شريط الأخبار

تقدير وضع اسرائيل السياسي – الاستراتيجي في 2008 – 2009*

01:22 - 04 تموز / أغسطس 2009

تقدير وضع اسرائيل السياسي – الاستراتيجي في 2008 – 2009*

أسس وثيقة قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية

بقلم: عيران عتسيون**

        خلفية ومنهجية

        نفذت وزارة الخارجية في الاشهر الاخيرة – لاول مرة في تاريخها – مشروعا وزاريا عاما لتقدير الوضع السياسي – الاستراتيجي. كان هدف تقدير الوضع هذا تعرف تطور اتجاهات محلية واقليمية وعالمية، وتقدير معانيها وصياغة توصيات للسياسة الخارجية الاسرائيلية.

        من اجل ذلك تم بناء منهجية هادفة، واقيم 17 فريقا عاما للاقسام، وعقد مؤتمر لثلاثة أيام، "مؤتمر وزارة الخارجية للسياسة والاستراتيجية". مع استكمال عملية ادماج نتائج المجموعات العامة، وتصفية أسس تقدير الوضع، بدأت عملية صياغة الأهداف العليا والاهداف الثانوية لوزارة الخارجية. تشكل الاهداف التي هي مشتقة مباشرة لتقدير الوضع، اساس صياغة خطط عمل أقسام الوزارة ومفوضياتها في الخارج. وفي نهاية الامر تمت ملاحظة عدة موضوعات حاسمة تقتضي تركيز جهد وزاري عام خاص في السنة القريبة، وتقدم في اطار مستقل تحت رقابة لصيقة لفريق تنقيح برئاسة المدير العام.

        الوثيقة العامة، وفيها تقدير الوضع، والاهداف وتركيز الجهود وزعت على القيادة السياسية – الامنية، ووضعت على طاولة الحكومة الجديدة.

        حاولنا اذ اتينا لتنفيذ تقدير الوضع الاول في وزارة الخارجية، ان نتعلم من تجربة الاقسام الامنية كالشاباك ومجلس الأمن القومي وشعبة التخطيط، وكذلك من تجربة وزارة الخارجية البريطانية. جعلت منهجية أقسام الأمن توكيدها – وبحق – لتعرف التهديدات الامنية الرئيسة والرد الأمني – العسكري على هذه التهديدات. يفترض أن تتعرف وزارة الخارجية، في اطار عملها كصائغة للسياسة الخارجية – الى تعرف التهديدات ذات الصلة في الساحة السياسية – الفرص السياسة ايضا، واحتمال تقديم علاقات متبادلة ومتشعبة اقتصادية وثقافية، وتوجيه جهود الدبلوماسية العامة ("الاعلام") ومساعدة الخارجية الاسرائيلية بحسب ذلك.

        بنى التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، الذي قاد المشروع، مخططا لنتيجة موحدة كانت اطارا لعمل الافريقاء، واشتمل على بناء صورة الوضع، وأسس التوجهات الاستراتيجية، وتعرف المصالح ذات الصلة، وتقدير سياسة اسرائيل، وتحليل الخيارات وتوصيات العمل.

        عندما صيغت مسودة اولى للنتيجة، التقى كل فريق جماعة نقد – "فريق مشوف"، الذي ألف من خبراء كبار في مجال الأمن والاستراتيجية. أسهم أفراد الفريق وجميعهم من ذوي الخبرة السياسية – الأمنية الكبيرة، اسهاما كبيرا في تركيز النتيجة وشحذ المفاهيم والتوصيات.

        بعد انقضاء نحو من شهرين من عمل الافريقاء، عقد في وزارة الخارجية "مؤتمر وزارة الخارجية للسياسة والاستراتيجية"، الذي اشتمل على ثلاثة ايام من المباحثات. في اطارها عرضت تقديرات الوضع لأناس رواد في الساحة الدولية، منهم وزير الخارجية الفرنسي، ووزير الخارجية الالماني السابق، ووزير خارجية السلطة الفلسطينية، والمدير العام لوزارة الخارجية في سنغافورة ورئيس التخطيط السياسي الفرنسي وآخرون. والى ذلك بحثت ادارة وزارة الخارجية برئاسة المدير العام أهارون ابراموفيتش في اليومين اللذين تلايا ذلك مع عاملي الوزارة ومع نحو من 15 سفيرا رفيع المستوى دعوا الى المؤتمر، جملة القضايا السياسية – الاستراتيجية في جدول العمل.

