في الأول من آب/أغسطس 2026، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نمط سبق أن تكرّر في محطات عديدة من الحرب الأميركية الإيرانية: تصعيد لفظي وتهديدات تتضمّن التلويح باستهداف البنى التحتية الإيرانية أو توجيه ضربات واسعة لإيران، قبل أن يعود إلى التراجع عن السيناريو الأكثر تطرّفاً والحديث عن مسارات دبلوماسية.
لا تُشكّل هذه الجولة من التهديد والتراجع استثناءً، إذ استُخدم هذا الأسلوب مراراً خلال الأشهر الماضية، ويبدو أنّ الرئيس الأميركي يستخدمها كأداة ضغط نفسي وسياسي تهدف إلى تعديل سلوك الخصم ودفع إيران إلى تقديم تنازلات، أكثر مما تهدف إلى العودة الفعلية إلى مواجهة شاملة (أقلّه مرحلياً).
تعكس ظاهرة التهديدات المتبادلة وفشل اعتماد خطاب "الضغط الأقصى" الذي يرفع سقف التهديد إلى الحدود القصوى، اختلافاً عميقاً في فهم كلّ من الولايات المتحدة وإيران لمعنى القوة والتصعيد والردع، كما تكشف حدود القدرة العسكرية عندما تتحوّل الحرب نفسها إلى معادلة سياسية واستراتيجية معقّدة.
اختلاف في فهم رسائل التهديد
تكمن المشكلة الأساسية لدى إدارة الرئيس ترامب في أنّ إيران لا تتلقّى الرسائل التهديدية بالطريقة نفسها التي يتمّ توقّعها. تنظر الولايات المتحدة إلى التصعيد باعتباره وسيلة لإجبار إيران على التراجع وتقديم تنازلات، فيما ترى طهران أنّ التراجع تحت الضغط يشجّع على مزيد من الاستهداف ويقوّض عناصر الردع التي بنتها على مدى أشهر من الحرب.
من المنظور الإيراني، إنّ إظهار القدرة على توسيع الصراع إلى دول المنطقة، ومنها الأردن مؤخّراً، يمثّل أداة استراتيجية لإعادة التوازن في مواجهة تفوّق عسكري أميركي يصعب مجاراته بصورة مباشرة. لذلك تعتمد إيران ما يمكن وصفه بـ"التصعيد الأفقي"، أي توسيع نطاق الكلفة التي تترتّب على المواجهة مع الأميركيين لتشمل أطرافاً وساحات متعدّدة، بهدف تغيير حسابات الطرف الأقوى وإقناعه بأنّ استمرار الضغط سيكون أكثر كلفة من احتوائه.
من هنا يمكن القول إنّ التقديرات الأميركية والإسرائيلية الأولية التي افترضت سقوط النظام بسرعة، أو إنّ زيادة الضغط العسكري ستدفع إيران إلى التراجع، تبيّن خطؤها. أظهرت الأشهر الماضية أنّ القيادة الإيرانية استعدّت لكلّ السيناريوهات المحتملة، واستفادت من الثغرات التي كشفتها المواجهة الأولى في حزيران/يونيو 2025، كما استفادت من خبرة التعامل مع محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي التي يتمّ التهديد بها حالياً أيضاً. وكانت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيسان/أبريل 2026 قد أثارت جدلاً واسعاً بعدما قال إنّ الولايات المتحدة أرسلت أسلحة إلى معارضين إيرانيين عبر وسطاء كرد، في حين تحدّثت تقارير وتصريحات إسرائيلية عن أدوار إسرائيلية في دعم الحراك المناهض للحكومة الإيرانية، لكنّ ذلك لم يؤدِ إلى إسقاط النظام، ولا يُتوقّع أن تنجح في حال تمّ تطبيقها الآن.
تقدير متباين لدور الزمن
تنطلق المقاربة الإيرانية من أنّ القدرة على الصمود تشكّل بحدّ ذاتها عنصراً من عناصر القوة. وتستند هذه المقاربة إلى افتراض أنّ الصراعات لا تُحسم دائماً عبر التفوّق العسكري المباشر، بل من خلال قدرة الأطراف على تحمّل الأعباء والاستمرار في المواجهة لفترات طويلة، وهو ما يشير إلى قدرة إيران على مواصلة المواجهة والانتقال من مساحة ردّ الفعل إلى الفعل، رغم الضغوط المرتفعة.
وهنا يختلف الطرفان في تقدير دور الزمن في الصراع. يتأثّر القرار الأميركي بدرجة كبيرة بالاعتبارات السياسية والاقتصادية الداخلية، وبالحاجة إلى إظهار نتائج ملموسة خلال فترة زمنية محدّدة قبل الانتخابات النصفية هذا العام، حيث يُتوقّع أن تشكّل السياسة تجاه إيران أحد الملفات المطروحة في النقاش السياسي الداخلي. أما إيران فهي أكثر استعداداً للتعامل مع الصراع بوصفه عملية طويلة الأمد، تراهن خلالها على تغيّر الظروف الإقليمية والدولية وعلى تآكل استعداد الخصوم لتحمّل كلفة الاستمرار في المواجهة.
ومن العوامل المهمة أيضاً اختلاف ترتيب الأولويات لدى الطرفين. تنظر الولايات المتحدة إلى العديد من أزمات الشرق الأوسط باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع من التحدّيات الدولية، ما يجعلها مضطرة إلى توزيع مواردها واهتماماتها بين مناطق متعدّدة، وهو ما انعكس في بيان البنتاغون حول تأثير استنفاد مخزون الصواريخ على المواجهة مع الصين. أما إيران فتتعامل مع الصراع مع الولايات المتحدة بوصفه قضية ترتبط مباشرة بأمنها القومي ووجودها، وموقعها الإقليمي، وبالتالي يصبح مستوى الاستعداد لتحمّل المخاطر أو الكلفة كبيراً جداً.
انطلاقاً مما سبق، يمكن القول إنّ التحدّي الحقيقي في الحرب الأميركية الإيرانية الجارية حالياً بوتيرة منخفضة، لا يتعلّق فقط بإدارة القوة، بل بإدارة التصوّرات المتبادلة. الواضح أنّ كلّ طرف يملك تصوّراً مختلفاً للردع، ومعياراً مختلفاً للنجاح، وتقديراً مختلفاً لمعنى التصعيد. وعليه، إنّ استمرار الفجوة بين هاتين الرؤيتين يجعل التوصّل إلى نهاية مستقرة للصراع، أو إلى ترتيبات أمنية مستدامة في المنطقة، أمراً صعباً في المدى المنظور.