الانسحاب الكامل، فإنه يؤسس لمرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن إدارة الاحتلال المباشرة، وتفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استقرارًا.
أما القوة الدولية، فإن دورها، كما تحدده النصوص، لا يقوم على إدارة القطاع أو الحلول محل الفلسطينيين، وإنما يقتصر على الفصل بين الجانبين وضمان تنفيذ الالتزامات، وهو دور يرتبط بآليات التنفيذ أكثر مما يرتبط بإنتاج سلطة بديلة أو وصاية دولية على القرار الفلسطيني.
ولعل أكثر ما يمنح الاتفاق بعده السياسي هو ما يتعلق بتشكيل اللجنة الفلسطينية لإدارة المرحلة المقبلة. فهذا البند يحمل رسالة تتجاوز الجانب الإداري، إذ يؤكد أن إدارة الحكم ليست هدفًا في ذاتها، وأن الأولوية هي لوجود إدارة فلسطينية وطنية قادرة على تحمل المسؤولية، بصرف النظر عن انتمائها التنظيمي، وهو ما يعزز فكرة أن المشروع الوطني أوسع من أي تنظيم، وأن قوة الفاعل السياسي تقاس بقدرته على تقديم المصلحة العامة على المصلحة التنظيمية.
وعندما ننظر إلى هذه البنود مجتمعة، فإننا لا نجد مجرد اتفاق لوقف الحرب، وإنما محاولة لإعادة بناء المجال الوطني الفلسطيني بعد أن استهدفته آلة الحرب الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة. فالرهان الحقيقي لن يكون على توقيع الاتفاق وحده، وإنما على قدرة الفلسطينيين على تحويله إلى لحظة لاستعادة وحدتهم السياسية، وإعادة بناء مشروعهم الوطني على قاعدة الشراكة والإجماع، وإدراك أن معركة التحرر لا تنتصر بالبندقية وحدها، وإنما أيضًا بوحدة المجتمع، وصلابة الإرادة، وحسن إدارة اللحظة التاريخية التي يصنعها الشعب قبل أن تصنعها الوثائق السياسية.
وعليه، فإن الصراعات الكبرى لا تُحسم داخل غرف التفاوض وحدها، وإنما تحتاج إلى توظيف مختلف قنوات التأثير القادرة على تقليص فجوات الخلاف، ودفع الأطراف نحو نقاط الالتقاء.
وفي لحظة يتعرض فيها المجتمع الفلسطيني إلى محاولة تفكيك غير مسبوقة، فإن أي جهد سياسي يسهم في إزالة العوائق أمام اتفاق يخفف معاناة الناس، ويقود إلى وقف الحرب وإعادة الإعمار، يندرج في إطار الفعل الوطني الذي ينبغي تقديره بمعيار نتائجه الوطنية، لا بمنطق الاصطفافات السياسية الضيقة، لأن السياسة الرشيدة هي التي تجعل من العلاقات والأدوات وسيلة لخدمة القضية الوطنية، لا غاية مستقلة عنها.
وفي المقابل، فإن القراءة الموضوعية لبنية الاتفاق تكشف قدرًا ملحوظًا من المرونة التي أبدتها حركة حماس في مقاربة ملفات كانت توصف في السابق بأنها من القضايا الأكثر حساسية، إذ إن القبول بإدارة فلسطينية توافقية، وعدم التمسك بإدارة الحكم، والقبول بترتيبات وطنية تتعلق بالسلاح الثقيل ضمن إشراف فلسطيني، إضافة إلى الانخراط في صيغة تقوم على الشراكة الوطنية، كلها مؤشرات تعكس انتقالًا من منطق إدارة التنظيم إلى منطق إدارة المصلحة الوطنية. فالفاعلون السياسيون تُقاس قيمتهم التاريخية بقدرتهم على إعادة تعريف أولوياتهم عندما تتعرض مجتمعاتهم لتهديد وجودي، وحين يصبح الحفاظ على المجتمع مقدمًا على الحفاظ على مواقع السلطة، فإن ذلك يمثل تعبيرًا عن نضج سياسي يضع بقاء القضية الفلسطينية واستمرار المشروع الوطني فوق الاعتبارات الفصائلية، ويؤسس لمرحلة يكون فيها التوافق الوطني أحد أهم عناصر القوة في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني.
ويبرز في هذا السياق أيضًا أن مقاربة ملفي السلاح والموظفين جاءت بمنطق البحث عن حلول وطنية قابلة للحياة، لا بمنطق تسجيل الانتصارات السياسية. فقد أبدت الفصائل الفلسطينية استعدادًا للتعامل بمرونة مع هذين الملفين، انطلاقًا من أولوية وقف الحرب وحقن دماء أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والحفاظ على تماسك المجتمع. ففي ملف السلاح، جرى التعامل مع القضية باعتبارها مسألة تنظيم وإدارة ضمن إطار وطني متفق عليه، بما يحفظ عناصر القوة الفلسطينية، ويمنع توظيفها في تعميق الانقسام.
أما في ملف الموظفين، فقد اتجهت الرؤية نحو ضمان حقوقهم الوظيفية والمالية، ومعالجة أوضاعهم وفق آليات قانونية وإدارية عادلة، تحول دون تحويلهم إلى ضحايا إضافيين للصراع. وتعكس هذه المقاربة إدراكًا متناميًا بأن نجاح أي اتفاق لا يقاس فقط بوقف إطلاق النار، وإنما بقدرته على حماية الإنسان الفلسطيني، وصون حقوقه، ومنع نشوء أزمات داخلية جديدة قد تقوض فرص الاستقرار، وتعيد إنتاج الانقسام في مرحلة يفترض أن يكون عنوانها إعادة بناء المجال الوطني على أسس الشراكة، والعدالة، والمسؤولية الوطنية.