        ستعرض هذه المقالة مفاهيم مركزية من تقدير الوضع وذلك بسبب ضيق المساحة وبسبب القيود التي يقتضيها أمن المعلومات.

        أسس تقدير الوضع – الساحة الدولية

        فيما يتصل بالساحة الدولية – التي هي مجال العمل الطبيعي لوزارة الخارجية – أثير للنقاش التغييرات الرئيسة في النظام الدولي، كما يعبر عنها في الخطاب الدبلوماسي والسياسي – الأمني والاكاديمي، ولا سيما منذ أحداث 11/9 وتدبير المعارك العسكرية لمواجهة الارهاب في افغانستان والعراق.

        نلحظ اربعة انواع من التغييرات في الساحة الدولية، تؤثر كلها مباشرة في سياسة اسرائيل. الاول – تغيير علاقات القوة بين القوة العظمى الولايات المتحدة وبين القوى الصاعدة – الصين، وروسيا والاتحاد الاوروبي، وثم من يضيفون الهند أيضا. هذه القضية موضوع لعدد لا يحصى من المقالات والنقاشات داخل الاجهزة السياسية – الامنية في انحاء العالم وفي المجال الاكاديمي. بالرغم من انه لا يوجد اجماع عليها، ولا بين المختصين في اسرائيل ايضا، يمكن ان نشير بوضوح الى زيادة كبيرة في قوة "القوى الجديدة"، ولا سيما الصين والهند وروسيا. ثمة من يسمون نظام القوى المتشكل "متعدد الاقطاب" وثمة من يزعمون انه "غير قطبي" وثمة من لا يزالون يزعمون أن قوة الولايات المتحدة الحاسمة ستبقى وتحافظ على فجوة لا يمكن الجسر فوقها ازاء منافساتها، بالضبط كما كان الامر منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. ترى روسيا نفسها قوة تسير على نهج الاتحاد السوفياتي السابق، وبرغم التحديات الداخلية الكبيرة التي تواجهها، فانها تعمل في تعزيز مكانتها بازاء الهيمنة الامريكية. ان ازمة نصب نظم الدفاع الجوي في بولندا وجمهورية التشيك، وشكل ادارة الحرب في جورجيا ونتائجها، وكذلك "رواسب" ادارة بوش تجعل روسيا في موقف سهل نسبيا ازاء ادارة اوباما. فهذا من جهته سيحتاج الى قرار على استراتيجية عامة ازاء روسيا – على المحور بين المواجهة والمصالحة. ان سياسة اسرائيل تجاه روسيا ستحتاج الى استمرار حوار استراتيجي مع الطموح الى اخذ روسيا بالحسبان المصالح الاسرائيلية، ولا سيما في سياق بيع ايران وسورية وسائل قتالية.

        توجد من وجهة النظر الاسرائيلية بطبيعة الامر اهمية حاسمة لتعرف دقيق مبكر قدر المستطاع لهذه التوجهات، وصياغة سياسة خارجية اسرائيلية لا تلائم الوضع الحالي فقط، بل تسعى الى تموضع استراتيجي افضل لاسرائيل برؤية بعيدة الأمد. بالرغم من ان الولايات المتحدة ستظل حليفة اسرائيل الاستراتيجية الرائدة في المستقبل القريب، توجد اهمية كبيرة لتعميق علاقاتنا بالقوى الصاعدة. إن وجدان التوازن الصحيح الذي تسير بحسبه سياسة اسرائيل الخارجية في ساحة القوى الكبرى هو احد التحديات الرئيسة للسياسة الخارجية في السنين القريبة.

        يتصل التغيير الثاني في الساحة الدولية بمفهوم "القوة" – كان من المعتاد الى زمن قريب تقدير قوة الدول والجهاد الدولية بمفاهيم القوة العسكرية خاصة التي تسمى "قوة صلبة". في السنين الاخيرة، وكدرس من ساحات القتال في افغانستان والعراق، ونتيجة الصعود الحاسم للصين والهند، ازدادت حدة ادراك أن تقدير القوة يقتضي ادخال عوامل اخرى في الحساب اسمها العام "القوة اللينة". القصد الى القوة الاقتصادية، والتكنولوجية والدبلوماسية بل الثقافية، التي أخذ وزنها النسبي في جملة قوة الدولة يزداد. استعمل اخيرا مفهوم عام هو "القوة الذكية"، يفترض ان يؤلف في أحسن تأليف بين القوة الصلبة والقوة اللينة.

