شريط الأخبار

اتفاق "السلام" بين اسرائيل ومصر ما الذي تغير بعد مضي ثلاثين سنة

01:32 - 04 تشرين ثاني / أغسطس 2009


 

اتفاق "السلام" بين اسرائيل ومصر

ما الذي تغير بعد مضي ثلاثين سنة *

بقلم: شلومو غازيت**

 

        في هذه الايام نحتفل بمرور ثلاثين سنة على توقيع اتفاق السلام بين اسرائيل ومصر. من المحقق أن هذه مدة كبيرة تسوغ التلخيصات والاستنتاجات. وجد من أملوا آنذاك في آذار 1979، ان هذا الاتفاق يبشر بعصر جديد في منطقتنا، وشق طريق تفضي الى تغيير أساسي لعلاقات اسرائيل بالعالم العربي الذي يحيط بها. لم يحدث ذلك. يسأل سؤال ما الذي تشوش؟ لماذا لم تتحقق هذه التوقعات؟

        اسمحوا لي أن أتقدم مباشرة الى التلخيص – لم يتشوش شيء. فمنذ البدء لم يكن لذلك أمل. الجواب موجود في مواقف الطرفين وتوجهاتهما. ان اتفاق السلام بين مصر واسرائيل لم يرتفع عاليا، والمسؤولية مطروحة على كاهلي الطرفين. برغم العنوان الرائع "اتفاق سلام" بين الدولتين، توصلنا الى وضع عدم حرب. استطاعت مصر أن تتبنى توجها مختلفا وسياسة مختلفة نحو اسرائيل، سياسة سلام ساخن حقيقي، سياسة تعايش. أمل الشعب في اسرائيل واراد سلاما بين الشعبين، وأمل ان يرى نهاية عصر العداء، بيد ان اسرائيل لم تكون قادرة على أن تفرض ذلك على المصريين. لم تنبع مبادرة الرئيس السادات من طموح الى السلام مع اسرائيل، فقد نبعت زيارته القدس من ارادته تغيير الاستراتيجية الوطنية والانتقال من جهد حربي الى جهد بناء الاقتصاد والمجتمع المصري، بيد أنه ما كان يستطيع فعل ذلك ما لم يعد سيناء الى مصر.

        ليست اسرائيل أيضا معفاة من المسؤولية. ففي السنين الثلاثين الماضية اتخذت قرارات في اسرائيل، وخطوات أسهمت في احداث العلاقات العكرة بين الدولتين، كانت هذه الخطوات مناقضة لأمل التعايش. مع ذلك أشك أن تكون النتيجة مختلفة حتى لو امتنعت اسرائيل من هذه الخطوات، ما لم تحل اسرائيل النزاع مع سورية ولبنان والفلسطينيين خاصة. وآنذاك ايضا اذا استطعنا تقدير ذلك، اقصى ما يمكن التوصل اليه علاقات تطبيع وتعايش بلا احتمال سلام ساخن. يمكن الاعتراف بحق كيان صهيوني في الوجود في قلب شرق اوسط عربي مسلم بعد مضي اجيال من السلام البارد والتطبيع فقط.

        تقدير شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) عشية التوقيع على الاتفاق

        عملت رئيس أمان زمن زيارة الرئيس السادات التاريخية لاسرائيل، وكان من عملي أن أعرض على الحكومة تقديرنا الاستخباري. منذ أن علمت نية الزيارة وجدت اختلافات في الرأي في أمان مع رئيس الحكومة مناحيم بيغن واعضاء المجلس الوزاري الحكومي المصغر. اختلفنا في أربع نقاط:

·        قدرنا أن مصر لن تسلم للاتفاق لا يشتمل على انسحاب اسرائيل التام وراء الحدود الدولية للانتداب البريطاني.

·   زعمنا أن مصر لن تسلم باستمرار وجود اسرائيل – العسكري او المدني – في سيناء منذ أن يطبق الاتفاق بين الطرفين.

·   قدرنا أن المصريين سيطلبون أن يكون اتفاق السلام الثنائي جزءا من اتفاق السلام الاسرائيلي العربي الشامل وأن يشتمل التزام اسرائيل على انسحاب عن جميع الحدود بين اسرائيل والدول العربية الجارة وفيها الساحة الفلسطينية.

·   اعتقدنا اخر  الامر انه لا أمل لتطوير علاقات قريبة بين الدولتين والشعبين ما لم تحل سائر مشكلات النزاع الاسرائيلي العربي.

تناولت النقطتان الاوليان سمات الاتفاق الثنائي، وتناولت الاخريان جملة العلاقات في المستقبل بين الدولتين. لاسفي الشديد كنا نحن في أمان على حق.

