كيف تعالج المقاومة في غزة أزمة الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال؟

الساعة 11:00 ص|10 أغسطس 2026

فلسطين اليوم | أحمد عبد الرحمن

كما أشرنا في مقالات سابقة، فإن أكثر وحدات المقاومة في قطاع غزة تعرّضًا للاستهداف من قبل العدو الصهيوني كانت تلك الوحدات العاملة في المجال الأمني والاستخباري؛ إذ حازت هذه الوحدات على نصيب الأسد من عمليات الاغتيال الإسرائيلية، خصوصًا تلك التي وقعت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، والتي ارتفعت وتيرتها إلى نسب قياسية، ما أدّى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى نتيجة تلك الاستهدافات، والتي استخدم خلالها "جيش" الاحتلال صواريخ حارقة لم تُستخدم خلال شهور الحرب الطويلة، لا سيّما تلك التي تُطلق عبر طائرات الاستطلاع من طراز "هيرمس- 900" ذات القدرات العملياتية الهائلة، والتي تضاهي وربما تتفوّق على نظيراتها من طائرات الاستطلاع الأميركية والبريطانية الحديثة.

في أواخر أيار/مايو الماضي، اغتالت "إسرائيل" قائد جهاز الاستخبارات في كتائب القسام الشهيد محمد عودة، والذي تم تعيينه آنذاك قائدًا لهيئة أركان الكتائب خلفًا للشهيد عز الدين الحدّاد، وتبع ذلك مجموعة واسعة من الاستهدافات ضد كوادر وقيادات جهاز الاستخبارات القسامي على وجه الخصوص، والذي يُنظر إليه في قطاع غزة بأنه أحد أقوى الأجهزة التابعة لفصائل المقاومة، وبأنه يملك قدرات وكفاءات ذات مستويات عالية، لا سيّما على صعيد ملاحقة شبكات العملاء والجواسيس، وإفشال العديد من العمليات الأمنية والاستخبارية لأجهزة أمن العدو حتى أثناء حرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها قطاع غزة المنكوب.

وعلى الرغم من كل ما تعرّضت له أجهزة أمن المقاومة من ضربات، وما دفعته من أثمان كانت في بعضها باهظة ومكلفة، فإنها -وحسب الكثير من المعطيات- ما زالت تؤدي الجزء الأكبر من المهام المنوطة بها على أكمل وجه، وما زالت تمسك بالكثير من خيوط المواجهة الأمنية والاستخبارية بينها وبين أجهزة أمن العدو، والتي رفعت خلال الفترة الأخيرة من محاولاتها لإحداث خرق في الساحة الداخلية الفلسطينية، لا سيّما في ما يتعلّق بتجنيد عملاء جدد يساهمون في تنفيذ أجنداتها، ويقومون بأدوار خطيرة للغاية، خصوصًا على صعيد إثارة الفتنة وبث الإشاعات، إلى جانب -وهو الأهم- استهداف قيادات المقاومة، خصوصًا أولئك الذين فشل "جيش" الاحتلال -رغم كل ما يملكه من تكنولوجيا- في الوصول إلى أماكنهم أو تحديد تحركاتهم.

أحد أبرز القادة الذين أسهم عملاء الاحتلال في تحديد مكانه وتقديم معلومات حاسمة عنه كان الشهيد عز الدين الحداد، الذي نجح خلال أشهر الحرب الطويلة وما قبلها في الإفلات من متابعة الاحتلال، بل وتمكّن من قيادة عمليات المقاومة خلال ما سُمّي بعملية "عربات جدعون 2" في أواسط العام الماضي من قلب مسرح العمليات، ولم يغادر ساحة المعركة رغم كل الأخطار التي كانت تحيط به، ورغم ضراوة الاستهداف الإسرائيلي في ذلك الوقت.

خلال معركة "طوفان الأقصى" بذلت أجهزة أمن المقاومة جهودًا مضنية من أجل سد الكثير من الثغرات الناتجة عن جملة من الاستهدافات الهائلة التي تعرّضت لها، والتي أدّت إلى حدوث حالة من الفراغ في بعض الأماكن الحسّاسة، وإلى نشوء بيئة مناسبة لبروز الكثير من الظواهر الخطيرة، والتي كان في مقدّمتها ظاهرة الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال، والتي وإن بدأت نشاطها الإجرامي بعشرات العملاء والجواسيس والمضلَّلين، إلا أنها ونتيجة ظروف معينة توسّعت وتكاثرت، وباتت تضم في صفوفها المئات من الخونة وبائعي الضمير.

