محمد جرادات
يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية على وقع الإرهاب اليهودي المنظم، وسط قصور إعلامي عربي وعالمي، مبعثه أزمة السردية الفلسطينية وخبث السردية الإسرائيلية، وكلاهما يتفقان على ما لا يُقال. والذي يُقال فلسطينياً مبعثه دعائي، في تكريس حصري لخطاب المظلومية، وهي مظلومية عميقة عمرها من عمر القضية الفلسطينية، وما قبل النكبة وتأسيس الكيان الإسرائيلي على أطلال الشعب الفلسطيني وكل شعوب الجوار العربي.
تستغل السردية الإسرائيلية عقم الخطاب الفلسطيني العالق في بكائية المظلومية، في وقت يتصاعد خطاب الكراهية الإسرائيلية، غير آبه بأدنى مظلومية حقوقية لأهل الأرض المنغرسين في طينها عبر الآباء والأجداد، وقد اختلط فيها عرق الفلاحين بعبق الزيتون وحقول القمح ومذاق بساتينها في مرج بن عامر.
يتصاعد الخطاب الإسرائيلي في التأكيد على الحق الحصري لليهود في كل فلسطين التاريخية، وخاصة أراضي الضفة الغربية، حتى اعتبر بيبي نتنياهو أن مستوطنة حومش تتساوى مع تل أبيب، وهي المقامة على أرض جبل القبيبات بين نابلس وجنين. وفيما يتنافس هو وخصمه نفتالي بينيت، ضمن البازار الانتخابي، على أيهما أكثر تطرفاً في دعم الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، فإن الخطاب الفلسطيني، ومن خلفه الخطاب العربي، عالق في سرداب النعامة التي حفرت عميقاً لتضع رأسها في سراب الرمال الساذجة، وهي تكرر نفسها منذ أُقيمت أم المستوطنات (ملبس/بيتح تكفا) على أضلاع عظامنا وأشجار برتقالنا سنة 1878 في سهول يافا، عروس البحر، وحيث كانت للعرب والمسلمين خلافة جامعة غافلة عن الخطر الصهيوني.
انتقلت سردية الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية من مظلة لواء الناحل، الذي أقامه مؤسس دولة الكيان دافيد بن غوريون ليضحك على ذقون العالم، ومعهم العرب، إلى سردية الحق التاريخي الصريح، من دون تنميقات وذرائع أمنية. والناحل هو اللواء العسكري الاستيطاني الذي دمج بين أولوية سرقة الأرض الفلسطينية وبين توفير الضمانات الأمنية لليهود القادمين من شتى أصقاع الأرض ليقيموا في كيبوتسات عمالية، بحيث يكون المستوطن مدنياً وعاملاً، ولكنه عسكري في الوقت ذاته.
جاءت هذه النقلة في سردية الخطاب الإسرائيلي، باعتبار الاستيطان في الضفة حقاً تاريخياً خالصاً، على أعتاب الفجور الإسرائيلي بالإعلان عن رؤية إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، قبل التعثر الإسرائيلي الأميركي في العدوان على إيران. وقد وجد نتنياهو نفسه، ومعه كامل كيان الاحتلال، وسط حروب عالقة عبر كل الجبهات التي أشعلها بعد السابع من أكتوبر 2023.
ما لا يُقال في الخطاب الفلسطيني والإسرائيلي:
يتفق الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، ومعه الخطاب الفلسطيني الرسمي، وإن من دون قصد غالباً، على تناول الإجرام اليهودي في الضفة الغربية وفق المشهدية التالية:
أولاً: تتفق السرديتان على أن الكيان الإسرائيلي مندفع نحو الاستيطان بشكل جماعي كاسح، في تعبير عن جانب قوة إسرائيلي يقابله ضعف فلسطيني شعبي، وهو اتفاق سردي يعزز نجاح المشروع الاستيطاني الراهن، باعتبار الفاعل طرفاً واحداً يفعل ما يريد. ولكن الحقيقة الغائبة أن هذا الاستيطان، في صورته الراهنة، تواجهه عقبات كبيرة ستفشله حتماً، وهي:
1- يعكس هذا الاستيطان أزمة إسرائيلية داخلية، حتى لو اتفقت الحكومة والمعارضة على منع قيام دولة فلسطينية واستباحة الضفة الغربية. والأزمة هنا تتعلق بتراجع الاندفاع الإسرائيلي الشعبي نحو الحرب ودوام المواجهة، وتميل غالبية الشارع الإسرائيلي حالياً نحو البحث عن الاستقرار الضائع. وهذا التشخيص الراهن تشخيص وصفي، وليس مبدئياً، وهو وصف لحال هذا الشارع، وليس تناولاً لواقع النخبة السياسية الإسرائيلية باعتبارها الصهيوني الصرف.
