تشهد الضفة الغربية المحتلة منذ بدء "طوفان الأقصى" والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تصاعدًا في وتيرة التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، بالتوازي مع إجراءات ميدانية ينفذها جيش الاحتلال، في مسار يتجاوز إقامة البؤر والمستوطنات إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية والتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
وتشير قراءة ميدانية للتحولات التي شهدتها الضفة، ولا سيما منذ بداية العام الجاري، إلى أن البؤر الاستيطانية والاعتداءات على الفلسطينيين والأراضي الزراعية وإغلاق الطرق والسيطرة على مصادر المياه، لا تبدو أحداثًا منفصلة، بل تتقاطع فيما بينها لتشكيل منظومة متكاملة توسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض وتقلص الحيز المتاح أمام الفلسطينيين.
ويقول الخبير في شؤون الاستيطان، رائد موقدي، إن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في انتقال النشاط الاستيطاني من التوسع داخل حدود المستوطنات القائمة إلى فرض واقع جديد في المناطق المحيطة بالتجمعات الفلسطينية، من خلال السيطرة التدريجية على الأراضي والمرتفعات والطرق والمصادر الطبيعية.
وتبرز قرى جنوب نابلس شمالي الضفة الغربية، خصوصًا "قصرة" و"قريوت" و"جالود" و"بيتا" و"دوما" و"اللبن الشرقية" و"بورين" و"مادما" و"عورتا" و"عقربا"، بوصفها من أكثر المناطق التي تتجلى فيها هذه التحولات، إذ تتكرر فيها اعتداءات المستوطنين، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار، وإغلاق الطرق الزراعية، والاعتداء على المنازل والممتلكات، إلى جانب إقامة بؤر جديدة.
وبحسب موقدي، فإن الهدف لا يقتصر على السيطرة على قطعة أرض بعينها، وإنما إضعاف العلاقة اليومية بين الفلسطيني وأرضه، بحيث يصبح الوصول إلى الحقول والمراعي والطرق الزراعية عملية محفوفة بالمخاطر، وهو ما يقلص تدريجيًا قدرة السكان على استخدام محيط قراهم.
السيطرة تبدأ من المرتفعات
ويمتد هذا النمط إلى مناطق شمال رام الله وشرقها وشمال غربها، بما فيها "سنجل" و"ترمسعيا" و"المغير" و"أم صفا" و"دير جرير" و"دير دبوان" و"عطارة" و"برقا"، حيث تتركز البؤر الاستيطانية على التلال والأراضي الواقعة بين التجمعات الفلسطينية.
ويرى موقدي أن اختيار المواقع المرتفعة ليس عشوائيًا، إذ تمنح التلال المستوطنين قدرة على مراقبة الطرق والأراضي الزراعية والتجمعات المحيطة، كما توفر نقاط انطلاق للتحرك نحو مساحات أوسع من الأرض.
ويظهر ذلك في البؤر المقامة بين التجمعات الفلسطينية، حيث لا تتوقف وظيفتها عند حدود البناء، بل تمتد إلى التأثير في حركة السكان والوصول إلى الأراضي المحيطة، بما يعيد تنظيم المجال الجغرافي بين القرى الفلسطينية.
بدوره، يقول الناشط الميداني، سامي دغلس، إن السيطرة على المرتفعات لا تقتصر على ذلك، إذ تلعب الطرق دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الحيز الفلسطيني. ففي مناطق عدة، يؤدي إغلاق الطرق الزراعية أو مداخل القرى إلى منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بينما يفتح المستوطنون طرقًا أخرى لخدمة حركة البؤر الاستيطانية.
ويضيف: "هذا النمط يجعل الطريق أداة للسيطرة وليس مجرد وسيلة للنقل، لأن منع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه يؤدي عمليًا إلى تقليص قدرته على استغلالها، حتى وإن بقيت مسجلة باسمه".
"مسافر يطا".. استهداف شروط البقاء
وفي "مسافر يطا" وجنوب الخليل جنوبي الضفة الغربية، يتخذ النشاط الاستيطاني شكلًا أكثر ارتباطًا بمحاولة تقويض مقومات الحياة في التجمعات الفلسطينية.
وتتعرض التجمعات الصغيرة هناك لاعتداءات المستوطنين والاستيلاء على مصادر المياه ومنع السكان من الوصول إلى الأراضي، بالتزامن مع هدم مساكن ومنشآت ومصادرة معدات، بما يضغط على السكان ويدفعهم إلى تقليص وجودهم في مناطقهم.
