لا تُختبر الاتفاقات السياسية التي تُبرم مع قوى المقاومة الفلسطينية عند مراسم وبروتوكولات التوقيع، وإنما عند لحظة تنفيذ أول التزام بها. وفي الحالة الفلسطينية، وبواقع التجارب السابقة التي اكتسبت خصوصية كبيرة، لا سيما بعد السابع من أكتوبر 2023، لا يمكن الحديث عن سهولة تطبيق أي اتفاق يُبرم. فلا يكمن التحدي الرئيس في الوصول إلى مسودة اتفاق في عاصمة مصرية أو قطرية أو تركية أو غيرها، بقدر ما يتمثل في الإجابة عن سؤال بات محوريًا سيحدد مصيرها: من يبدأ التنفيذ أولًا؟ وهل تقع الخطوة الأولى هذه المرة على عاتق "إسرائيل" أم على عاتق حركة حماس، خاصة في ظل الحديث عن ملفين كبيرين ومهمين: الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، والسلاح؟
وقد اكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية بعد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمسودة التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في القاهرة بأنها “اختراق عظيم”، في إشارة إلى ما تمثله من محاولة لإعادة صياغة المشهد في قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية، والتوصل إلى تسوية لملف الانسحاب. وللمرة الأولى، يتناول الاتفاق ملف سلاح المقاومة بصورة مباشرة ضمن إطار زمني يمتد ثلاث سنوات، الأمر الذي جعل هذا الملف محورًا لمعظم النقاشات السياسية، وطالته كثير من التفسيرات والتأويلات.
غير أن التركيز على ملف السلاح وحده قد يحجب القضية الأكثر أهمية، وهي آلية تنفيذ الاتفاق وترتيب الالتزامات. فنجاح أي اتفاق في بيئة تعيش حرب استئصال إسرائيلية تستهدف نضال الشعب الفلسطيني لا يعتمد فقط على طبيعة البنود، وإنما على التسلسل الذي تُنفذ به، وعلى وجود ضمانات تكفل التنفيذ من دون مماطلة أو تلكؤ أو تسويف.
ولفهم ما جاءت به المسودة في نصابها الصحيح، يتضح أن التزامن هو مفتاح التطبيق الدقيق لهذا الاتفاق في ظل الجدل الدائر. فما يغيب عن كثير من النقاشات هو أن المسودة لا تقوم على مبدأ التنفيذ الأحادي، بل على مبدأ التزامن التدريجي. ومن خلال قراءة ورقة المسودة، يتضح أنها لا تقوم على التنفيذ الفوري دفعة واحدة، وإنما على مراحل متدرجة تمتد ثلاث سنوات، بحيث يرتبط الانتقال من مرحلة إلى أخرى باستكمال الالتزامات السابقة، وهو ما يعكس إدراك المقاومة الفلسطينية والجهات الراعية لحجم التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بالملف.
وفي هذا السياق، تشير المسودة إلى أن المرحلة الأولى لا تبدأ بإجراءات تتعلق بملف السلاح، وإنما بخطوات يتعين على "إسرائيل" اتخاذها، باعتبارها تمهد لبدء بقية مراحل التنفيذ.
وتتمثل هذه الخطوات في الموافقة على دخول اللجنة الوطنية التكنوقراطية التي ستتولى إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، والسماح بدخول لجنة التحقق الدولية التي سيشكلها مجلس السلام للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى الموافقة على نشر قوة الاستقرار والفصل الدولية المكلفة بمواكبة تنفيذ الترتيبات الأمنية والإدارية في قطاع غزة.
وبناءً على هذا الترتيب، فإن الإجراءات الأولية المنصوص عليها في المسودة تقع، من الناحية الإجرائية والتنفيذية، على عاتق "إسرائيل"، لإفساح المجال أمام التطبيق العملي لبنود الاتفاق، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الترتيبات المتعلقة بحفظ السلاح الثقيل في عهدة اللجنة الوطنية، كما نص الاتفاق.
