أعلن غازي حمد، عضو الوفد الفلسطيني المفاوض، عن التوصل إلى اتفاق مع الوسطاء والضامنين حول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لليوم التالي للحرب على غزة. وأشار حمد إلى أن الفصائل الفلسطينية قدمت تنازلات مؤلمة من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني وحمايته من مخططات الإبادة والتهجير، والعمل على وقف آلة القتل الإسرائيلية وتحسين الواقع الإنساني في غزة. كما أصدر ترامب والوسطاء ومجلس السلام والعديد من الدول بيانات تدعم الاتفاق وتدعو إلى تنفيذه، وصدرت تصريحات إعلامية عن الائتلاف الحكومي رافضةً للاتفاق، وشهد قطاع غزة تصعيداً كبيراً في الاغتيالات والاستهدافات خلال الساعات التي تلت الإعلان عن الاتفاق، خلّف عشرات الشهداء والجرحى وتدمير منازل ومربعات سكنية، أعقبه تراجعٌ ملحوظٌ في حدته، بناءً على طلب أميركي مباشر، بحسب تسريبات إعلامية مختلفة.
أبرز بنود الاتفاق
نشر مجلس السلام ما سمّاها بنود خريطة الطريق لاستكمال تنفيذ خطة السلام في غزة، وشملت 15 بنداً. وتناول الأول تأكيد جميع الأطراف التزامها بخطة ترامب في غزة، وقرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، بما يؤدي إلى "إنهاء دورة الدمار، وضمان انسحاب "إسرائيل" الكامل من قطاع غزة، واستعادة الحياة الطبيعية، وتمكين الحوكمة الفلسطينية، وإعادة الإعمار، والأمن، والتعافي، والتنمية الاقتصادية، وإصلاح القطاعات المتضررة، بما يسهّل إطلاق مسار سياسي موثوق يحقق تقرير المصير وإقامة الدولة".
واشترط البند الثاني وجوب قيام "إسرائيل" باستكمال جميع التزاماتها المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ، ولاسيما وقف العمليات العسكرية، وتزامناً مع ذلك، يُعَدّ الجدول الزمني وآليات تنفيذ المرحلة الثانية خلال 14 يوماً من موافقة جميع الأطراف على خريطة الطريق، وبعدها تدخل اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع.
وأكد البند الثالث أن الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التالية مشروطٌ بالاستكمال الموثق لالتزامات المرحلة السابقة.
وفي البند الرابع وافقت الفصائل الفلسطينية على تسليم جميع وظائف الحكم في غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وتحدث البند الخامس عن التعامل مع جميع الموظفين بشكل قانوني وعادل يحفظ كرامتهم وحقوقهم.
وبيّن البندان السادس والسابع أن إدارة غزة ستخضع لمبدأ سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد.
وعن مسألة السلاح، ورد في البند الثامن أن إجراءات جمع الأسلحة الثقيلة وتخزينها يبدأ العمل بها بعد استكمال الالتزامات بموجب بروتوكول شرم الشيخ، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ونشر قوة الاستقرار الدولية. وتدير اللجنة الوطنية لإدارة غزة هذه العملية وتنفذها بأسلوب تدريجي ومحدد زمنياً، وذلك وفق جدول تنفيذي يتم الانتهاء منه خلال 14 يوماً من موافقة جميع الأطراف على خريطة الطريق. وترتبط هذه العملية بشرطين: الأول انسحاب "إسرائيل" مرحلياً من المناطق التي تسيطر عليها، والثاني نزع سلاح المليشيات "المتعاونة مع إسرائيل"، ولا يجوز نقل أو تسليم أي سلاح إلى "إسرائيل" أو إلى أي أطراف غير فلسطينية. ويسهم تنفيذ هذه الخريطة، بما فيها قضية السلاح وباقي بنود خطة السلام الشاملة، في تهيئة الظروف المناسبة لإطلاق مسار سياسي موثوق يحقق حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
واستكمالاً لقضية السلاح، أوضح البند التاسع أن الأسلحة الشخصية تخضع لأحكام القوانين الفلسطينية ذات الصلة.
