرس؟ أعتقد أنّ الإجابة بنعم كبيرة، لقد بدأت العلاقة بين "إسرائيل" والعالم تتغيّر، وأول مكان ظهر فيه هذا التغيّر هو واشنطن.