غزة قبل تقويم الاتفاق

الساعة 08:48 ص|01 أغسطس 2026

فلسطين اليوم | منير شفيق

انتشرت حجة، تعتبر ما حدث من حرب إبادة، أسفرت عن مئات الألوف من الشهداء والجرحى، هو النتيجة الوحيدة التي ترتبّت عن عملية طوفان الأقصى والحرب، وذلك لنشر الهزيمة النفسية والسياسية. مما لا يسمح بالقول، أن العدو فشل في تحقيق أهدافه، أو حققت المقاومة انتصارات سياسية وعسكرية، أو أن الكيان الصهيوني، تدمّرت سمعته، وأن الرأي العام العالمي، ولا سيما في الغرب انقلب إلى إدانته، وإدانة اللوبيات الصهيونية المتنفذة، ومحاربتها. مما سيكون له التأثير الاستراتيجي في نهايته.

إن تجاهل كل هذه الأبعاد، وحصر النتائج بنتيجة واحدة، تركز على ما حدث، من قتل جماعي وآلام، يمزقان القلوب، أدّى إلى فرض القبول بالعيش، بعد اتفاق وقف إطلاق النار، تحت نصف حرب، تتقيّد فيه المقاومة بالاتفاق، وتطلق يد نتنياهو، في الاغتيال والقضم، وفرض السيطرة، والتوسّع في الاحتلال، ليحقق ما لم يستطع تحقيقه في القتال.

صحيح أننا دفعنا في حرب الإبادة، ثمناً غالياً جداً. علماً أن المسؤول عما ارتكب من جرائم القتل الجماعي والتدمير، هو نتنياهو، ومن تواطأ دولياً معه، وليس المقاومة. وهذا رأي القانون الدولي، وموقف الرأي العام العالمي، كذلك.

والأسوأ، حين عمّم البعض، الخوف من العودة إلى الحرب. مما حرم الدم الغالي، من اتفاق مشرّف، يليق به. وذلك حتى لو كان شرطه تحمّل المزيد من التضحيات.

المشكلة هنا، أولاً، بالذين، من خارج غزة، انهاروا نفسياً، وسياسياً. وطبقوا المثل "زحلق حبيبي على البلاط وقعت أنا" أمام ما وقع من قتل جماعي وتدمير. فهؤلاء لا يعلمون بأن الحرب، خصوصاً الحروب الحديثة، يتعرض فيها الملايين للقتل. وهو ما حدث في الحرب العالمية الأولى والثانية، وهو ما حدث في كل حروب التحرير الوطني، ومقاومة الاستعمار، والغزو والاحتلال.

فهنا، لم يعتبر أحد، أن المشكلة، بما حلّ بالمدنيين، من قتل وتدمير، وإنما كان الهمّ الأول، هو الانتصار، مهما كان الثمن. وهذه سُنّة لا تجد لها تبديلا. ومن لا يأخذ بها يذهب إلى الانتحار.

أما المشكلة الثانية الأهم، هي أن الذين أخطأوا في اعتبارهم، أن الهدف الأول هو وقف إطلاق النار، لم يسألوا في ظل أوضاع الفلسطينيين في غزة، لماذا، بعد سنتين من الحرب البريّة، وحرب الإبادة، قدّم ترامب، مبادرته لوقف إطلاق النار؟

أي الإجابة، يجب أن تلحظ،

 1 ـ ميزان القوى العالمي والإقليمي، والعسكري، في الميدان في غزة. وهنا يلاحظ، أن سنتين من الحربين، لم يستطع جيش الكيان الصهيوني، أن يحتل غزة، أو يحقق انتصاراً عسكرياً، غير ارتكاب القتل الجماعي، والتدمير من خلال الطيران. أما على الأرض، فقد انتقلت المقاومة إلى الهجوم، في كل الاشتباكات الصفرية، وتحمّل الشعب كل أهوال حرب الإبادة، ولم ترتفع راية استسلام واحدة.

2 ـ تصاعدت التظاهرات في كل مدن العالم، بما في ذلك في أمريكا، إلى مستويات لم يسبق أن وصلتها. مما فرض عزلة على ترامب، والكيان الصهيوني، وانعكس هذا، حتى على عدد من الدول الأوروبية.

3 ـ وبعد اتفاق وقف إطلاق النار، عقد ترامب مؤتمر شرم الشيخ، ليسجّل انتصاراً عالمياً. وكان في منتهى الهشاشة، وكان سيصاب بكارثة، لو أفشل الاتفاق، حين رفض نتنياهو، قائمة المفاوض الفلسطيني الأولى لإطلاق الأسرى. وقوبل بالعودة إلى الحرب، أو يتراجع.

المشكلة الثالثة هنا، أن موازين القوى، كانت ولم تزل، تسمح بعدم ترك مروّجي الهزيمة النفسية والسياسية، بسبب مئات الألوف من الشهداء والجرحى والدمار، بقبول أن يتحوّل اتفاق وقف إطلاق النار، إلى التزام من طرف واحد. ومن ثم أن يتطوّر الوضع في غزة، إلى ما وصله الآن، تحت التهويل، بما فرض علينا من تضحيات، وبسبب الخوف من عودة حرب، ما كان ترامب، بقادر على تحمّل نتائجها، ولم يزل. بل حتى العودة إلى حرب الإبادة، كان تكراره أصعب على ترامب والغرب.

كلمات دلالية