        يؤكد التفكير الاسرائيلي التقليدي "القوة الصلبة" تأكيدا كبيرا، ويميل الى عدم تقدير "القوة اللينة". وكذلك الأمر فيما يتصل بالتقديرات الاستخبارية، التي تميل بطبيعتها الى الناحية العسكرية – الامنية، وكذلك فيما يتصل باجراءات صياغة السياسة الاسرائيلية نفسها، التي ما تزال كما تعلمون تقودها الجهات الامنية. يجوز لنا ان نذكر ان تخصيص الموارد في اسرائيل يلائم هذه الصورة العامة ملائمة تامة. يكفي ان نذكر مساعدة الخارجية الاسرائيلية، وهي مورد رئيس في سياقات القوة اللينة، التي ينفق عليها بنسبة لا تزيد على 0.068 في المائة من ناتج اسرائيل العام (صحيح لسنة 2007)، بالقياس الى معدل الدول المتقدمة صناعيا الذي يقف على 0.46 في المائة من الانتاج العام (للسنتين 2006 – 2007). مع فرض ان اسرائيل التي بدأت مسيرة انضمام الى الدول المتقدمة صناعيا، ستطمح الى ان تساوي المعدل فان ميزانية مساعدة الخارجية الاسرائيلية ستضطر الى ان تزيد سبعة اضعاف. وميزانية تصدير الثقافة الاسرائيلية التي تقف على 18 مليون شيكل في السنة، مثل محزن آخر.

        لاحظنا في اطار تقدير الوضع ان الاستعدادات العالمية للنشاطات في مجالات القوة اللينة فرصة مهمة لاسرائيل. إن تفوقاتنا النسبية في مجالات التكنولوجيا الرفيعة، والزراعة والبحث والتطوير وفي مجالات مثل الطاقات المتجددة، الى جانب الاهتمام والتقدير الزائدين للثقافة الاسرائيلية على اختلافها، كما تعبر عنهما مسابقات دولية كثيرة، ذخر استراتيجي للسياسة الخارجية الاسرائيلية. يحتاج الى نشاط بين الوزارات، بمشاركة القطاع الخاص والجهات ذات الصلة، لتحقيق الطاقة الكامنة الكبيرة في القوة الاسرائيلية اللينة. نصبت وزارة الخارجية لنفسها هدفا هذا العام، في اطار ستة تركيزات الجهد، ان تختبر من جديد استراتيجية مساعدة الخارجية الاسرائيلية ، التي هي اداة رئيسة في تحقيق القوة اللينة. والى ذلك سيقوم التخطيط السياسي بمحاولة بناء مقاييس حديثة لتقدير القوة القومية على اختلاف عناصرها، في قصد الى انشاء ادوات محسنة لتقدير الوضع. ان الحاجة الى تعرف وتقدير معاني الازمة الاقتصادية العالمية من جهات نظر السياسة الخارجية حافز لهذه الجهود.

