نتنياهو واللعب على وتر التاريخ الإسباني – العربي المفخخ

الساعة 12:50 م|05 أغسطس 2026

فلسطين اليوم | الكاتب محمد جرادات

استحضر نتنياهو التاريخ لينفذ عبره عملية الانسياح المغربي في العمق الجغرافي الإسباني، وهو تاريخ مفخخ اختار فيه نتنياهو دور قلب الهجوم، فيما ترك للأداة المغربية دور التهديف في المرمى الإسباني، بفلذات كبد العروبة والإسلام من عجائز وأطفال ورجال هائمين على وجوههم يبحثون عن فرصة عمل في الجنة الإسبانية والأوروبية.
وإسبانيا التي توجها العالم بطلةً للمونديال الكروي قبل برهة يسيرة من الزمن، حيث اختار نتنياهو اللعب على هامشها الكروي في تأييد مبتذل للأرجنتين في المباراة الفاصلة، يكرر الخطأ ذاته وهو يختار الأداة الرخيصة في مواجهة الأخلاق الإسبانية التي أحرجته وفضحت وحشيته، وقدمته للعالم كمجرم حرب يستحق المطاردة من محكمة الجنايات الدولية.

استخدم نتنياهو عملاءه في المغرب، لينفذوا مهمة إحراج إسبانيا، وليصعدوا على أكتاف "الغلابى" في الرباط والدار البيضاء وأحياء الصفيح المسحوقة، عندما فتحوا لهم أبواب سبتة ومليلية ليتنفسوا العليل الإسباني. وهنا، مع تدفق عشرات الآلاف من هؤلاء المسحوقين المغاربة العاطلين من العمل، والذين يحصدون الفراغ الذي ملأته ماكينة التنسيق الأمني المغربي الإسرائيلي على حساب عرقهم وكدحهم، هنا اكتملت خطة نتنياهو ليثأر من غريمه الإسباني بيدرو سانشيز، الذي سبق أن زار معبر رفح متضامناً مع غزة في أوج محنتها التاريخية.

خطة الثأر الإسرائيلية من الشجاعة الإسبانية تجاوزت حدود سبتة ومليلية، وحفرت عميقاً في ندوب التاريخ الأندلسي، في موقف انتهازي اختلطت فيه كل الأوراق والملفات في مختلف الأبعاد الدينية والتاريخية والحضارية والسياسية والجغرافية، في إشارة صريحة دلت على عمق الجرح الذي يكتوي منه نتنياهو، منذ أن نهضت الحضارة الإسبانية لتشمخ في علياء خلودها وهي تحتضن جرح غزة وتتضامن معها تضامناً لم يكن كأيّ تضامن عابر للزمن، وليس كأيّ شجاعة عابرة للسياسة. تضامن إسبانيا أحرج الحضارة الأوروبية ووضعها أمام شعاراتها البراقة، وحمّلها مسؤوليتها الاستعمارية في تسليم فلسطين للعصابات الصهيونية.

يطالب نتنياهو بحل الدولتين في إسبانيا، إحداهما دولة الأندلس للمغاربة، وإلا فإسبانيا تنتهك حقوق الإنسان! أيّ وقاحة اجترحها هذا النتن وهو يتحدث عن حقوق الإنسان؟! عن أيّ إنسان يتحدث؟ عن نحو 100 ألف طفل وامرأة ورجل سحقت رؤوسهم وعظامهم طائراته في غزة؟! وعن الآلاف من الأسرى الذين تم إعدامهم في مذابح ميدانية في سجون "إسرائيل"، أو تم تغييبهم، أو يتم تعذيبهم صباح مساء حتى لحظة استحضاره لهذه الحقوق؟!