ويشير دغلس إلى أن استهداف المياه والأراضي في هذه المناطق لا ينفصل عن استهداف قدرة السكان على البقاء، فالسيطرة على مصادر المياه أو منع الوصول إلى الأرض الزراعية والرعوية تعني ضرب أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية للتجمعات.
الأغوار.. السيطرة على الأرض والمياه
وفي الأغوار الشمالية، تتداخل البؤر الاستيطانية مع السيطرة على الأراضي ومصادر المياه، مستفيدةً من الطبيعة المفتوحة للمنطقة، حيث يمكن لنقطة استيطانية محدودة أن تتحول إلى مركز نفوذ يمتد إلى مساحات واسعة من الأراضي المحيطة.
وتصبح السيطرة على المياه والأراضي الزراعية وطرق الوصول إليها جزءًا أساسيًا من هذه العملية، في منطقة يعتمد سكانها بصورة كبيرة على الزراعة وتربية المواشي.
ويشير مسؤول ملف التوثيق في "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان"، أمير داود، إلى أن ما يجري في الأغوار وفي مناطق أخرى من الضفة يعكس تحولًا في أدوات السيطرة، بحيث لم تعد عملية الاستيلاء على الأرض تنتظر إقامة مشروع استيطاني كبير، وإنما تبدأ بتقييد قدرة الفلسطينيين على استخدام الأرض والوصول إليها.
سلفيت والقدس.. توسيع الاتصال الاستيطاني
وفي سلفيت، ولا سيما "كفر الديك" والقرى المحيطة بها، يرتبط النشاط الاستيطاني بتوسيع المستوطنات القائمة وربطها بالطرق والبؤر الجديدة، بالتزامن مع هدم المنشآت الفلسطينية وتجريف الأراضي.
أما في القدس وبيت لحم وجنين وقلقيلية وطولكرم وأريحا، فتتغير الأدوات وفق طبيعة كل منطقة، لكنها تتقاطع جميعًا في هدف واحد، يتمثل في توسيع السيطرة على الأرض وتقليص الحيز الفلسطيني.
ويؤكد داود أن متابعة الاعتداءات خلال الفترة الأخيرة تظهر أن الاحتلال والمستوطنين يستهدفون عناصر أساسية في تنظيم الحياة الفلسطينية: الأرض الزراعية، والطرق، ومصادر المياه، ومداخل القرى، والمواقع المرتفعة، والمساحات الواقعة بين التجمعات.
من السيطرة على الأرض إلى إعادة تنظيم الحيز
ولا تُقاس عملية إعادة تشكيل الضفة، وفق القراءة الميدانية، فقط بمساحة الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها أو عدد البؤر الاستيطانية التي أقيمت، وإنما بمدى قدرة الاحتلال على تغيير طريقة استخدام الفلسطينيين للحيز الذي يعيشون فيه.
فإقامة بؤرة على قمة جبل قد تمنح المستوطنين السيطرة على مساحة أوسع من حدودها، وإغلاق طريق قد يحرم المزارعين من آلاف الدونمات، والسيطرة على مصدر مياه قد تهدد استمرار الزراعة في منطقة بأكملها.
وبذلك تتكامل البؤر الاستيطانية مع اعتداءات المستوطنين وإجراءات جيش الاحتلال، لتتحول إلى أدوات مترابطة لإعادة تنظيم الجغرافيا الفلسطينية بصورة تدريجية.
ويرى موقدي ودغلس وداود أن خطورة هذا المسار تكمن في أنه لا يعتمد على حدث واحد أو قرار واحد، وإنما على تراكم ممارسات ميدانية صغيرة ومتكررة، تغيّر وظيفة الأرض وتحد من قدرة الفلسطينيين على الحركة والوصول والإنتاج والبقاء.
ومع استمرار هذا المسار، تبدو الضفة الغربية أمام عملية متواصلة لإعادة رسم الحيز الجغرافي، بحيث تتوسع السيطرة الاستيطانية من خلال التحكم بالتلال والطرق والمياه والأراضي الزراعية والمساحات الفاصلة بين التجمعات، في وقت يتقلص فيه المجال المتاح أمام الفلسطينيين للحفاظ على ارتباطهم اليومي بأرضهم.