        موقف مصر

        لم تغير مصر علاقتها باسرائيل في اثر زيارة السادات او بعد التوقيع على اتفاق السلام. رفضت مصر الاعتراف بوجود اسرائيل على أنها دولة ذات سيادة في المنطقة. فمصر – كسائر الدول العربية – ترى اسرائيل نبتة غريبة من جهة دينية وحضارية ولغوية وسياسية. تعبر هذه العلاقة ايضا عن خوف من أن اسرائيل لها دور رأس الحربة للاستعمار الغربي الذي يريد السيطرة على الشرق الاوسط والعالم الثالث. الى ذلك لا يمكن تجاهل جيلين من الحرب في اسرائيل والهزائم العسكرية المذلة من قبل دولة اسرائيل الصغيرة، وعدم قدرة "جالوت" العربي على ان يهزم "داوود" الاسرائيلي.

        ميز تحفظ مصر واحجامها عن الاقتراب من اسرائيل جميع المستويات. فالرئيس مبارك الذي رأس الجهاز السياسي، امتنع من زيارة اسرائيل منذ تولى منصب الرئيس في سنة 1981. لقد تبنت القيادة المصرية كلها (لا القيادة السياسة فقط) سياسة القطيعة مع اسرائيل نفسها. والقطيعة الابرز والاكثر احداثا للاسف هي قطيعة الجهاز الاكاديمي في مصر.

        منذ وقع اتفاق السلام أعادت مصر سفيرها في اسرائيل مرتين. وخلال السنين مثل مصر في اسرائيل اكثر الوقت "مفوض". بمقابلته يعيش سفير اسرائيل في القاهرة في ظروف عزلة شبه تامة، من جهة سياسية واجتماعية ومادية.

        العلاقات الاقتصادية بين الدولتين تقام في ادنى مستوى. اذا تناولنا السياحة، فاننا لا نرى مصريين يزورون اسرائيل فضلا عن انه لا توجد سياحة "طرف ثالث" تقريبا. اي ضيوف اجانب يؤلفون بين زيارة الدولتين في اطار رزم زيارة لا يوجد اشد طبيعة منها.

        الاعلان المصري معاد لاسرائيل. لن نسمع ابدا رأيا ايجابيا في الموضوعات السياسية خاصة. بل العكس نجد ما لا يحصى من القصص المفتراة ترمي الى عرض اسرائيل والاسرائيليين بلون اسود قبيح.

        عرفت العلاقات بين الدولتين ارتفاعات وانخفاضات في السنين الثلاثين الماضية. عبرت هذه التطورات عن تغييرات حدثت في المنطقة، في مصر نفسها، وتأثرت بها وبالمواجهات الاسرائيلية في لبنان والساحة الفلسطينية بطبيعة الامر. مع ذلك لم نر في الفترات الاكثر هدوءا سخونة العلاقات سوى لفتات نظر رمزية، بلا أي نية لتغيير نظام العلاقات من الاساس. فضلا عن ذلك بقيت هذه الارتفاعات والانخفاضات دائما في المستوى الحكومي، بغير تأثير في الشعب المصري؛ ومع ذلك كله بقيت اتفاق السلام نفسه مستقرا، ولا نكاد نسمع دعوات الى الغاءه زمن ازمات في المنطقة ايضا.

        توجد ثلاث مجموعات في الجمهور المصري ترفض وجود اسرائيل من الاساس:

1.  المجموعة الاسلامية، التي ترى الشريعة في مركز الحياة المصرية. وهي ترى أن القاسم المشترك الديني يسبق التقدير المصري السياسي والبراغماتي.

2.     المجموعة الناصرية، التي تسعى توحيد عرب المنطقة كلهم وتحريرهم من الاستعمار الغربي ونهج الحياة الغربي.

3.  المجموعة التي تؤيد تفوق القومية المصرية وتسعى الى ان ترى مصر تقود شعوب المنطقة. وهم يرون ان مصر دفعت ثمنا باهظا بسبب سلامها المنفرد مع اسرائيل. عانت مصر أكثر من عقد مباعدة عربية عامة وخسرت طائفة من الادوار في مركز السياسة العربية.

لا ينبغي ان نعجب اذا من أن المجموعات الثلاث كلها تؤمن بأن علاقة مصر باسرائيل عائق عن طموحاتها الاقليمية.

        اعادت القاهرة  1982 سفيرها في اسرائيل ردا على حرب لبنان. وعين سفير جديد بعد ذلك باحدى عشرة سنة فقط في اثر اتفاقات اوسلو. وقد دعي مرة اخرى الى مصر عندما نشبت انتفاضة الاقصى في سنة 2000.