وعن سلاح المليشيات المتعاونة مع الاحتلال، نص البند العاشر على نزعها وتخزينها تحت سلطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وذلك وفقاً لجدول زمني متفق عليه، ولا يجوز دمج عناصر المليشيات في الأجهزة الأمنية والشرطية.
ووفقاً للبند الحادي عشر، سيُوقّع اتفاق سلام اجتماعي وفقاً للقانون والأعراف الفلسطينية.
وفي ما يخص قوة الاستقرار الدولية ومهامها، تحدث البند الثاني عشر عن نشر قواتها في قطاع غزة للفصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الخاضعة لسيطرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ولا تقوم بأي مهام شرطية، وتراقب التزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، وتدرّب الشرطة الفلسطينية، وتؤمّن حماية وإيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وعن الانسحاب الإسرائيلي من غزة، نص البند الثالث عشر على استكمال القوات الإسرائيلية انسحابها المرحلي من قطاع غزة، وذلك وفقاً لجدول زمني متفق عليه، ووفقاً لخطة الرئيس ترامب، التي تتضمن الالتزام بعدم إجبار أي شخص على مغادرة القطاع.
وفي البند الرابع عشر تم التأكيد على تولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولية التعامل مع الحوادث الأمنية الداخلية.
وتناول البند الخامس عشر قضية الإعمار، بحيث يُنفَّذ إعمار قطاع غزة، وتوفير الموارد والتمويل اللازم، وفقاً لخطة وجدول زمني يتولى مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة إعدادهما والإشراف عليهما.
السياقات الفلسطينية
يأتي قبول الوفد الفلسطيني المفاوض والفصائل الفلسطينية لخريطة الطريق للبدء في المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة في سياق جملة من الاعتبارات؛ فبعد نحو عشرة أشهر من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، فإن الواقع الذي فرضته "إسرائيل" يُعد مثالياً بالنسبة إليها؛ فبعد أن استعادت أسراها، تجاوزت كل بنود المرحلة الأولى، ولم يشكل الوسطاء والضامنون أي نوع من الضغط عليها لإلزامها بما وقعت عليه، بل امتنعوا عن مجرد الإدانة لسلوكها الإجرامي، الذي أسفر عن قتل أكثر من ألف ومئة فلسطيني، وجرح الآلاف، واحتلال نحو 70% من غزة، وأوضاع إنسانية كارثية.
لذا، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى عرقلة مسار الاتفاق حتى تتجنب الحد الأدنى من الالتزامات، ولا سيما أنها تتمتع بحرية عمل كاملة داخل غزة، من دون رد فعل حتى على المستويين الإعلامي والشعبي، بفعل انشغال العالم بالحرب على إيران وقضية مضيق هرمز، وتراجع الاهتمام العالمي بمأساة غزة.
الحكومة الإسرائيلية تفعل ما تشاء في غزة، وتستهدف يومياً خيرة مواطنيها، وتسيطر على مزيد من الأرض، وتسلح المليشيات، وتعمق الكارثة الإنسانية في غزة لدفع المواطنين إلى الهجرة وفقدان الأمل في المستقبل، وتبقي سيف التهديد بإعادة احتلال القطاع بشكل كامل وعودة حرب الإبادة والتهجير. وفي المقابل، تمتنع فصائل المقاومة الفلسطينية عن الرد على العدوان بسبب فقدانها جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية من جهة، وعدم منح الاحتلال الإسرائيلي الذريعة للعودة إلى حرب الإبادة من جهة أخرى.
إن كل المؤشرات تدلل على أن الحكومة الإسرائيلية غير مهتمة بالاتفاقات، في ضوء ما توفره لها المرحلة الحالية من حرية عمل مطلقة في غزة، وتسعى إلى رفع مستوى العدوان إلى أقصى حد، في ضوء رغبتها في تحسين شعبيتها قبيل الانتخابات نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
إن الطرف الفلسطيني يسعى إلى كبح جماح الحكومة الإسرائيلية الحالية وعرقلة توجهاتها ونياتها المعلنة لتهجير مواطني غزة، بقدر ما يملك من أدوات دبلوماسية، عبر سحب كافة الذرائع التي تبقي الكرة في الملعب الإسرائيلي.