وتبرز أهمية هذه النقطة في ضوء الجدل الدائر بشأن ما إذا كانت الفصائل الفلسطينية مطالبة بتقديم خطوات مسبقة تتعلق بسلاحها. فوفق البنود النهائية للمسودة، ترتبط هذه المرحلة أولًا باستكمال المرحلة الأولى من خطة مجلس السلام، وتهيئة البيئة التي يفترض أن تشرف على التنفيذ، وهو ما يمنح التزامن بين الإجراءات أهمية لا تقل عن أهمية البنود نفسها.
وفي المقابل، وعلى الضفة الأخرى من الصورة، كشفت صحيفة “هآرتس”، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن "إسرائيل" قدمت ثلاثة تحفظات رئيسية على المسودة، وهذه التحفظات تكشف نواياها الأولية.
فأما التحفظ الأول، فيتعلق بطريقة التعامل مع السلاح، إذ تفضل "إسرائيل" تدميره بدلًا من الاكتفاء بتخزينه ضمن الآلية التي نصت عليها مسودة الاتفاق، وهو بند سترفضه الفصائل الفلسطينية.
أما التحفظ الثاني، فيرتبط بمشاركة قطر وتركيا في آلية التحقق الدولية، وهو بند قد يكون مرفوضًا بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، بالنظر إلى العلاقات الثنائية القوية معها، وإلى نجاح هاتين الدولتين في وساطات سياسية مختلفة في المنطقة.
في حين يتمثل التحفظ الثالث في رفض أي ترتيبات قد تحد من حرية تحرك "إسرائيل" داخل قطاع غزة، بما يعني استمرار الاغتيالات والقصف بالوتيرة التي نشاهدها، وهو أيضًا ما سترفضه الفصائل الفلسطينية، ومعها الدول الراعية للاتفاق.
وستشكل هذه التحفظات جميعها تحديًا ليس سهلًا أمام نجاح الاتفاق.
وإذا صحت هذه التحفظات الإسرائيلية التي نشرتها صحيفة “هآرتس”، فإنها تشير إلى أن الخلاف لا يقتصر على التفاصيل التنفيذية فحسب، وإنما يمتد إلى طبيعة المنظومة الأمنية والسياسية التي ستنشأ بعد الحرب في غزة، وإلى حدود الدور الذي ستؤديه الأطراف الدولية في الإشراف على المرحلة المقبلة. وهذا، بحد ذاته، لا يمثل اعتراضًا على مسودة الاتفاق بقدر ما يمثل تجاوزًا لبنود خطة مجلس السلام التي قدمها الرئيس ترامب في الأساس.
وبمعنى أدق، ستحاول "إسرائيل" إعادة صياغة فلسفة الاتفاق بما يحافظ على أكبر قدر ممكن من سيطرتها الأمنية والسياسية على قطاع غزة، وهو ما صرح به بنيامين نتنياهو مرارًا وتكرارًا.
المشكلة الأساسية لا تكمن في نصوص الاتفاق، وإنما في بنيامين نتنياهو، الذي يمتلك سجلًا طويلًا من المناورة السياسية. فجميع التجارب السابقة مع حكومات الاحتلال الإسرائيلي دفعتنا، كما دفعت كثيرًا من المراقبين، إلى التشكيك في قدرة حكومته، أو رغبتها، في الالتزام الكامل بالاتفاقات السياسية التي وقعتها، خصوصًا عندما تتعارض مع اعتبارات الائتلاف الحاكم أو مع حسابات البقاء في السلطة، في ظل اقتراب البازار الانتخابي في "إسرائيل".
إذاً، فالاعتبارات السياسية الداخلية حاضرة، واحتمالية المماطلة حاضرة أيضًا، كما أن احتمالية إطالة أمد المفاوضات، أو محاولة إعادة التفاوض على بعض البنود، ستظل قائمة ما دامت الكلفة السياسية للتنفيذ أعلى من كلفة التأجيل. وقد استخدم نتنياهو، في محطات عديدة من الصراع، عامل الوقت لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، أو لإفراغ الاتفاقات من مضمونها، فهو يتقن ذلك.