        تتناول دعوى اسرائيل الرئيسة الاعلام المصري الذي تسيطر عليه حكومة مصر سيطرة كبيرة. تصور اسرائيل في هذا الاعلام دائما في صورة مشوهة. والامر الجسيم على نحو خاص هو مسلسلات الدراما التلفزيونية التي يعرضها.

        لا تكاد توجد مشروعات اقتصادية مشتركة. والقلة الموجودة تكاد تعمل في ظروف عمل سري. ولا تدعى اسرائيل للمشاركة في مؤتمرات دولية، بل في معرض  الكتب المصري لا مكان لكتب من اسرائيل.

        اعتقل مواطن اسرائيلي والقي في السجن المصري مدة ثماني سنين بتهمة باطلة على أنه جاسوس؛ اختارت مصر التجاهل والامتناع عن عمل يقف تهريب وسائل القتال الى داخل قطاع غزة. وهم في اسرائيل على قناعة من أنه لو ارادت مصر منع التهريبات لاستطاعت منعها بلا ريب.

        ومع ذلك كله تدرك السلطة في القاهرة، التي تمتنع عن اثارة وتحريض الجماعات المسلمية المتطرفة التي تعرض نظام الحكم للخطر، ان من الحيوي لها أن تساعد في حل النزاع العربي الاسرائيلي. يفسر هذا مشاركة مصر في "المبادرة العربية" ونشاطها لوجدان حل لمواجهة اسرائيل لحماس في قطاع غزة.

    اسهام اسرائيل

    اسهمت اسرائيل ايضا في الوضع القائم. ومن الواجب أن نشير الى أربع "خطاياها".

        الاولى – لم تحقق اسرائيل توقعات مصر أن ترى اتفاق السلام الذي وقع بينهما مرحلة اولى وخشبة قفز لانجاز اتفاقات اخرى، بهدي من اتفاق اطار كامب ديفيد، الذي كان يرمي الى احراز اتفاق مع الاردن وسوريا والفلسطينيين أيضا.

        الثانية – قوة اسرائيل العسكرية، ولا سيما السلاح الذري الذي تملكه اسرائيل في تقدير المصريين، تهديد لا يحتملونه.

        الثالثة – أن اسرائيل خطت سلسلة من الخطوات الأحادية التي أحرجت المصريين وأضعفت موقف القاهرة في العالم العربي.

        وفي الختام – خطت اسرائيل خطوات مست بالكرامة المصرية.

 

اشتمل اتفاق مبادىء كامب ديفيد في 1978 على جزئين: تناول الجزء الاول مركبات اتفاق السلام الثنائي؛ وحدد الجزء الثاني اطارا لحل النزاع مع سائر الاطراف العربية. النقطة المهمة على نحو خاص في الجزء الثاني تناولت انشاء حكم ذاتي فلسطيني تام في الضفة الغربية وقطاع غزة. في حين كان يجب – بعد خمس سنين – التوصل الى حل متفق عليه للمشكلة الفلسطينية.

        لم تقصد حكومة السيد بيغن في مبدأ الثمانينيات الى دخول تفاوض حقيقي في السلام مع السوريين او الفلسطينيين. اقترح موقف الحكومة شيئا واحدا – "السلام" مقابل "السلام". والى ذلك أجاز رئيس الحكومة في الكنيست قرارا يضم هضبة الجولان كلها إلى اسرائيل، وكانت الرسالة من هذه الخطوة واضحة. وفيما يتصل بالفلسطينيين – أجرت اسرائيل حقا محادثات مع مصر والولايات المتحدة في منح "حكم ذاتي تام"، لكن ما اقترحته على الفلسطينيين كان "حكما ذاتيا لاشخاص" لم يشتمل على "حكم ذاتي مناطقي للفلسطينيين". استقال موشيه ديان، وزير الخارجية آنذاك من حكومة بيغن عندما تبين له أن بيغن لا ينوي التوصل الى اتفاق في القضية الفلسطينية. وبعد ذلك بقليل استقال للسبب نفسه وزير الدفاع عيزر وايزمن. وبهذا انقضى الجزء الثاني من اتفاق كامب ديفيد.

        ان قوة اسرائيل العسكرية الغالبية عامة والسلاح الذري الذي تملكه والذي يهدد مصر تهديدا وجوديا هما "خطيئة" اسرائيل الثانية. ففضلا عن أنه يوجد في ذلك مس بالكرامة المصرية فإن التهديدات الصادرة عن وزراء كبار في حكومة اسرائيل، والحديث عن تدمير سد أسوان وآثار السلاح الذري الذي تملكه اسرائيل في سباق التسلح الذري في المنطقة. تنشىء كلها مشكلة يصعب على القاهرة ان تعايشها.

