أقرّ برلمان أوغندا في الـ 6 من آب/أغسطس الجاري، إرسال قوات إلى غزة ضمن ما يسمى قوة الاستقرار الدولية. يمثل القرار استمراراً لسياسات كمبالا وحرصها على المشاركة في عمليات حفظ السلام، ويحمل القرار في ثناياه نقلة نوعية في انتقال الجيش الأوغندي من الفضاء الأفريقي إلى قلب الصراع في "الشرق الأوسط".
تنطلق هذه الخطوة من تاريخ وحسابات سياسية، ودوافع عقائدية وأطماع أسرية، ترى في التقارب مع "إسرائيل" والغرب تذكرة عبور نحو مستقبل السلطة في كمبالا.
مفارقة التاريخ... أوغندا التي رُفضت
مثّل عام 1903 تاريخاً لارتباط الحركة الصهيونية بشرق أفريقيا، عندما عرضت بريطانيا على زعيم الحركة ثيودور هرتزل أرضاً تقع ضمن محمية أوغندا لتكون موطناً للمشروع الصهيوني، لكن العرض لم يحظَ بالقبول بعد عامين من طرحه. والمفارقة أن أوغندا التي رفضها الصهاينة وطناً لهم، صارت بعد عقود من الزمن حليفاً استراتيجياً يضع قدرته العسكرية في خدمة الكيان في غزة.
العلاقات المتقلّبة... من القطيعة إلى التحالف
بعد حصول أوغندا على استقلالها من بريطانيا، أقامت "إسرائيل" علاقات وثيقة مع كمبالا، اتخذت أبعاداً سياسية وعسكرية واقتصادية ثم ثقافية، لكن عيدي أمين وضع حداً لها حين اعتلى كرسي الرئاسة مطلع سبيعنيات القرن الماضي، بقطعه للعلاقة مع الكيان في موقف داعم للقضية الفلسطينية سرعان ما دفع ثمنه.
مع وصول يوري موسيفنيي إلى السلطة عام 1986، عادت العلاقات الدبلوماسية بعد ثماني سنوات، وأصبحت أوغندا منصة لــ"إسرائيل" تطل منها على شرق أفريقيا ومنابع النيل، وفي سياق تعاون مشترك، تمكنت تل أبيب من توظيف كمبالا لخدمة الأجندة الإسرائيلية الأمنية والدبلوماسية داخل أفريقيا دولاً ومنظمات.
موهوزي... صرخة من عنتيبي إلى طهران
ذات مساء حالك في نيسان/أبريل 2026، خرج ابن الرئيس موسيفيني وخليفته المحتمل، موهوزي كاينيروغابا، بتصريحات تعبّر عن نزق جنرال يقود جيش بلاده، ويعلن عبر منصة "إكس" استعداد أوغندا لإرسال 100 ألف جندي للدفاع عن "إسرائيل" ، معتبراً أن الهجوم على "إسرائيل" هجوم على بلده، مؤكداً أنه سيقود بنفسه تلك القوة. ووصف القدس بأنها "الأرض المقدسة"، وتوعّد بأن لواءً واحداً من جيشه قادر على الاستيلاء على طهران في أسبوعين!!
التيار الإنجيلي في أوغندا
تعبّر تصريحات موهوزي عن عمق تأثير التيار الإنجيلي في أوغندا، وقدرته على صناعة خطاب أيديولوجي يتبنّاه أحد رموز السلطة، بُني على اعتبار حماية "إسرائيل" شرطاً لاهوتياً للخلاص وعودة المسيح. يشير بعض التقديرات إلى أن ربع مسيحيي أوغندا يعتنقون ذات العقيدة التدبيرية الإنجيلية، وانطلاقاً من هذه العقيدة، يستمد موهوزي هذا الخطاب ليوظف إمكانات بلاده العسكرية مقابل خطب الود الصهيوني، وكسب الشرعية، وتأمين القبول الغربي.
نصب تذكاري في عنتيبي
جسّد موهوزي توجهه هذا بشكل عملي أياماً قبيل المناقشات البرلمانية، حين دشّن نصباً تذكارياً ليوناتان نتنياهو -شقيق رئيس وزراء الكيان حالياً- في فناء مطار عنتيبي بحضور إسرائيليين، قال إنه أقامه تكريماً لشجاعة قائد عملية عنتيبي.
