عندما نستعمل مصطلح "حرب فلسطين"، تحملنا الذاكرة إلى حرب عام 1948 وما سبقها من معارك وثورات، عندما خسر الفلسطينيون معظم أراضيهم لصالح المشروع الاستعماري المسمى "إسرائيل".
ومنذ تلك الحرب، أطلقنا على كل معركة اسماً خاصاً، من العدوان الثلاثي عام 1956 إلى "طوفان الأقصى" عام 2023. لكن حقيقة ما حدث هي أن "حرب فلسطين" مستمرة منذ وعد بلفور عام 1917 حتى أحداث اليوم في شمالي الضفة الغربية.
وما يحدث على الأرض هو أن العدو الاستعماري الذي يحتل فلسطين، والمركز الاستعماري الذي يدعمه، يقسمان مشروعهما إلى مراحل بحسب الأوضاع السياسية في المنطقة. ومع كل معركة يخوضانها، يتقدمان خطوة نحو أهدافهما المنشودة، ألا وهي الهيمنة على المنطقة وثرواتها، وقطع الطريق على أي تغيير محتمل للواقع السائد الذي يكرس هذه الهيمنة.
الاستيطان مشروع متواصل
إن الهجوم الاستيطاني المدعوم بجيش العدو على شمالي الضفة الغربية ليس حادثاً عابراً. وعلى الرغم من أنه يأتي في سياق الإجراءات المعتادة لحكومة اليمين المتطرف في الكيان، فإن توسيعه وزيادة عدد البلدات والقرى المستهدفة يحولانه إلى مخطط مدروس لقضم مزيد من الأراضي الفلسطينية.
وعبّر هذا المخطط عن نفسه بجلاء في اليوم التالي للمواجهات في بلدة تل، حين أقام مستوطنون أربع بؤر استيطانية في محيط البلدة ومناطق قريبة منها، بالتوازي مع دعوات أطلقها الإرهابي بتسلئيل سموتريتش إلى توسيع الاستيطان وتهجير القرى الفلسطينية.
لا شك في أن تزايد النشاط الاستيطاني يرتبط باقتراب موعد الانتخابات التشريعية في الكيان، لكن الركون إلى هذا التفسير مضلل وبعيد كل البعد من حقيقة ما يحدث على الأرض. فالمشروع الاستيطاني الصهيوني بدأ عام 1878 بإنشاء مستوطنة "بتاح تكفا"، التي توصف بأنها أول مستوطنة زراعية يهودية حديثة، ولم يتوقف منذ ذلك التاريخ.
ولن تُزال مستوطنة أو بؤرة استيطانية من الأراضي الفلسطينية، بصرف النظر عن هوية الفائز في الانتخابات، فالكل "الإسرائيلي" متورط في مشروع الاستيلاء على الأراضي وتهجير السكان. وأي محاولة لربط هذا المشروع بأحداث سياسية عابرة ليست سوى محاولة لإحباط أي جهد لمقاومته، وقد تصل، في بعض الأحيان، إلى حد التآمر.
"طوفان الأقصى" وتبدد وهم الأمان
على عكس التحليلات السائدة، فإن ما حدث منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تلاه من وحدة جبهات المقاومة التي استمرت خلال العدوان على إيران، لم يقتصر على شعور الكيان بتهديد وجودي لم يعرفه من قبل، بل أزال، وإلى الأبد، الشعور بالأمان الذي ساد داخله في ظل العجز العربي ووهم التفوق الصهيوني.
فدوائر الاستخبارات العالمية، التي بدأت التحقيق في فشل جيش العدو في التنبؤ بعملية "طوفان الأقصى" والتصدي لها، أصبحت تدور في حلقة مفرغة من التحليلات والدراسات المتعلقة بقوة حزب الله وصمود الجنوب اللبناني، وصمود إيران وتصديها الأسطوري للعدوان الصهيوني - الأميركي، واستراتيجية عمل حركة "أنصار الله" والجيش اليمني في التحكم بمضيق باب المندب، وتوجيه ضربات قاصمة إلى عمق مصالح تحالف العدوان.
وتبقى هذه الأسئلة كلها من دون إجابة. فكيف يمكن لأجهزة استخبارات العالم كلها أن تضع خطة للتغلب على اندفاع الشهيد فاروق رمضان، وانتزاعه سلاح أحد المستوطنين، واستخدامه في قتل ضابط وجندي من جيش مدرب ومسلح بأحدث الأسلحة والتقنيات؟
وكان فاروق رمضان قد انتزع سلاحاً خلال تصدي أهالي بلدة تل لهجوم المستوطنين، قبل أن يطلق النار، في مواجهة أسفرت عن مقتل ضابط وجندي إسرائيليين واستشهاد أربعة فلسطينيين.
المركز الاستعماري وخيار القوة
لكن الكيان لا يتصرف وحده، فقوى الاستعمار تقدم له كل دعم ممكن. والحديث هنا ليس عن الولايات المتحدة وحدها، بل عن دول المركز الرأسمالي التي لا تبخل على الكيان بأسلحتها وتقنياتها.
لقد تولدت لدى المركز الرأسمالي قناعة بأن كل ما قام به من حصار وعقوبات لم يستطع إيقاف رياح التغيير العالمي، التي تتقدم على وقع أزمة النظام الرأسمالي التقليدي، وأن كل ما تبقى في يده هو قوته الغاشمة التي استخدمها عبر التاريخ لقهر الشعوب والهيمنة على مقدراتها.
ومن هذه القناعة انطلقت الحروب الاستعمارية في أماكن مختلفة من العالم، من فنزويلا وكوبا إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن، وأخيراً إيران. وما جعل الحرب على إيران أكثر إجراماً وبشاعة هو الدور الذي تؤديه في دعم المقاومة من جهة، وتوحيد جبهاتها من جهة أخرى.
جبهة المقاومة والجغرافيا الاستراتيجية
بددت جبهة المقاومة حالة الاسترخاء الاستعماري التي سادت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية.
فللمرة الأولى منذ عقود، يجد النظام الرأسمالي نفسه في مواجهة جبهة مقاومة متحدة ضد مشاريعه. ومن سوء حظه أن هذه الجبهة تشكلت في منطقة تسيطر على جغرافيا سياسية هي الأهم في الصراع الدائر في عالم اليوم.
وفي مواجهة مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، أعد المركز الرأسمالي "الممر الاقتصادي بين الهند و"الشرق الأوسط" وأوروبا"، الذي يربط الهند بالموانئ الخليجية، ثم يمتد براً وبحراً نحو أوروبا، بهدف بناء مسار تجاري منافس للطرق التي تدعمها الصين.
مقاومة الحرب الوجودية
في ظل القلق الاستعماري على مشاريعه كلها، فإن الحروب لم تحدث بسبب سياسة هذه الدولة أو تلك، ولن تنتهي باتفاقية مؤقتة لوقف إطلاق النار هنا أو هناك.
يخوض الاستعمار حرباً وجودية، ولن يردعه عن الاستمرار فيها سوى مقاومة حقيقية قادرة على الصمود ورد النار بالنار، ومدركة، في الوقت نفسه، أن وجود الاستعمار نفي لوجودها. وعلى الشعوب والدول أن تتعلم الدرس من الشهيد فاروق رمضان، فتنزع السلاح من يد عدوها، وترده عليه في مقتل.