وعندما يستحضر نتنياهو بلاد الأندلس، فقد بلغ من الجهل في هذا التجييش ما يجعله لا يدري ما يقول، وكأن الكيان الإسرائيلي أصبح عاقراً عن أن يخرج منه مفكر أو مؤرخ ليسكت نتنياهو وهو يفضحهم على الملأ في أوروبا، يوم كانت بلاد العرب والمسلمين مأوى ليهود الأندلس ولزعيمهم الديني موسى بن ميمون، الذي أعلن إسلامه فيها، فيما لا يكف نتنياهو عن وصف هذه البلاد بالظلامية، واختزال التاريخ الإسلامي بـ"داعش".

أراد نتنياهو إحراج إسبانيا ووضعها أمام استحقاق الجيران العرب المغلوبين على أمرهم من أنظمتهم العميلة، لتفتح ثغرة في قلب أوروبا، وهو ذاته الذي سبق أن اجتمع مع قادة دول مجموعة فيشيغراد (المجر، بولندا، التشيك، سلوفاكيا) في بودابست سنة 2017، وحرضهم في حديث التقطته الميكروفونات قبل بدء المؤتمر الصحافي، بأن الهجرة الجماعية تهدد مستقبل أوروبا، وانتقد سياسات الاتحاد الأوروبي بهذا الخصوص، وحث الدول الأوروبية على إغلاق حدودها أمام المهاجرين القادمين من أفريقيا والشرق الأوسط، وزعم أن أوروبا ستذبل وتموت إذا لم تغير سياساتها، معتبراً أن "إسرائيل" شريك مهم لأوروبا في مكافحة ما وصفه بالإرهاب والهجرة غير الشرعية.

وكرر نتنياهو تحريضه ضد الهجرة العربية لأوروبا عبر خطاب إسبرطة الشهير في سبتمبر/أيلول 2025، وذلك في أوج حرب الإبادة على غزة، قائلاً إن "الهجرة غير المحدودة" أدت إلى تغيرات ديموغرافية في أوروبا، وزعم أن ذلك يؤثر في سياسات بعض الحكومات الأوروبية تجاه "إسرائيل".

يصلح تحريض نتنياهو ضد إسبانيا عبر نافذة التاريخ الإسلامي، وهو يستخدم أدوات عربية، ومصطلحات في التسوية السياسية التي دفنها نتنياهو ذاته، يصلح هذا التحريض لتذكير العرب والمسلمين بعمق العبث الإسرائيلي في واقعنا وتاريخنا وديننا، فهو لا يرعوي عن إثارة النعرات في صلب الملفات الحساسة، وفي كل اتجاه، وهذا أسلوب حرق فيه نتنياهو مساحات بعيدة من الاختراق الإسرائيلي في ميدان العناوين الإسلامية التسطيحية، ما يشير إلى أن ليس كل ما يلمع ذهباً.

إن التناقض الراهن بين المغرب وإسبانيا، لحظة دخل في المساحة الإسرائيلية، أصبح فيه العربي ضمن هذه المساحة بلا عروبة، والمسلم بلا إسلام، ولم يعد فيه الإسباني، بحال، عنواناً لذاكرة محاكم التفتيش. كيف ذلك، وعامة الشعب الإسباني وقيادته يلتحمون بالقضايا العربية والإسلامية في مواجهة البطش الإسرائيلي والأميركي، أكثر من أكثر العرب وأكثر المسلمين؟
يحتضن العربي والمسلم القواعد الأميركية في دول الخليج وتركيا والأردن، ويعتبرها عنوان سيادته الوطنية، فيما يرفض الإسباني مجرد عبور الطائرات الأميركية من فضائه وهي تعتدي على إيران المسلمة والجارة للعرب، ليعرّض اقتصاده وعلاقته بحلف الناتو للخطر، وعندنا ما زال بعضنا يتغنى بأمجاد الأندلس من زاوية نتنياهو الداعشية، وليس تلك الحقبة التاريخية بما خلّفته من ميراث حضاري ثقافي إسلامي إنساني.

 

كلمات دلالية