        التغيير الثالث في الساحة الدولية يتصل بأنواع اللاعبات في هذه الحلبة. اذا كان النظام الدولي قد صاغته في الماضي لاعبات سياسية، فقد حدث في السنين الاخيرة ازدياد مهم لوزن "لاعبات غير سياسية". وهي تقسم الى لاعبات "داخل دولة" مثل منظمات ارهابية، ومنظمات غير حكومية (ان جي اوز)، ولاعبات ليست دولة مثل شركات أعمال ولاعبات "فوق الدولة" مثل منظمات دولية واقليمية. تحتاج السياسة الخارجية الاسرائيلية الى صياغة تصورات وطرائق عمل جديدة تلائم الساحة المتغيرة. وذلك في الاساس للسياسة في مواجهة المنظمات الارهابية التي تعمل اليوم كشبيهات بالدول مثل حماس وحزب الله، لكن ازاء منظمات غير حكومية ايضا اقليمية ودولية. ان نمو علاقات اسرائيل بحلف شمال الاطلسي مثل ايجابي في هذا السياق، مثل جهد تطوير علاقاتنا بالاتحاد الاوروبي ايضا. ان التهديد دون الدولي الرئيس تمثله كما قيل آنفا حماس وحزب الله، اللذان يتصرفان على أساس مبادىء موجهة متشابهة (اكثرها بتأثير ملحوظ من ايران). في هذا الاطار تبرز محاولتهما الدائمة للطمس على كونهما "عنوانا" سياسيا يتحمل المسؤولية؛ وذوبانهما العسكري بين السكان المدنيين؛ واعتمادهما على منطق استنزاف الجبهة المدنية الداخلية الاسرائيلية (باطلاق القذائف الصاروخية المائلة المسار). هذه تمكن من "احباط" القدرة الاسرائيلية على تحقيق "الحسم السريع"، المطلوب بحسب التصور الامني الاسرائيلي، وجعل "الخسارة" العسكرية (والمدنية)، مهما تكن كبيرة "نصرا" استراتيجيا ولا سيما في ضوء ادراك فروق القوى بين الجانبين. يصبح التهديد اكبر كثيرا في ضوء كونه جزءا من نظام واسع ازاء لاعبات سياسية كايران وسورية اللتين تتمتعان ايضا بردع غير مباشر متصل لاسرائيل، وخفض الخطر عليهما كدولتين، ويمكن من التهديد بتوسيع المعركة وادارتها وقت الحاجة في جبهتين على الاقل (الشمالية والجنوبية) وان تتحديا قدرات اسرائيل اكثر فاكثر.

        يتناول التغيير الرابع جدول العمل الدولي: اضيف الى موضوعات الامن القومي "الكلاسيكية" مثل النزاعات على المناطق، في السنين الاخيرة موضوعات أمنية عالمية تتعدى الحدود، برزت منها قضايا مثل منع انتشار السلاح غير التقليدي، ومكافحة الارهاب. والى ذلك تحتل جدول العمل الدولي سلسلة أزمات وتحديات جديدة نسبيا، منها الازمة المناخية، وازمة الغذاء، وازمة الماء، وتطوير قارة افريقيا، ومواجهة امواج الهجرة من الدول النامية الى الغرب. هذه الموضوعات التي تسمى "برامج عمل جديدة"، تكمن فيها قدرة كامنة على توسيع جدول عمل السياسة الخارجية الاسرائيلية. اذا ادركنا كيف نوجه موارد مساعدة الخارجية الاسرائيلية، وجزء من موارد الدبلوماسية الاقتصادية الى هذه الموضوعات، فسنكسب فائدة كبيرة من الناحية الجوهرية (تصدير المواد الاولية الاسرائيلية) ومن ناحية الصورة، كاعضاء في عائلة الامم المتقدمة المتنورة. من المهم ان نذكر ان اسرائيل اليوم لا ينسب اليها نشاط مهم في هذه المجالات، بسبب قلة الموارد المخصصة لذلك وبسبب "سيطرة" جدول العمل الامني على السياسة الخارجية وعلى دبلوماسية اسرائيل العامة. يجب على السياسة الخارجية الاسرائيلية في هذا المجال ايضا ان تسعى الى توازن مناسب بين جدول العمل "القديم" والجديد.

        يمكن ان نلخص أسس تقدير الوضع المتصل بالتغييرات في الساحة الدولية اذا بكلمة "توسع". بالنسبة لعدد اللاعبات من القوى الكبرى، وبالنسبة لانواع اللاعبات الجديدة داخل الدولة، وبالنسبة للعناصر وتنوع القوى ذات الصلة، وبالنسبة لبرامج العمل الجديدة التي توسع جدول العمل العالمي. يقتضي هذا التوسع تطوير ردود دبلوماسية جديدة ومنوعة على امتداد الطيف – في مجالات الدبلوماسية المتبادلة، والمتشعبة، والعامة والاقتصادية وفي مجال المساعدة الخارجية.

        أسس تقدير الوضع – الساحة الاقليمية

        في الساحة الاقليمية، في محيطنا القريب في الشرق الاوسط، اختبرنا في اطار تقدير الوضع التهديدات السياسية – الاستراتيجية، والفرص السياسية، والمسيرة السياسية.