في الفترة التي تلت التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار أواخر العام الماضي، ركّزت المقاومة في غزة معظم جهودها على معالجة أزمة الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال، وأفردت جزءًا كبيرًا من قدراتها وإمكانياتها وعناصرها لمتابعة هذه الحالة ومحاصرتها ومنعها من التمدّد والتوسّع، لا سيّما مع الجهود الكبيرة التي تبذلها أجهزة أمن العدو للاستثمار في هؤلاء الخونة ومحاولة تحويلهم إلى ذراعها الضاربة في الأماكن التي يتعذّر عليها الوصول إليها.

يمكن ملاحظة ارتفاع وتيرة نشاط الميليشيات العميلة من خلال الكثير من الأحداث التي وقعت مؤخرًا، والتي تنوّعت بين عمليات التسلّل إلى بعض المناطق غرب الخط الأصفر والقيام بعمليات اختطاف واسعة للعشرات من المدنيين الفلسطينيين كما حدث في "شارع مشتهي" الواقع في الأطراف الغربية من حي الشجاعية المدمّر، أو تنفيذ محاولات اغتيال استهدفت كوادر من المقاومة كما جرى أكثر من مرة في خان يونس وغزة، أو من خلال الدخول بحماية طائرات الاحتلال إلى مناطق سكنية قريبة من شارع صلاح الدين، والتواصل مع السكان المدنيين وتوزيع بعض المساعدات الغذائية والمالية عليهم.

المقاومة من جهتها لم تقف مكتوفة الأيدي، وهي تعمل كما تُعلن بكل ما أوتيت من قوة على مواجهة هذه النشاطات التخريبية ومنعها من تحقيق أهدافها، بل ومنع هذه الجماعات من التوسّع والانتشار ومحاصرتها في أماكن اختبائها قرب مواقع "جيش" الاحتلال على تخوم المنطقة الصفراء شمال وشرق القطاع.

حسب بعض المعلومات المتداولة، والتي تعلن عن بعضها المقاومة في بياناتها المختلفة، فإن هناك ثلاثة مستويات تتعامل من خلالها فصائل المقاومة مع أزمة الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال، والتي لم يتم تصنيفها حتى الآن على أنها ظاهرة، بل هي أقل من ذلك بكثير؛ إذ إن أعداد العملاء المنضوين تحت إطار هذه الميليشيات، وانحسار أماكن انتشارهم، وسقوط مشروعهم الذي كانوا يبشّرون به من أول لحظة، يجعل من تحوّلهم إلى ظاهرة مستبعدًا حتى الآن على أقل تقدير.

المستوى الأول يتعلّق بالجانب الأمني، إذ تبذل أجهزة أمن المقاومة جهودًا كبيرة من أجل معالجة هذه الأزمة ومحاصرتها، ومنعها من ترك آثار مباشرة على الجبهة الداخلية الفلسطينية.

ينقسم الجانب الأمني لمعالجة أزمة الميليشيات العميلة إلى قسمين رئيسيين: أولهما يتعلّق بالمواجهة الميدانية المباشرة مع هذه الميليشيات على الأرض وفي المناطق التي يحاولون التحرك فيها، حيث تنشر المقاومة مجموعات للرصد والتصدّي في الكثير من الأماكن القريبة من الخط الأصفر، لا سيّما تلك التي توجد بالقرب منها مواقع هذه الميليشيات، أو قريبًا من الطرق والممرات التي يمكن أن تتسلّل منها إلى أماكن وجود السكّان الفلسطينيين.

في عديد المرات حدثت اشتباكات مسلحة بين المقاومين وبين ميليشيات الاحتلال، تكبّدت فيها الميليشيات خسائر فادحة رغم ما تحظى به من تغطية جوية كاملة من طائرات الاحتلال، ورغم القصف المدفعي والتمهيد الناري المكثف الذي يسبق أي تحرّك لعناصرها تجاه المناطق السكنية الفلسطينية.

القسم الثاني يتعلّق بالمعالجة الأمنية الهادئة والبعيدة عن الأضواء، والتي تتواصل فيها أجهزة أمن المقاومة مع بعض العملاء الموجودين خلف الخط الأصفر، وتمنحهم فرصة للتوبة والرجوع إلى صفوف شعبهم، مع تقديم تعهّد وضمانات لهم بإغلاق ملفاتهم والصفح عنهم، وتمكينهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية بين أهليهم وعائلاتهم.

