أعلن الرئيس الأميركي ترامب، الأسبوع الماضي، عن "توصّل كلّ الأطراف المعنية إلى اتفاق نهائي يحقّق السلام والأمن الدائمين في غزة بعد نزع سلاح حماس وحصره بيد الحكومة الفلسطينية الجديدة، التي ستعمل بشكل وثيق مع مجلس السلام"، الذي أسسه هو شخصياً العام الماضي، وبدأ بتطبيق خطته التي تتضمّن 20 بنداً للسلام في غزة اعتباراً من 24 كانون الثاني/يناير الماضي.
وتحدّث الإعلام الإسرائيلي عن بعض تفاصيل الاتفاق الذي تحدّث عنه ترامب، وقال: "إنّ التفاهمات التي تمّ التوصّل إليها تقضي بتفكيك الأسلحة الثقيلة والخفيفة كافة خلال مدة تتراوح بين 6 و8 أشهر، بالتوازي مع تسليم حماس خرائط الأنفاق، ومواقع ومستودعات التصنيع، قبل تسليم إدارة غزة إلى اللجنة الوطنية، التي ستقوم بنشر مجموعات من الشرطة الفلسطينية، شريطة أن يوافق الشاباك الإسرائيلي على عناصرها".
وتشترط التفاهمات أيضاً انسحاب "الجيش" الإسرائيلي إلى الخط الأصفر الذي تمركز عنده في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، على أن تتمّ عمليات الانسحاب التالية وفق تطوّرات المرحلة المقبلة، وأهمّها التزام حماس المطلق بالتفاهمات التي أعلنها الرئيس ترامب.
وقال إنّ حماس وافقت عليها بعد استشارة الدول الأعضاء في مجلس السلام الخاص بغزة، وأهمها تركيا. وكان خليل الحيّة قد زارها في الـ26 من الشهر الماضي، وهي أول زيارة له بعد انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس، حيث التقى وزير الخارجية هاكان فيدان بعد يوم من إعلان ترامب عن تفاهمات غزة.
ومع أنّ هذه التفاهمات لم تمنع الكيان العبري من الاستمرار في جرائمه اليومية ضدّ الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، وبغياب ردّ الفعل العربي والإسلامي الذي وقف إلى جانب الرئيس ترامب في مساعيه لنزع سلاح حماس؛ فقد بات واضحاً أن الحركة أصبحت في وضع لا تُحسد عليه بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، والعدوان الصهيوني، والتآمر الداخلي والخارجي على لبنان، وأخيراً العدوان الصهيو-أميركي على إيران.
وشجّع ذلك التحالف الصهيو-أميركي على المطالبة هذه المرة بنزع سلاح حزب الله في لبنان، ثم الحشد الشعبي في العراق، وكل ذلك بدعم من القوى والأطراف داخل فلسطين ولبنان والعراق، ومعروف ارتباطاتها السرية والعلنية الخطيرة مع عواصم إقليمية ودولية لم تُخفِ تضامنها المباشر أو غير المباشر مع تل أبيب وواشنطن في عدوانها على إيران.
والسبب الرئيسي في هذا العدوان لا يختلف في جوهره عن تعاملها مع سلاح المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين، حيث تقول إنها لا تريد لإيران أن تمتلك السلاح النووي، وتستمر في تطوير صواريخها الباليستية التي لم تُشكّل خطراً على أي دولة عربية أو إسلامية، بل وحتى غربية أو شرقية.
ويفسّر كل ذلك المنطق الذي تتعامل من خلاله واشنطن مع قضايا المنطقة، وعبر النافذة الصهيونية التي لا تريد لأحد، وأياً كان دينه ومذهبه وقوميته وانتماؤه السياسي، أن يهدد الكيان العبري، وأياً كان حجم هذا التهديد المباشر أو غير المباشر، وحتى إن شكّل هذا الكيان خطراً على الجميع. ووفق هذا المنطق، من حق هذا الكيان أن يملك القنابل النووية وكافة أنواع الأسلحة المحرّمة دولياً، ولكن لا يحق لأحد في المنطقة أن يملك أي سلاح، حتى للدفاع عن نفسه، كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه المغتصبة، وباعتراف دولي.
أو كما هو الحال بالنسبة للشعب اللبناني الذي تعرض، ومنذ الحرب الأهلية عام 1975، ثم الغزو المباشر عام 1982، وفي تموز/يوليو 2006، وأخيراً للعدوان المستمر على لبنان برمته، وبتجاهل علني من الحكومات العربية والإسلامية التي وقفت موقف المتفرج حيال العدوان المستمر على غزة، وقبل ذلك اليمن، وأخيراً على إيران، التي يرى فيها الكيان العبري الخندق الأخير للدفاع عن القضايا الوطنية والقومية لكل شعوب المنطقة، التي تريد لها واشنطن وتل أبيب، ومن في فلكها، أن تعادي هذا البلد المسلم بحجة أنه شيعي، ناسياً أن الشاه الذي كان عميلاً للكيان العبري كان شيعياً وحليفاً لآل سعود في حربهم على اليمن عام 1962-1965.
كما أن هذا الشاه "الشيعي" كان حليفاً لرئيس الوزراء التركي عدنان مندرس "السنّي"، وهو الآخر كان متحالفاً مع الكيان العبري، الذي زار رئيس وزرائه بن غوريون أنقرة سراً صيف 1958 لبحث تفاصيل العمل المشترك ضد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعد أن قام بتوحيد سوريا ومصر في الجمهورية العربية المتحدة.
ومع التذكير بالخلافات والصراعات، وأحياناً الحروب، بين الدول العربية فيما بينها بسبب المنافسات والعداءات العشائرية بين حكام الخليج من "السنّة"، فقد وقف هؤلاء الحكام، وما زالوا، في خنادق معادية ضد بعضهم البعض في السودان والصومال، بل وحتى في سوريا والعراق ولبنان واليمن، والآن في ليبيا، حيث إن جميع الأطراف المتقاتلة هم من "السنّة"، وهو حال الدول التي دعمت هذه الأطراف، وهي مصر وتركيا والإمارات والسعودية، ومن خلفها واشنطن وروما ولندن وبرلين وباريس.