        في مجال التهديدات قامت ايران كالمتوقع على انها اللاعبة الرئيسة. إن استراتيجية الهيمنة الاقليمية التي تطورها ايران وتطبقها هي الصائغ الاستراتيجي البارز في منطقتنا. فالتهديد الايراني في ابعاده الاربعة – المشروع الذري، وتأييد الارهاب، ومحاولات تقويض نظم حكم عربية براغماتية، والتهديد العقائدي – اللاهوتي كل ذلك يقف وسيظل يقف في مركز جدول عمل سياسة الخارجية الاسرائيلية.

        تجري وزارة الخارجية في السنين الاخيرة معركة دبلوماسية واسعة من أجل احباط سياسي للمشروع الذري الايراني. هذه المعركة موجهة الى زيادة الوعي لخطر التهديد ومباشرته، ومعانيه الاستراتيجية البعيدة الامد، وضرورة عقوبات ذات شأن لايران شرطا لفاعلية الجهد الدبلوماسي. ستستمر هذه المعركة وبقوة اكبر في سنة 2009.

        ان تأييد ايران للمنظمات الارهابية في جبهات مختلفة (لبنان وغزة والضفة الغربية والعراق وغيرها) مصدر آخر للتهديد يقتضي – الى جانب الرد الامني – ردا سياسيا أيضا. منذ نشوب المعركة في العراق، زاد الوعي الامريكي والبريطاني والدولي لبعد التهديد الايراني هذا، لكن دولا كثيرة اخرى لا تنسب الى هذا النشاط الايراني الوزن المناسب. تعمل وزارة الخارجية في اثارة الموضوع في جدول العمل الدولي، مستعينة بقرار مجلس الامن 1747 الذي يحظر من جملة ما يحظر تصدير السلام الايراني.

        ان تأليب ايران السياسي على نظم عربية براغماتية مميز آخر لاستراتيجية الهيمنة الاقليمية التي تمس مسا غير مباشر بمصالح اسرائيلية ايضا. ان حقيقة ان ايران هي اليوم تهديد مشترك لاسرائيل وتلك الدول تكمن فيها قدرة كامنة مهمة للتعاون السياسي. فتأييد الدول العربية البراغماتية الواضحة للمسيرة السياسية مثل على ذلك. انظر مثلا تبادل الصفعات الكلامية بين ايران ومصر والسعودية على خلفية عملية "الرصاص المصهور" وتأييد ايران الواضح لحماس، ومحاولاتها شق المعسكر العربي والجامعة العربية.

        ان البعد العقائدي – اللاهوتي للتهديد الايراني هو الاقل استيضاحا وقد يكون الاكثر تعقيدا من جهة الرد المحتمل. ان سلب اسرائيل الشامل لشرعية وجودها، الذي يقف في اساس سياسة ايران يعتمد على اسس عقائدية عميقة، ويحظى بشعبية تزداد لا عند جماهير شيعية فقط بل سنية ايضا. الى جانب الولايات المتحدة (الشيطان الاكبر)،   تشكل اسرائيل (الشيطان الاصغر) مركز رئيسا للتحريض والتأليب بطرق مختلفة. مثلا تستعمل ايران استعمالا فعالا نوعا من "القوة اللينة السلبية"، التي تترجم ايضا الى "قوة صلبة"، مثل اعمال ارهابية لمنظمات ترعاها ايران بالهام من تلك العقيدة المتطرفة. تحتاج اسرائيل ازاء هذا التهديد المعقد المجرد الى تطوير رد مناسب يكون هو ايضا من عالم "القوة اللينة".

        قلنا آنفا ان مهمة وزارة الخارجية هي من بين الجملة، تعرف واستغلال الفرص السياسية. في اطار تقدير الوضع تمت ملاحظة عدة فرص مهمة. سأذكر ثلاث منها – تبلور معسكر عربي براغماتي ذي مصالح مشتركة (ولو جزئية) مع اسرائيل. ونجاح جهود امريكا لاقرار الوضع في العراق، ونافذة الفرص القائمة لاتفاق سلام مع سورية وتسوية مع المعسكر البراغماتي الفلسطيني.

