وسط شلال من الدماء التي تنزف في قطاع غزة يومياً جراء استمرار العدوان الإسرائيلي، وتقدم للحجر الأصفر ليلتهم المزيد من أراضي الفلسطينيين في قطاع غزة، ليشرد الآلاف من المواطنين من مساكنهم المدمرة، يخرج الساسة على العلن ليعلنوا عن "أخبار مفرحة لسكان القطاع المنكوب"، تأتي من العاصمة المصرية القاهرة بعد جولة لقاءات مع حركة حماس.
هذه الأخبار تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة، وكانت تدور محورها حول ردود إيجابية من حركة حماس حول مقترح المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف لتنفيذ خطة السلام في قطاع غزة، من شأنها أن تخفف الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعانيها المواطنون جراء حرب الإبادة.
لحلحة في ملفي السلاح والموظفين
سمير المشهراوي، نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة «فتح»، أكد في تصريحات متلفزة، أن الوفد القيادي لحركة «حماس» جاء إلى مفاوضات القاهرة بعزيمة وإرادة جادتين لإتمام الاتفاق ووضع الأمور في نصابها الصحيح هذه المرة.
وأوضح، أن هذه اللقاءات الثنائية والجهود المكثفة أسهمت في حلحلة الكثير من النقاط الخلافية، وتذليل العقبات نحو التوصل لاتفاق مرتقب.
وحول الخطة المكونة من 15 نقطة، كشف المشهراوي أنه تم إنجاز معظم بنودها، بينما بقيت بعض النقاط العالقة المتعلقة بالبندين 5 و8 الخاصين بملفي الموظفين والسلاح، لافتًا إلى أن حماس قدمت صياغات إيجابية وتنازلات مرنة، لافتاً إلى أن «البند المتعلق بالسلاح سيحل عبر صيغة إيجابية قدمتها حماس تقضي بتسليمه إلى جهة فلسطينية وليس لإسرائيل».
وأشار نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي إلى أنه في حال تم التوقيع خلال الأيام القليلة المقبلة في القاهرة، ستنطلق مرحلة جديدة تتضمن تحديد آليات وملاحق التنفيذ، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة الوطنية التي تحظى بتوافق الفصائل والسلطة والدول العربية والمجتمع الدولي.
كلمة السر
المحلل السياسي وسام عفيفة، أوضح أن الجديد في مفاوضات القاهرة ليس أن حماس قدّمت تنازلًا مفاجئًا، ولا أن إسرائيل أبدت استعدادًا معلنًا للتنفيذ، لكنه وفق معلومات متقاطعة من دوائر متابعة للمفاوضات، هو أن «كلمة السر» التي ظلت غائبة عن الجولات السابقة دخلت أخيرًا على الخط: موقف أميركي أكثر إيجابية من الصيغة الأخيرة لورقة ملادينوف، التي شاركت حماس والفصائل في تعديلها، واستعداد للانتقال من التفاوض على الكلمات إلى اختبار التنفيذ.
وبين عفيفة، أنه خلال الجولة السابقة، التي سبقت الانتخابات الداخلية لحماس، جرى حوار معمق وشاق حول خارطة الطريق التي صاغها ممثل مجلس السلام نيكولاي ملادينوف. لم تكن المفاوضات مجرد تبادل للمواقف؛ بل شهدت أخذًا وردًا وضغوطًا متواصلة، وأُنتجت خلالها صيغ متعددة بهدف الوصول إلى الحد الأقصى الذي تستطيع حماس والفصائل قبوله.
واستدرك :"لكن المشكلة لم تكن في ابتكار صياغات إضافية فحسب. السؤال الذي ظلت حماس تطرحه على الوسطاء كان أكثر وضوحًا: ماذا لو وافقنا على الورقة، حتى من دون تعديلات؟ هل تضمنون موافقة إسرائيل وتنفيذها، أم نصل بعدها إلى محطة جديدة تُطالب فيها حماس بمزيد من المرونة، بينما تواصل إسرائيل المراوغة؟"
ولفت إلى أنه بحسب المعلومات، بدأ التحول قبل نحو ثلاثة أسابيع، عبر قناة فلسطينية تتواصل مع الجانب الأميركي، يقودها رجل أعمال فلسطيني من الضفة الغربية. ونقلت هذه القناة إلى الحركة موقفًا أميركيًا إيجابيًا من ملاحظاتها الأخيرة، مضمونه أن واشنطن تراها قابلة للقبول، مع إمكان إدخال تعديلات نهائية تقود إلى الاتفاق.