وتبرز هنا مفارقة بين الأب وولده، ففي الوقت الذي ينشغل فيه موهوزي بمغازلة الكيان، كان يوري موسفيني يلعب على كل الحبال، إذ استقبل في العام 2023 الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في كمبالا، ويرسم ذلك صورة لطبيعة توجهات الأسرة الحاكمة، تراوح بين ميكافيلية الأب وخطل الابن.
الاستثمار في البعثات: من أفريقيا إلى غزة
رسّخت أوغندا مكانتها كفاعل أمني إقليمي عبر مشاركاتها في ثلاث جبهات رئيسة: جنوب السودان، حيث أكسبها التدخل نفوذاً سياسياً واقتصادياً إلى جانب النفوذ العسكري؛ وفي الصومال، حيث عزز وجود قواتها دورها في بيئة تشهد تنافساً إقليمياً ودولياً مكثفاً؛ أما في الكونغو، فترى كمبالا فيها امتداداً استراتيجياً، لموقعها وثرواتها المعدنية التي تشكل امتداداً حيوياً لمصالحها.
فتحت هذه المشاركات آفاقاً جديدة، تجلت في طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر مبعوثين في تموز/يوليو2026، من الرئيس يوري موسيفيني الانضمام إلى "قوة الاستقرار الدولية". وقد تلقت كمبالا الطلب بوصفه فرصة استثمارية تصنع لها حضوراً دولياً وتؤكد مكانتها كفاعل أمني دائم الاستجابة لواشنطن.
تفويض خطير... نزع السلاح الفلسطيني
أنشأ مجلس الأمن الدولي بقراره الرقم 2803/2025، "قوة دولية للاستقرار في غزة"، بتفويض يشمل: تأمين الحدود،حماية المدنيين والممرات الإنسانية، تدريب الشرطة الفلسطينية، والمشاركة في نزع السلاح الفلسطيني وتفكيك البنية العسكرية، مع السماح باستخدام "جميع التدابير اللازمة".
وهنا مكمن الحساسية والخطر. إذ يُعد الانخراط في أي عملية لتجريد الفلسطينيين من سلاحهم، يُعد ذلك تحولاً خطيراً في طبيعة المهمة، وخاصة أن الكيان رفض وقف إطلاق النار والانسحاب من غزة. ويجعل هذا الرفض أوغندا، إلى جانب بقية الدول المشاركة في "قوة الاستقرار"، أطرافاً مباشرة في الصراع العربي الإسرائيلي، وهو اختلاف جوهري عن أي مهمة سابقة في أفريقيا.
لكن كمبالا، المشغولة بالتكسب من مثل هذه المشاركات، ترى في المشاركة غطاءً أمريكياً إسرائيلياً يحصن النظام الحاكم منذ أربعة عقود، ويفتح أبواباً غربية، ويخدم أجندة داخلية أشد إلحاحاً تتعلق بملف الخلافة وضمان انتقال السلطة من موسيفيني إلى موهوزي. في هذه المعادلة تراهن كمبالا على أن العوائد السياسية والدبلوماسية ستفوق المخاطر، بيد أن هذا الرهان يظل محفوفاً بتساؤلات حول ثمن هذه المغامرة، خاصة إذ تحولت المهمة إلى مواجهة ميدانية.
معارضة برلمانية وشعبية: لماذا نقاتل في غزة؟
قاد نواب المعارضة جبهة رفض عكست مخاوف حقيقية. دعا النائب جون بابتيست نامبيثي إلى تقييم شامل لعمليات الجيش السابقة، مشيراً إلى أن طبيعة القتال في غزة تختلف جذرياً. وصف النائب باتريك نسامبا القرار بأنه "مسألة حياة أو موت"، وطالب النائب جوزيف سيوونغو بالكشف عن تفاصيل حماية الجنود. وجاء السؤال الأكثر حدة من النائب حسن كيروميرا: "إذا انهار اتفاق وقف إطلاق النار، أي طرف سيقاتل جيشنا؟".
خارج البرلمان، عبّرت شريحة مقدّرة من المجتمع الأوغندي، ضمّت مثقفين ورموزاً أكاديمية ومجتمعية، عن استنكارها، معتبرة الخطوة انحيازاً للاحتلال ومحذّرة من تداعياتها. غير أن هذه الأصوات لا تعني الكثير للسلطة في كمبالا، التي حكمت شعبها بالحديد والنار لعقود تحت الغطاء والرضا الأميركيين.