2- يتفق الإسرائيليون على مبدأ الاستيطان، ولكن قلة من الإسرائيليين تملك الاستعداد للإقامة الدائمة في مستوطنات الضفة الغربية، وهي قلة لا تتجاوز نسبتها 5% تقريباً من الإسرائيليين، فيما يدعمها من الإسرائيليين نسبة لا تزيد على 30% في أكثر الأحوال. يشير إلى ذلك اتساع نسبة الانشقاق في الشارع الإسرائيلي بين ليبرالي ومتدين، ثم بين متدين تقليدي حريدي وبين متدين “وطني” متطرف. فالليبراليون الإسرائيليون من اليمين، وليس اليسار فحسب، لا يعيشون في المستوطنات بأي حال، كما أن الحريديم يسكنون فقط في مجمعات شعبية مغلقة في القدس وتل أبيب.
عند التدقيق في شبكة الاستيطان في منطقة جنين، على سبيل المثال، والتي بلغت 18 مستوطنة وبؤرة ومشروعاً، بين قديم وجديد، فإن الواقع السكاني في هذه المشاريع الاستيطانية واقع هش. وإن كانت عمليات المصادرة للأراضي، وما يرافقها من هدم للمباني في جبع وجلبون وعرابة وسيلة الحارثية وغيرها، عمليات واسعة تأكل الأخضر واليابس، فإن العمق البشري الاستيطاني لا يتجاوز المئات، وتبين أن نسبة منهم تأتي من تل أبيب وحيفا والعفولة المجاورة للإقامة المؤقتة أو التظاهر السياسي، ليس إلا.
وعند النظر إلى استطلاعات الرأي التي تدور، في مجملها، طوال الشهرين الماضيين حول الأولويات الأمنية، ما يفيد قطعاً بتراجع الليكود، ومعه حزبا القوة اليهودية والصهيونية الدينية، وثلاثتهم محضن الاستيطان، وهم، من دون الكتل الحريدية، لا يمثلون في هذه الاستطلاعات سوى 34 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، في حال إجراء انتخابات الكنيست حالياً. إضافة إلى أن الليكود منقسم داخلياً بهذا الخصوص، فهو يضم بعض الليبراليين غير المتدينين، ولا يحتل الاستيطان لدى هذه الفئة أولوية ملحة، مقابل أولوية إنقاذ إسرائيل من العزلة العالمية التي دخلتها بعد حرب الإبادة على غزة. يعوض هذه النسبة جزئياً بعض أنصار نفتالي بينيت، بخلفيته الأيديولوجية المتطرفة، وإن كان يجاهر بضرورة إزالة البؤر الاستيطانية الرعوية، على سبيل المثال، ويميل إلى مراعاة حليفه الانتخابي الليبرالي يائير لابيد.
ولعل الرسالة التي وجهها اليوم 600 شخصية إسرائيلية إلى ترامب، وبينهم شخصيات اعتبارية وازنة، وهي تدور حول الإرهاب اليهودي في الضفة، تعكس بعض تحولات الشارع الإسرائيلي، وهي تحولات عميقة في الشعور بالخطر الأمني والسعي إلى الانكفاء لمعالجة جروح الداخل.
3- صحيح أن أزمة الداخل الإسرائيلي تجاه جرائم المستوطنين لا توحي بمشكل أخلاقي، ولا خلاف على دم الفلسطيني المستباح، ولكنها تختلف على الأولويات الظرفية بين الحق بالاستيطان اليهودي، ولكن تحت سقف نظامي يتعلق بالجيش والمنظومة الأمنية، ويتعلق أيضاً بالتمييز بين البؤر الرعوية، وهي نحو 160 بؤرة رعوية هامشية يمكن للقرى الفلسطينية أن تمنع وجودها، أو أن تسحقها بأدوات شعبية لو توفر الوعي بحقيقة قوتها وطبيعة بنيتها التحتية الهشة، وبين المجمعات الاستيطانية الراسخة، والتي تحميها مبانٍ وأسوار وميليشيات عسكرية مكتملة الأركان.