        تلخص هدف اسرائيل الاستراتيجي في الساحة الفلسطينية (في 2008 – 2009) بالتوصل الى تسوية سياسية مستقرة مع السلطة الفلسطينية، بموازاة اسقاط سلطة حماس في قطاع غزة او اضعافها على الاقل. على خلفية الشقاق القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حصرت الجهود ازاء كل واحدة منهما على حدة. فالسياسة الاسرائيلية في الضفة انقسمت الى ذراعين: "مسيرة انابوليس"، التي لم تثمر اتفاقا دائما حقا، نجحت في الحفاظ على حراك سياسي ما في الساحة الفلسطينية وحظيت بتأييد دولي ومن قبل الدول العربية البراغماتية. بمقابلة ذلك استمر الجهد بمساعدة الجماعة الدولية، على تقديم بناء مؤسسات سياسية في الضفة وتحسين جوهري لحياة السكان الفلسطينيين اليومية. وذلك مع الاصرار على تطبيق الالتزامات الفلسطينية الامنية ومنع حماس من ان تؤسس لنفسها في الضفة ايضا.

        كان الهدف الرئيس ازاء غزة منع الارهاب واطلاق الصواريخ من داخل القطاع، مع الحفاظ على موقف النظام الدولي في شأن "شروط الرباعية الثلاثة" شرطا لكل اعتراف وشرعية لحماس. افضى عدم تجديد اتفاق التهدئة في كانون الاول 2008 وتوسيع حماس لنقض الاتفاقات، الى عملية "الرصاص المصهور". قرر تقدير الوضع انه يجب تعزيز نتائج القتال لتعزيز الردع الاسرائيلي، ولتثبيت هدوء امني مستقر دائم مع الامتناع عن "تسوية" مع حماس وزيادة الجهود لمنع تعزيزها عسكريا. في هذا السياق اوصي بتعزيز الدور المصري والدولي المتعلق بمنع التهريب، ومساعدة الجهد الدولي لمنع أزمة انسانية في القطاع والتخفيف عن السكان. على نحو لا يترجم الى تعزيز حماس وبالتعاون مع مؤسسات السلطة الفلسطينية.

        ان اشتراك اسرائيل ومصر وعدد من الدول العربية اشتراكا جزئيا في المصالح ليس ظاهرة جديدة. فقد عبر مؤتمر مدريد ومسيرتا اوسلو وانابوليس بعد ذلك عن تأييد هذه الدول للمسيرة السياسية بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وسوريا. العامل الجديد في هذه المعادلة هو تحدد الشعور بالتهديد الايراني عند الدول البراغماتية. هذا الشعور الذي عبر عنه سرا في السنين الاخيرة، يندفع خارجا بقوة كبيرة بتصريحات معلنة لا مثيل لها فيما مضى من قبل زعماء عرب. لا شك ان هذا الوضع فرصة سياسية مهمة لاسرائيل، حتى وان اتضح ان العوائق المعروفة التي قامت في وجه التعاون الاسرائيلي العربي لم تُزل.

كانت الساحة العراقية في الماضي مصدر تهديد كبير لاسرائيل ومنذ بدء المعركة الامريكية في 2003 غيرت صورتها وأصبحت ساحة شيعي – سني، وامتحانا استراتيجيا لسياسة محاربة الارهاب التي قادها الرئيس بوش. في السنين الاخيرة حسم كثيرون احتمالات نجاح هذه المعركة. واصبح واضحا اليوم ان الولايات المتحدة قد عرفت استخلاص دروس عملياتية وانشاء احتمال حقيقي لاستقرار وضع طويل في هذه الساحة المعقدة. ان انجازات الحرب تحدث فرصة للتغيير الايجابي وراء حدود العراق ايضا. ولانشاء احلاف جديدة ولقاء مصالح بين الولايات المتحدة والعراق في "اليوم الذي يلي" خروج القوات الامريكية، ودول أخرى في المنطقة وربما اسرائيل أيضا.

        توجد فرصة مهمة كما قيل آنفا ايضا في شأن جارة العراق من الغرب – سورية إن نظام بشار الاسد الذي عرف كيف يناور بين المعسكر المتطرف والبراغماتي، يلمح منذ وقت الى رغبته في التقارب مع الولايات المتحدة ومفاوضة اسرائيل في السلام. لحظت حكومة اسرائيل المنصرفة هذه الفرصة وبدأت "محادثات تقارب" مع سورية بتوسط تركيا. التغير المتوقع لسياسة الولايات المتحدة من سورية، وله صلة بعملية الخروج من العراق ويساوق أيضا توجه التدخل، قد يحدث فرصة لتغيير سورية لسياستها على نحو يمكن من استنفاد المفاوضة السلمية مع اسرائيل. فيما يتعلق بمصالح اسرائيل في مسيرة تفاوض من هذا القبيل، يتبين أنه بخلاف جولات سابقة لن يكون من الممكن الاكتفاء بمباحثة متبادلة، وسيحتاج الى استيضاح عميق محقق للاستراتيجية السورية في سياق اقليمي شامل، ولا سيما مستقبل علاقاتها بايران وبحزب الله وبحماس أيضا وسائر المنظمات الارهابية الفلسطينية.

