كيف يمهد تلوث الهواء للإصابة بسرطان الرئة؟

الساعة 08:58 ص|13 أغسطس 2026

فلسطين اليوم

كشفت دراسة حديثة عن تغيرات بيولوجية قابلة للقياس في دماء الأشخاص الذين يتعرضون لفترات طويلة لتلوث الهواء، وقد تظهر هذه التغيرات قبل سنوات من تشخيص إصابتهم بسرطان الرئة، في نتائج قد تفتح الباب أمام تطوير وسائل جديدة للكشف المبكر عن المرض والوقاية منه.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من الجمعية الأميركية للسرطان وجامعة إيموري ونشرت في مجلة Nature Communications، وجود تغيرات في جزيئات صغيرة تعرف باسم "المستقلبات" لدى أشخاص أصحاء تعرضوا لمستويات مرتفعة من تلوث الهواء.

وحلل الباحثون عينات دم لأكثر من 1357 شخصًا يتمتعون بصحة جيدة، بهدف معرفة الآثار البيولوجية التي يمكن أن يتركها التعرض طويل الأمد لتلوث الهواء على الجسم، قبل ظهور أي علامات واضحة على الإصابة بسرطان الرئة.

وارتبط التعرض لتلوث الهواء باضطرابات في عدد من العمليات الحيوية داخل الجسم، من بينها الالتهاب والإجهاد التأكسدي وإزالة السموم واستقلاب الطاقة، وهي عمليات ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان، ما يوفر أدلة جديدة حول الكيفية التي يمكن أن يؤثر بها تلوث الهواء في الجسم على المدى الطويل.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل معرفة أن تلوث الهواء يعد أحد العوامل البيئية المرتبطة بسرطان الرئة، رغم أن التدخين لا يزال عامل الخطر الأكبر للإصابة بهذا المرض. ويشير الباحثون إلى أن نسبة مهمة من حالات سرطان الرئة تظهر لدى أشخاص لم يسبق لهم التدخين، ما يعزز الحاجة إلى دراسة عوامل أخرى يمكن أن تسهم في الإصابة، ومن أبرزها تلوث الهواء.

وتشير الدراسة إلى أن التغيرات التي رصدها الباحثون في الدم قد تمثل نوعًا من «البصمة البيولوجية» المبكرة التي تعكس تأثير التعرض المزمن لتلوث الهواء على الجسم. وقد تساعد هذه البصمات مستقبلًا في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة، حتى قبل ظهور المرض أو تشخيصه بالوسائل التقليدية.

ويرى العلماء أن تطوير مؤشرات حيوية في الدم يمكن أن يشكل خطوة مهمة في مجال الكشف المبكر عن سرطان الرئة، إذ قد تتيح هذه المؤشرات التعرف على التغيرات المرتبطة بارتفاع خطر الإصابة في مراحل مبكرة، بما يدعم تطوير استراتيجيات أكثر دقة للفحص والوقاية.

وأوضحت الدكتورة يينغ وانغ، كبيرة العلماء في الجمعية الأميركية للسرطان والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن تلوث الهواء الخارجي مصنف مادة مسرطنة، مشيرة إلى أن العلاقة بين التعرض له وسرطان الرئة قد تكون أكثر وضوحًا لدى غير المدخنين في بعض الحالات.

وتشير هذه الملاحظة إلى احتمال وجود آليات بيولوجية معقدة تربط بين ملوثات الهواء وتطور سرطان الرئة، وهي آليات لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث لفهمها بصورة كاملة.

وأكد الباحثون أن نتائج الدراسة تمثل خطوة أولى نحو فهم ما يحدث داخل الجسم قبل سنوات من تشخيص سرطان الرئة، وليس دليلًا نهائيًا على إمكانية استخدام هذه التغيرات حاليًا للتنبؤ بالإصابة بالمرض لدى الأفراد.

ومع ذلك، فإن اكتشاف تغيرات مرتبطة بتلوث الهواء لدى أشخاص أصحاء يوفر أساسًا مهمًا لدراسات مستقبلية قد تبحث في إمكانية تحويل هذه المؤشرات إلى أدوات للكشف المبكر عن الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.

وتسلط الدراسة الضوء في الوقت ذاته على أهمية الحد من التعرض لتلوث الهواء، باعتباره عاملًا بيئيًا يمكن أن يؤثر في الصحة على المدى الطويل. كما تعزز الحاجة إلى إدراج العوامل البيئية ضمن الأبحاث المتعلقة بالوقاية من سرطان الرئة، إلى جانب التركيز المستمر على مكافحة التدخين.

وبحسب الباحثين، فإن فهم التغيرات التي تحدث في الجسم قبل ظهور سرطان الرئة قد يساعد مستقبلًا في تطوير استراتيجيات أكثر فاعلية للوقاية والكشف المبكر، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لا يملكون تاريخًا من التدخين ولا يتم تصنيفهم حاليًا ضمن الفئات الأكثر عرضة للفحص.

وتقدم الدراسة بذلك دليلًا جديدًا على أن تأثير تلوث الهواء قد لا يقتصر على الأضرار الصحية المباشرة، بل يمكن أن يترك تغيرات بيولوجية قابلة للرصد داخل الجسم قبل سنوات من ظهور سرطان الرئة، وهو ما قد يمثل مستقبلًا مدخلًا جديدًا لفهم المرض وتشخيصه والحد من مخاطره.

كلمات دلالية