خلال الشهر الأخير، نجحت المقاومة في تمكين جزء من عناصر الميليشيات -لا سيّما المغرّر بهم- من استعادة حياتهم الطبيعية، فيما أعدمت الميليشيات جزءًا آخر من عناصرها بعد اكتشاف رغبتهم في مغادرة صفوفها والعودة إلى صفوف الوطن.

المستوى الثاني الذي تعالج من خلاله المقاومة أزمة الميليشيات العميلة هو المستوى الاجتماعي، إذ تقوم ببذل جهود كبيرة ومتواصلة في هذا المجال للتقليل من خطر تلك الميليشيات، وحرمانها من الحصول على حاضنة شعبية كما تحاول أن تفعل من خلال تقديم بعض المساعدات والمعونات.

إلى جانب ذلك، تقوم المقاومة بالتواصل مع العائلات التي انضم بعض أبنائها إلى صفوف تلك الميليشيات، وحثّهم على بذل كل جهد ممكن للتواصل مع أبنائهم وتوعيتهم بخطورة ما قاموا به، ودعوتهم إلى مغادرة مربع العمالة والخيانة والعودة إلى صفوف شعبهم وأهلهم.

في هذا الجانب تحديدًا، لا تحمّل المقاومة عائلات وذوي العملاء مسؤولية ما قام به أبناؤهم، ولا تسمح بأي تجاوزات فردية أو جماعية بحقّهم، بل وتسعى إلى إبقاء باب الحوار والتشاور معهم مفتوحًا على الدوام من أجل إيجاد مخارج مقبولة لإغلاق الكثير من ملفات المغرّر بهم، وللحد من تداعيات الفعل الذي قاموا به، خصوصًا أولئك الذين لم يتورطوا في جرائم القتل ضد المدنيين الفلسطينيين أو عناصر المقاومة.

المستوى الثالث والذي ربما يكون أهم من سابقيه هو المستوى الإرشادي والتوعوي، والذي توجهه المقاومة إلى كل سكّان القطاع، لا سيّما فئة الشباب، هذه الفئة التي يستهدفها الاحتلال أكثر من غيرها، وتنصبّ كل جهوده الأمنية نحو تحريضهم على شعبهم ومقاومتهم، محاولاً استغلال ما يمرون به من أزمات، خصوصًا في ظل انسداد الأفق أمامهم بفعل الحصار والعدوان والفقر وقلة ذات اليد.

في الجانب التوعوي، تحرص المقاومة -سواء عبر منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر طرق أخرى- إلى تعريف المواطنين بخطورة الانزلاق إلى مربع التعامل مع الأعداء، أو حتى التفكير في ذلك تحت ضغط الظروف الاقتصادية القاسية، أو استمرار الحصار وإغلاق المعابر وما ينتج عن ذلك من أزمات ومصاعب.

في الجانب التوعوي، تُظهر المقاومة لشعبها أن الاحتلال ليس له قلب ولا ضمير أو أخلاق، وأن هذا الاحتلال الذي ارتكب بحقّهم جرائم إبادة جماعية غير مسبوقة هو أبعد من أن يُلقي بالاً لمشاكلهم أو همومهم، وهو يسعى بكل ما أوتي من قوة لزيادة معاناتهم وتحويلها إلى أزمات مستدامة ليس لها حل حتى في ظل وقف إطلاق النار المتداعي والهش.

على كل حال، قد يقول البعض إن الاحتلال قد نجح في تشكيل ميليشيات تخدم أجندته وتنفذ مخططاته، وهذا الأمر صحيح، وقد يقول البعض إن ما تلقّته أجهزة أمن المقاومة من ضربات قد حدّ من قدرتها على مواجهة الكثير من الأزمات أثناء الحرب، وهذا أيضًا صحيح؛ ولكن المنطق يقول أيضًا إن هذه الميليشيات التي أسّست بنيانها على شفا جرف هارٍ، وربطت مصيرها بمصير احتلال زائل لا محالة، لن تعمّر كثيرًا، وستنهار وتتفكّك أسرع مما يعتقد كثيرون، ولن تكون أحسن حالاً من مثيلاتها التي أسستها قوى الاحتلال المختلفة في كل أرجاء العالم.

أما المقاومة التي تلقّت ضربات قاسية فهي قادرة على ترميم قدراتها وتنظيم صفوفها واستعادة أدوارها التي حاول الاحتلال حرمانها منها، هذه الأدوار التي يأتي على رأسها حماية شعبها، والدفاع عن مقدساتها، وإسقاط مخططات أعدائها، وهي كما تشير كل المعطيات بدأت في ذلك، وستستمر حتى الوصول إلى كل أهدافها رغم عِظم التضحيات ومشقّة ووحشة الطريق.

كلمات دلالية