        كان من حظي أن أشارك في المفاوضة الاسرائيلية – السورية في "واي بلانتيشن" في 1969. قال آنذاك رئيس الوفد السوري وليد المعلم، الذي أصبح اليوم وزير الخارجية، أنه برؤية بعيدة الأمد الخيار الاستراتيجي القائم أمام سورية هو حلف مع إيران او حلف مع الولايات المتحدة. يبدو أنه في السياق الجغرافي – السياسي الحالي سيحتاج الى حسم سوري واضح.

        يمكن بتحليل الساحة الاقليمية اذا أن نلحظ توجها يعاكس ذاك الذي لحظ في الساحة الدولية. فبازاء توجهات التوسع التي تميز تلك الاخيرة، يلحظ في الشرق الاوسط شبه توجه الى "التقليص" والاحتشاد حول مركز رئيس هو إيران. وذلك برغم أن ذلك الأمر لا يشهد "بتقليص" التهديد لاسرائيل، لان تهديد الذرة وانشاء "المحور المتطرف" حول ايران، مع عناصره المتناسبة وغير المتناسبة، وسع بالفعل "سلة" التهديدات الأمنية حول اسرائيل.

        ثم مميز مهم آخر للساحة الاقليمية في السنة القريبة هو "كونها سنة انتخابات" – فبعد الانتخابات في الولايات المتحدة واسرائيل تتوقع انتخابات (في شهر حزيران) في لبنان وايران، وبعد ذلك في افغانستان (في آب)، وفي العراق (في كانون الاول)، وفي النهاية – اذا اجريت كالمخطط – في السلطة الفلسطينية (كانون الثاني 2010).

        تركيا هي لاعب اقليمي آخر يؤسس مكانته في المنطقة في السنين الاخيرة. وهي ما تزال شريكا

استراتيجيا مهما لاسرائيل، برغم تصعيد توجهها السياسي والعام من اسرائيل، ازاء عملية "الرصاص المصهور" – وهو تصعيد أخذت اثاره تفتر وفي المدة الاخيرة، مع عودة العلاقات بالتدريج الى اطارها السليم. تركيا قوة اقليمية متقدمة وذات قدرات رئيسة ازاء الساحات الاقليمية – العراق وايران وسورية وازاء التحدي الذري والارهاب. لتركيا دور رئيس أيضا في قضية ايران، وان تكن جملة مصالحها مع طهران تملي سلوكا حذرا و "محايدا". في مدى الوقت القصير والمتوسط ستظل تركيا هدفا للتصدير والتعاون الأمني الاسرائيلي أما في الأمد البعيد فان مشروع "ممر البنى التحتية" قد يصبح قاعدة لرفع العلاقات باسرائيل. إن طاقة تقديم العلاقات المشتركة بين الثلاثي اسرائيل – تركيا – الولايات المتحدة قد تتسع في فترة ادارة اوباما. ينبغي تقوية المستوى المدني للعلاقات، وتعميق الحوار السياسي وتوسيعه الى مجالات اخرى بل اختبار امكانات لمساعدة تركيا للاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية.

 

        خلاصة – خطوط موجهة لاستراتيجية اسرائيلية محدثة

        بعد تعرف التهديدات وعلى رأسها التهديد الايراني في جميع جوانبه، والفرص وعلى رأسها تكون معسكر عربي براغماتي ازاء هذا التهديد، يحتاج الى استراتيجية سياسية اسرائيلية تشتمل على أفضل رد على التهديدات وعلى استغلال حكيم للفرص، مع تطوير الموارد ذات الصلة العتيدة (الموارد "التقليدية" مثل الميزانية والقوة البشرية، وكذلك أيضا موارد أصلب للتكميم مثل تنبه القادة في الساحة الدولية، والقدرة على صوغ شرعية وتأييد اقليمي ودولي لاجراءات اسرائيل وغير ذلك).