المواقف والمآلات
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عقب لقاء عقده مع الرئيس التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، أنه لن يتم إعمار غزة إلا بعد نزع سلاح حماس وكل السلاح في القطاع، ووقف "التطرف"، معلناً أنه يختلف مع الرئيس ترامب بخصوص غزة.
إن توقيت الإعلان عن التوصل إلى اتفاق حول غزة يُعد إشكالياً بالنسبة إلى نتنياهو والائتلاف الحاكم، في ضوء استطلاعات الرأي العام التي لا تمنحهم الأفضلية في الفوز في الانتخابات المقبلة، لذا سارع أقطاب اليمين المتطرف إلى معارضة الاتفاق. كما يعبر تصريح نتنياهو، والتصريحات التي تنشر على لسان مسؤول سياسي في مكتبه، عن عدم ارتياح تجاه الاتفاق المعلن.
إن موقف نتنياهو من الاتفاق محكوم بحسابات انتخابية بحتة، وكما أن تهدئة جبهة غزة لا تصب في مصلحته الانتخابية، فإن إغضاب ترامب لا يساعده في تعزيز سردية العلاقة الفريدة وغير المسبوقة معه أمام الرأي العام الإسرائيلي، الأمر الذي سيدفع نتنياهو إلى المراهنة على عدم التزام الطرف الفلسطيني بأحد بنود الاتفاق، ولا سيما بند السلاح، كذريعة لتصعيد العدوان على غزة وعدم الالتزام باستحقاقات الاتفاق على الطرف الإسرائيلي، الأمر الذي سيبقي المشهد في غزة قابلاً للتصعيد حتى لو تراجعت حدته أياماً معدودة.
إن الطرف الفلسطيني يعي حقيقة الموقف الإسرائيلي قبيل الانتخابات، ولم يُرد منحه الذريعة التي يسعى إليها، و المرونة التي أبداها الوفد الفلسطيني ستؤدي إلى أحد السيناريوهين: الأول أن يضطر نتنياهو إلى التعاطي مع الاتفاق ويلتزم، ولو جزئياً، به، والثاني رفضه. وفي حال تحقق السيناريو الأول فإن الحالة الإنسانية ستشهد تحسناً، وسيتراجع مستوى العدوان، أما إذا تحقق السيناريو الثاني، فلن يتحمل الطرف الفلسطيني مسؤولية فشل الاتفاق.
بلا شك، إن الوفد الفلسطيني ذهب إلى القبول باتفاق غزة، وهو يدرك الحقائق الآتية:
- الواقع القاسي لغزة، وهي تئن تحت عدوان وحصار غير مسبوقين، ودمار هائل، وانهيار شبه كلي للبنية التحتية وقطاعات الصحة والتعليم والبيئة، ومخاطر التهجير والإبادة.
- حجم الخذلان لغزة من محيطها العربي والإسلامي، وتراجع الاهتمام الإنساني والعالمي على المستويين الشعبي والإعلامي، حتى باتت مأساة غزة معزولة.
- إن مزيداً من الرهان على ربط ملف غزة بملفات إقليمية، ولا سيما الحرب على إيران، قد لا يفضي إلى نتائج، لا سيما أن الوقت من دم وأرواح ومعاناة الناس، يصعب وصفها.
إن الطرف الفلسطيني يعلم أن كل الخيارات مكلفة، وعندما اختار القبول التكتيكي، فهو يسعى إلى النأي بنفسه عن تحمل تبعات الرفض، ومحاولة تخفيف المعاناة من جهة، والعمل على اقتناص هامش الاختلاف بين مصالح نتنياهو وترامب من جهة أخرى، بالإضافة إلى تجنيب غزة نيات نتنياهو وفريقه في كسب مزيد من المقاعد على حساب دماء غزة وآلامها.