ثانياً: يتفق كلا الخطابين على تصوير هجمات المستوطنين باعتبارها هجمات لا تُقهر، وما على الفلسطيني إلا أن يختبئ في بيته وينتظر تدخل قوات الجيش الإسرائيلي لتحميه، بعد أن يكون قد حُوصر في بيته، وتم حرق مركبته وحظيرته ومسجده.
ثالثاً: يتفق كلا الخطابين على اعتبار أي عملية فلسطينية مدعاة لتوحش المستوطنين، وليست كابحاً لإجرامهم. وقد ظهر هذا الأمر بوضوح حتى عند كثير من النخب الفلسطينية غير المرتهنة للخطاب الفلسطيني الرسمي، والتي حرصت على تصوير الاشتباك في قرية تل باعتباره نيراناً صديقة بين المستوطنين وجيش الاحتلال. وقد نفت كثير من الأصوات، بدايةً، أن يكون الشهيد الشيخ فاروق رمضان هو من أطلق الرصاص على المستوطنين من سلاح المستوطن نفسه، بعد أن أطلق الأخير النار على أهله وأقاربه. وعندما ظهر المشهد على حقيقته، بدأت تأخذه بعيداً حتى عن حالة الدفاع عن النفس، في عملية تمييع للفكر المقاوم والشعور الفطري في التصدي للظلم.
رابعاً: لا يركز الإعلام الإسرائيلي، ومثله الفلسطيني، على انتشار شباب القرى الفلسطينية ليلاً، وتشكيل لجان حراسة في معظم القرى الفلسطينية، مثل بيت فوريك وبيتا وكفر قدوم وقفين وصرة وسنجل وكفر نعمة، وعشرات القرى التي يتأهب شبابها طوال الوقت لصد هجمات المستوطنين، حيث يتم تسليط الأضواء على جرأة المستوطنين في اقتحام حوارة وأم التوت ورابا وبعض القرى الهامشية. والهدف الإسرائيلي تعزيز حالة الخوف، بينما الهدف الفلسطيني تعزيز الشعور بالمظلومية.
تقدم السردية الإسرائيلية الإرهاب اليهودي الاستيطاني الراهن وفق خطة إسرائيلية محكمة، وهي مرتبطة بالمرحلة الظرفية الراهنة، وفق إيقاع العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة، واستثمار أصداء ما بعد السابع من أكتوبر 2023، وفق اعتبار النجاح الإسرائيلي في فرض حالة من الرعب الدموي في الشعور الفلسطيني. فيما تعلق السردية الفلسطينية في أصل المبدأ، من دون مراعاة التحولات والتطورات الظرفية، بشكل عزز السردية الإسرائيلية التي بلغت من الوقاحة مستوى عدم الاكتراث بالبكائيات الفلسطينية الرسمية في المنابر الدولية، لما هو فرض واقع وقواعد سلوك تصبح فيه صورة المستوطن فلاحاً يركب حماره ويدافع عن أرضه وأغنامه، فيما يظهر الفلسطيني خائفاً على بيته ومركبته، يختبئ في بيته ويناشد العالم التدخل لحمايته.
ليست الأزمة الفلسطينية هنا في ثقافة المقاوم أو ثقافة المهزوم، بقدر ما هي ضرورة تشريح الواقع الاستيطاني الراهن وفق حقائق الميدان، ما يخلق حالة من الوعي بطبيعة الميدان، وما يدفع الشارع الفلسطيني إلى الدفاع عن نفسه وفق هذه الحقائق التي تتيح له هزيمة هذا الإجرام الاستيطاني بأدواته الشعبية، حتى وهو منزوع الأنياب منذ سقطت القلعة في جنين قبل عام ونصف.
إضافة إلى أن هذا التشريح المطلوب للواقع الاستيطاني على حقيقته يضع الوسط الإسرائيلي، بما فيه اليميني غير المتطرف، في صورة المخاطر المحلية والداخلية والعالمية، وهي مخاطر لا تلبث أن ترتد في قلب المشروع الإسرائيلي، لأن المخطط الاستيطاني الإسرائيلي يحمل بذور فنائه في أحشائه التكوينية، وما على الفلسطيني إلا أن ينسجم مع نبض ترابه ليعزز صموده.