تحالف عنتيبي... من الماضي إلى الحاضر
ما كان تحالف عنتيبي وليد اللحظة، إذ تعود جذوره إلى حقبة حكم ميلتون أوبوتي، وانقطع في عهد عيدي أمين، قبل أن يعيده موسيفيني ويدخله مرحلة جديدة بقبوله الدخول إلى غزة.
واليوم ترى مراكز بحثية غربية تقارب كمبالا وتل أبيب "بعثاً جديداً لتحالف عنتيبي"، ووصف "منتدى الشرق الأوسط" كمبالا بأنها باتت حلقة رئيسة في دائرة شركاء "إسرائيل" لمواجهة النفوذ الإيراني في أفريقيا جنوب الصحراء وممر البحر الأحمر.
أهداف كمبالا في غزة
تدخل كمبالا مغامرة غزة، لتحقق أهدافاً متعددة: تعزيز دورها الإقليمي والدولي، وتوفير حصانة دبلوماسية للنظام الحاكم ضد الضغوط المتعلقة بالحرية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة. في المقابل، ترى "إسرائيل" في أوغندا مرتكزاً أمنياً يشرف من عمق القارة على منطقتي القرن الأفريقي ووسط أفريقيا.
تحديات الميدان وتداعياته
ستواجه القوات الأوغندية في غزة بيئة تختلف تماماً عمّا ألفته، فطبيعة السكان وكثافتهم العالية، وطقس غزة المتوسطي، إلى جانب البنية المدمّرة، يعقّد ذلك عملها، ويخلط أوراقها مع أي احتكاك مباشر.
الموقف من غزة أخلاقي حقوقي، ولا يحتمل الحياد. فالانحياز العملي الذي تفرضه طبيعة المهمة قد يضع سلطة كمبالا في مواجهة التاريخ، إذ سيكون جنودها طرفاً في معادلة: إما إلى جانب شعب يسعى لتحرير أرضه، أو في صف الاحتلال. هذا البعد القيمي والسياسي يطرح أسئلة حول الموقف الأوغندي من العدالة التاريخية وحقوق الشعوب، في تباين صارخ مع إرث أفريقي راسخ في مناهضة "الاستعمار".
مكاسب راهنة ومخاطر مستقبلية
تبدو كمبالا واثقة من أن قرارها سيحقق أهدافها، وسيدرّ عليها مكاسب سريعة: تعزيز دورها الإقليمي والدولي، وتوفير حصانة دبلوماسية للنظام ضد الضغوط المتعلقة بالحرية وحقوق الإنسان وتداول السلطة، وفي المقابل ترى "إسرائيل" في أوغندا مرتكزاً أمنياً يشرف من عمق القارة على إقليمي القرن الأفريقي ووسط أفريقيا.
بيد أن المكاسب المرجوّة تقابلها مخاطر. فالدخول في الصراع العربي الإسرائيلي ليس مثل أي مهمة سابقة. وظّفت أوغندا جيشها في الصومال لا لتحمي الاستقرار، إنما لتستثمر في أزمات المنطقة. وبدخولها غزة ستجد نفسها في مرجل لم تعرفه، وفي صلب واحدة من أكثر قضايا التاريخ وضوحاً وتعقيداً، حيث تتشابك المصالح بصورة لا تحتمل الارتجال. كل خطوة في هذا الميدان تحمل تبعات تنوء بثقلها قدرة كمبالا على الاستيعاب، فالمسألة ليست مجرد قرار سياسي ببعد عسكري، بل رهان على مستقبل بلد مثقل بالأزمات في محيط إقليمي ودولي متغير دوار.
ثمة سؤال يبقى معلّقاً: ماذ ستفعل أوغندا إذا تحولت المهمة من حفظ سلام إلى قتال مباشر؟ وماذا لو انهار اتفاق فرضه ترامب على الجميع بلا وجه حق ومن دون تحرٍّ للعدالة؟ الأيام ستكشف المستور، وحينها ستكتشف كمبالا إن كانت قد انجرفت إلى مغامرة أكثر كلفة مما تصورت.
تبقى أوغندا في مواجهة اختبار مصيري: هل ستخرج من هذه المغامرة بما حلمت من مكاسب، أم أنها ستكتوي بنار صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل؟