        نرى أن الاستراتيجية السياسية الاسرائيلية يجب ان تعتمد على ركيزتين – ركيزة الردع وركيزة التسوية.

        ازاء ايران وسورية واللاعبات في ضمن الدولة مثل حماس وحزب الله والجهاد الاسلامي واشباهها، يحتاج الى سياسة تقوم على ردع صادق متصل.

        إن ردع إيران عن تحقيق استراتيجية الهيمنة الاقليمية على اختلاف عناصرها، ولا سيما فيما يتصل بالبرنامج الذري العسكري، هو التحدي الرئيس لجماعة الدول المسماة "ذات العقلية المتشابهة" وعلى رأسها الولايات المتحدة وفيها اسرائيل ايضا.

        إن مصطلح الردع كما تعلمون مشحون ومركب، فكيف يكون في سياق منظمات إرهاب ولاعبات في ضمن الدولة. هذا أحد التحديات الكبيرة التي تواجه صاغة السياسة لا في اسرائيل فحسب بل في الولايات المتحدة وفي جملة الدول التي تحارب الارهاب. برغم الصعوبة الكبيرة لاحداث الردع في هذه الحالات والحفاظ عليه، لا بديل فعليا يستطيع جعل ذلك غير محتاج اليه.

        يحتاج الى جانب الردع كما قلنا آنفا الى استراتيجية تسوية موجهة الى احداث تغيير اساسي بعيد الامد في سياسة الطرف المقابل. تقتضي هذه الاستراتيجية صوغ اطار سياسي يكون مقبولا على اسرائيل والولايات المتحدة وقوى ذات صلة أخرى، وبعض الدول العربية البراغماتية على الأقل.

        إن الأطر السياسية القائمة (وفيها تفاهمات مدريد، واتفاقات اوسلو، وخريطة الطريق، ورسائل الرئيس بوش، والتفاوض الذي تم في اطار "مسيرة انابوليس"، وكذلك عناصر من "المبادرة العربية") هي قاعدة ممكنة لصوغ استراتيجية تسوية اسرائيلية محدثة ملائمة، ازاء دول مثل سورية وربما لبنان أيضا، وازاء الجهات البراغماتية في الساحة الفلسطينية أيضا.

        إن الساحة الفلسطينية المنشقة – جغرافيا وسياسيا – تشكل شبه عالم مصغر يشتمل على تهديدات وعلى فرص أيضا، وسيظل يقتضي استراتيجية ثنائية تؤلف بين ردع حماس والمنظمات الارهابية، والسعي الدائم الى تسوية مع عناصر منظمة التحرير الفلسطينية البراغماتية برئاسة أبي مازن. إن النتائج المباشرة لعملية "الرصاص المصهور" واضعاف حماس من جهة، والنجاحات الاولى التي تسجلها عملية بناء قوى الأمن والمؤسسات الفلسطينية في يهودا والسامرة من جهة أخرى، تنشىء قاعدة لصوغ استراتيجية محدثة.

        إن التوازن والتقسيط بين البعد الردعي وبعد التسوية، والمصالح والاوليات بين التحديات والساحات المختلفة، واحداث تنسيق في الحد الاقصى مع ادارة اوباما وقوى اخرى، واستنفاد الفرص مع الدول العربية البراغماتية – كل اولئك الشروط الاساسية لصوغ استراتيجية اسرائيلية اقليمية ودولية. إن تقدير وزارة الخارجية للوضع يقدم رسما للتهديدات والفرص، ويقترح خطوطا لسياسة خارجية اسرائيلية محدثة ازاءها. مع بدء ولاية حكومة اسرائيل الجديدة سيبدأ تنفيذ تقدير الوضع السنوي 2009 – 2010، مع استخلاص الدروس في مجالات المنهجية والمضمون. تعلمنا من تجربة وزارة الخارجية البريطانية أن قيمة تقدير الوضع تزيد من سنة الى سنة، مع تراكم التجربة واستيعاب المنهج وطرائق التفكير في وزارة الخارجية وفي الجهاز السياسي.


* تقدير استراتيجي – المجلد 12- العدد 1 – ايار  2009.

** رئيس التخطيط السياسي في وزارة الخارجية. عمل نائب رئيس مجلس الامن القومي في السينين 2005 – 2008.

 

انشر عبر