في اللحظات الأخيرة من الحرب، وبينما كان الجميع ينتظر أن تتوقف أصوات القصف ويبدأ الناس في التقاط أنفاسهم، كان الطفل محمد رياض غبون يصارع من أجل أن يأخذ نفسًا واحدًا تحت ركام منزله.
لم يكن محمد، البالغ من العمر 12 عامًا، يعرف حينها ما الذي حدث لعائلته، ولا إن كان سيتمكن من الخروج حيًا، كان محاصرًا تحت الأنقاض، يحاول البحث عن فتحة صغيرة يتسلل منها الهواء، بعدما ضاق عليه المكان وثقل الركام من حوله، "كنت بدي أتنفس، ما قدرت أتنفس"، يقول محمد وهو يستعيد تفاصيل الدقائق التي غيرت حياته إلى الأبد.
بدأ الطفل بالزحف بين الركام، محاولًا الوصول إلى أي منفذ يمكنه من التنفس والنجاة، ظل يزحف حتى وصل إلى فتحة صغيرة، لكن النجاة لم تكن قد اكتملت؛ إذ سقط حجر على رأسه، وفقد الوعي، تلك آخر لحظة يتذكرها محمد قبل أن يستفيق في المستشفى، حيث وجد نفسه على سرير العلاج، والطواقم الطبية تعمل على إسعافه وتركيب الإبر له.

لكن حين فتح عينيه، لم تكن عائلته إلى جانبه، في تلك الليلة، فقد محمد 23 شهيدًا من أفراد عائلته، بعدما استهدفت طائرات الاحتلال منزلهم في حي الصبرة قبل دخول الهدنة حيز التنفيذ، في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2025.
"أنا الناجي الوحيد في اللحظات الأخيرة.. هلقيت خلص، اللي مات مات واللي عاش عاش"، يقول محمد لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، وكأنه يحاول أن يستوعب حقيقة أكبر من قدرة طفل في الثانية عشرة على الاحتمال.
محمد ليس من غزة أصلًا، هو طفل سوري وصل إلى القطاع عام 2021، بعدما حملت عائلته ما استطاعت من حياتها السابقة في سوريا، بحثًا عن مكان يظنون أنه سيكون أكثر أمانًا واستقرارًا.

هرب محمد من حرب عرفها في سوريا، لكنه لم يكن يعلم أن الحرب ستلحق به إلى المكان الذي اختاره ليكون مأمنًا له ولعائلته.
عاش محمد مع أسرته سنوات الحرب في غزة، وتقاسموا تفاصيل الحياة الصعبة، كما يتذكر، من الخوف والنزوح والقصف إلى اللحظات البسيطة التي كانوا يحاولون فيها صناعة شيء من الحياة وسط الحرب.
كانوا معًا في الظروف الصعبة والسهلة، وكان محمد يظن أن وجودهم إلى جانبه هو الشيء الثابت الوحيد في حياته، حتى جاءت الضربة الأخيرة، قبل الهدنة، وتحولت اللحظات التي كان يفترض أن تكون بداية للنهاية إلى نهاية لعائلته.
يقول محمد: "عيشنا معهم الظروف الصعبة والسهلة، وكل حياتي.. بعدين إجا طلق كان كاتب في الآخر إشي بسيط إنّه يسحبهم."
محمد لا يزال يجد صعوبة في تصديق ما حدث، فالعقل، بالنسبة لطفل فقد عائلته دفعة واحدة، يحاول أحيانًا البحث عن احتمال آخر، عن تفسير أقل قسوة، عن فرصة تجعل ما حدث مجرد كابوس.
"أنا مشتاقلهم كتير كتير.. مش عارف، فش إشي أعبّرلك عنه، كتر ما أنا مشتاقلهم"، يردد محمد، قبل أن يعجز الكلام عن حمل حجم الفقد الذي يشعر به.
لا يتحدث محمد عن 23 فردًا من عائلته باعتبارهم أرقامًا، بل يتذكرهم كأشخاص عاش معهم تفاصيل عمره، شاركهم الأيام الصعبة والسهلة، وكان يعتقد أنهم سيبقون إلى جانبه، ولهذا، لا تزال فكرة رحيلهم تبدو غير قابلة للتصديق بالنسبة إليه، قائلاً: "كل ما أتذكر، معقول مخبّين عليّ وهم عايشين؟"
سؤال طفل يحاول أن يجد منفذًا من حقيقة قاسية لا يستطيع استيعابها؛ فبعد أن نجا من تحت الركام، بقي الركام الأكبر في داخله: ذكريات عائلته التي رحلت، وحياة كاملة انقطعت في لحظة واحدة.
قد تتوقف الحرب، وقد تهدأ أصوات القصف، لكن بالنسبة لمحمد لم تنتهِ الحرب تمامًا؛ فما زالت حاضرة في ذاكرته، وفي إصابته، وفي كل مرة يتذكر فيها عائلته ويتساءل: هل رحلوا حقًا؟