ورأى عفيفة، أن هذا التطور لم يكن اتفاقًا مكتملًا، لكنه قدّم للحركة ما افتقدته في الجولات السابقة: إشارة إلى أن الصياغة الجديدة لن تبقى حوارًا فلسطينيًا مع الوسطاء، بل يمكن أن تحظى بغطاء أميركي يمهّد لتحويلها إلى أساس ملزم للتنفيذ.
وقال :" جاء ذلك بالتزامن مع الخطوة التي اتخذتها حماس في غزة بحل لجنة متابعة العمل الحكومي، وإعلان الاستعداد لتسليم الإدارة إلى اللجنة الوطنية. كانت الرسالة السياسية واضحة: الحركة تريد تثبيت أنها لا تتمسك بالحكم، وإزالة هذه الذريعة من مسار التفاوض. وقد رحّب مجلس السلام بالخطوة، وإن ربط الحكم عليها بالنتائج العملية، بينما بقي دخول اللجنة الوطنية إلى غزة متعثرًا بفعل الموقف الإسرائيلي."
وأشار إلى أنه خلال المشاورات اللاحقة بين حماس والفصائل، تبلورت مقاربات أكثر تحديدًا للملفات الخلافية. ففي ملف السلاح، جرى التمسك بمرجعية فلسطينية للمعالجة، وحذف أو تقييد مصطلحات فضفاضة، مثل «البنية التحتية»، خشية أن تتحول لاحقًا إلى مصيدة تفسيرية تتيح لإسرائيل توسيع مطالبها.
السلاح والموظفون
وأضاف:" أصبحت الصياغة محصورة في السلاح الثقيل والقدرات المرتبطة بتصنيعه وتجهيزه، مع طرح تخزينه تحت إشراف اللجنة الوطنية، بدل تسليمه لإسرائيل. وكانت تقارير سابقة قد أكدت أن مصطلح «البنية التحتية» شكّل إحدى أبرز عقد التفاوض."
أما ملف الموظفين، فرأى عفيفة أن الصيغة تتجه إلى إخراجه من دائرة المقايضة السياسية، والتعامل معه بوصفه مسألة قانونية وإدارية تُحسم وفق القوانين واللوائح الفلسطينية، سواء عبر استمرار الموظف في عمله، أو تسوية حقوقه، أو إحالته إلى التقاعد. كما تضمنت الصياغات الأخيرة إشارة إلى أفق سياسي فلسطيني مرتبط بحل الدولة، بما يمنع اختزال الخارطة في ترتيبات أمنية وإدارية داخل غزة.
واعتبر المحلل السياسي، أن التفاؤل الحالي لا يعني أن الاتفاق أصبح منجزًا. معناه الأدق أن هامش الخلاف الفلسطيني مع ورقة ملادينوف ضاق إلى حد كبير، وأن واشنطن باتت أكثر اقتناعًا بأن حماس والفصائل قدمت أقصى ما يمكن تقديمه للانتقال إلى المرحلة التالية. لكن هذا التفاؤل يظل مشروطًا بتحويل الموقف الأميركي من قبول الصياغة إلى ضمان تنفيذها.
وتابع:" بذلك تنتقل مفاوضات القاهرة من سؤال: «ماذا ستقبل حماس والفصائل؟» إلى السؤال الأهم: «هل تستطيع الإدارة الأميركية والوسطاء إلزام إسرائيل بالتنفيذ؟».
واعتبر أن الاختبار الحقيقي لم يعد في الصياغات، بل في تطبيق مبدأ التزامن: خطوة فلسطينية تقابلها خطوة إسرائيلية، واستكمال كل مرحلة قبل الانتقال إلى التالية. وإذا تحولت هذه القاعدة إلى ضمانات وجدول زمني وآلية رقابة، يمكن الحديث عن اختراق فعلي.
وأشار إلى أنه إذا بقيت الموافقة الإسرائيلية انتقائية أو قابلة لإعادة التفسير، فقد تتحول الإيجابية الراهنة إلى جولة أخرى من إدارة الوقت.
واختصر حديثه: "اقتربت حماس والفصائل من نهاية التفاوض على الورقة، لكن الاتفاق لن يبدأ فعليًا إلا عند اختبار التزام إسرائيل، وقدرة الضامنين على فرض التنفيذ. "