لذلك، أرى أن فرص إلزام "إسرائيل" بتنفيذ الاتفاق مرتبطة، إلى حد كبير، بمستوى الضمانات الدولية، وحجم الضغط الذي قد تمارسه الدول الراعية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية والدول الوسيطة في هذا الاتفاق، إضافة إلى حاجة ترامب إلى تسجيل إنجاز سياسي، في ظل التعثر الكبير والواضح في حسم الملف الإيراني حتى الآن.
ولا يمكن إغفال مسألة مهمة جدًا، إذ تشير بعض المؤشرات السياسية إلى وجود تباين متزايد في المواقف بين واشنطن و"إسرائيل" بشأن إدارة المرحلة المقبلة في غزة. وإن كان من المبكر الجزم بأن ذلك سيترجم إلى ضغوط حاسمة تغير الموقف الإسرائيلي من المماطلة إلى الجدية في تنفيذ خريطة الطريق، إلا أن حرص الإدارة الأميركية على إنجاح المسار السياسي قد يدفعها إلى ممارسة دور أكثر فاعلية إذا واجه الاتفاق عراقيل جدية في مراحله الأولى.
ومن المهم أيضًا النظر إلى المسودة باعتبارها جزءًا من مسار سياسي أوسع، لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو معالجة ملف السلاح. فالمطروح، وفق الرؤية التي يتبناها مجلس السلام، يتجاوز ذلك ليشمل آليات إدارة غزة عبر لجنة تكنوقراط، والإشراف الدولي، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم خلال المرحلة الانتقالية. ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق يمثل بداية مسار سياسي، وليس نهايته، كما يعتقد البعض.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز السؤال الأكثر دقة، ليس: هل ستبدأ حماس أم "إسرائيل"؟ وإنما: هل يمتلك الأطراف الضامنون القدرة على ضمان احترام ترتيب التنفيذ المنصوص عليه في المسودة، وإلزام "إسرائيل" بالبدء بما هو مترتب عليها؟
فإذا التزمت "إسرائيل" بالالتزامات الأولية الثلاثة التي ينص عليها الاتفاق، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام انتقال تدريجي إلى بقية المراحل. أما إذا أُعيد التفاوض على ترتيب الالتزامات، أو تأخر تنفيذ الخطوات الأولى، فإن فرص نجاح المسار بأكمله قد تصبح أكثر تعقيدًا وتعثرًا.
فقيمة أي اتفاق لا تُقاس بما تتضمنه نصوصه فحسب، وإنما بقدرته على الصمود أمام أول اختبار للتنفيذ. وكانت الاتفاقات السابقة التي وقعتها "إسرائيل" في عهد الرئيس السابق جو بايدن خير مثال على ذلك، ومن قبلها الاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع "إسرائيل".
وسيبدأ هذا الاختبار فعليًا بعد مراسم التوقيع المرتقبة في مدينة العلمين المصرية، من الطرف الذي تحمّله المسودة مسؤولية اتخاذ الخطوة الأولى. أما ما إذا كانت هذه الخطوة ستُترجم إلى واقع أم لا، فسيظل رهنًا بالإرادة السياسية، والحسابات الخاصة، وبقدرة الوسطاء والضامنين الدوليين على تحويل الالتزامات المكتوبة إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، بما يفتح الباب أمام مسيرة التعافي والإعمار، وتثبيت صمود الفلسطينيين في أرضهم، وإفشال كل المخططات الرامية إلى تهجيرهم ونزع هويتهم الوطنية.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيختار نتنياهو الانخراط في خريطة تنفيذ مسودة الاتفاق، بما قد يفرض عليه التزامات لا يرغب بها، أم سيواصل سياسة كسب الوقت والمراهنة على تبدل الظروف السياسية؟ وفي المقابل، هل ستمتلك الإدارة الأميركية أدوات كافية لإجبار نتنياهو على الدخول في هذا المسار، وتحويل الاتفاق إلى واقع ملموس على الأرض؟
كل ذلك سيتضح بعد التوقيع المرتقب في مدينة العلمين المصرية، وستكون الأيام القليلة المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.