        "خطيئة" اسرائيل الثالثة هي الخطوات من جانب واحد. فقد استقبلت هذه الخطوات وإن لم تقصد على أنها صفعة مهينة للمصريين. كانت خطوة اسرائيل الاولى بعد التوقيع على الاتفاقات من الفور هي الاقامة العاجلة للمستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة. كان تقدير الحكومة أن اسرائيل لن تستطيع الحفاظ على هذه المناطق إلا إذا أقامت فيها المستوطنات والمستوطنين. مع تولي الليكود السلطة بانقلاب 1977 كان عدد المستوطنين في المنطقة نحوا من 5 آلاف رجل وامرأة. بعد ذلك بثلاثين سنة زاد عدد المستوطنين بأكثر من 50 ضعفا، ويوجد اليوم فيها نحو من 280 الفا. كانت هذه رسالة سلبية للمصريين الذين توقعوا أن يروا مسارا مختلفا تماما. مسارا يفضي الى حكم ذاتي تام للفلسطينيين وإلى إنهاء النزاع بما يتفق مع اتفاقات كامب ديفيد.

        وكانت ثمة خطوة أخرى لاسرائيل هي حرب لبنان. فبعد اتمام اخلاء اسرائيل سيناء بشهرين فقط، وفي حين كانت مصر تؤمل أن ترى استمرار المسيرة السلمية في الساحات الاخرى، بدأت اسرائيل الحرب، وسيطرت على عاصمة عربية وطلبت من لبنان قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وجيش سورية. من وجهة نظر مصر، وعلى خلفية أزمتها في الساحة العربية العامة، وقعت اسرائيل على اتفاق السلام كي يمنحها حرية عمل في حدودها الشمالية.

        "خطيئة" اسرائيل الرابعة هي عدم حساسيتها لموضوع الكرامة المصرية. فقد أظهر رئيس الحكومة عدم حساسية زمن محادثات السلام، عندما سمى وزير الخارجية ووزير الوفد المصري "رجلا شابا". أهين أعضاء الوفد المصري حتى أعماق نفوسهم، وأمر الرئيس السادات باعادة الوفد من القدس من الفور وبإجماد المحادثات.

        بعد ذلك في آيار 1981 التقى مناحيم بيغن السادات في شرم الشيخ. كان ذلك قبل اسبوع من مهاجمة المفاعل الذري العراقي. لم يدرك رئيس الحكومة ماذا ستكون آثار هذا التوقيت. فقد ارتاب الرأي العام العربي بأن اللقاء كان يرمي الى أن ينسق مع القاهرة الهجوم وأن السادات بارك ذلك.

        بعد ذلك بعشر سنين تناول رئيس الحكومة اسحاق شامير في تطرقه الى مؤتمر مدريد، المحادثات مع السوريين والفلسطينيين، واعترف بأنه لا ينوي التوصل الى اتفاق البتة. انه مستعد للاستمرار على اجراء المحادثات الفاشلة في السنين العشر القريبة.

        بعد اتفاقات اوسلو، في أيام الأمل والتوقعات للمسيرة السلمية كرر مرة بعد أخرى وزير خارجية اسرائيل شمعون بيرس، المصطلح الذي صقه "الشرق الاوسط الجديد" واشار الى التعاون الاقتصادي الذي يخدم مصلحة الطرفين. رأى العرب هذه الاقوال برهانا على مؤامرة اسرائيل للسيطرة على العالم العربي بوسائل اقتصادية. بعد ذلك بقليل عقد المؤتمر الاقتصادي في الرباط، التي اغرقها مئات من رجال الاعمال الاسرائيليين، وكان ذلك برهانا آخر على نيات سيطرة اسرائيل.

        في الخلاصة، السلام البارد الذي يميز السنين الثلاثين التي مرت منذ وقع الاتفاق لا يجب أن يفاجىء أحدا. لم توجد ها هنا مسيرة سلام تشوشت. ان ما حدث منذ كانت متوقع مسبقا، ونبع من مواقف الطرفين الاساسية، ومن الفرق في رؤية الطرفين للسلام ومن سلوكهما في مرحلة ادارة التفاوض بينهما وفي السنين التي مرت منذ ذلك الحين. مع ذلك لا يمكن ألا نشير أيضا الى التوازن الايجابي في السنين الثلاثين الماضية – الى استقرار السلام، وقدرته على البقاء في فترات امتحان غير سهلة والى عدم ضغوط داخل مصر حقيقية لالغائه والعودة الى نهج الحرب.


* تقدير استراتيجي – المجلد 12  - العدد 1 – ايار 2009.

** جنرال احتياط، باحث رفيع المستوى في معهد ابحاث الامن القومي.

انشر عبر