في زمنٍ مقتطع من حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وفي مكانٍ مجتزأ من بحر الخيام والركام الممتد على مساحة القطاع، عُقد اللقاء الذي جمعني بثلاثة زملاء من الفئة السياسية المثقفة. ننتمي، نحن الأربعة، إلى فصائل فلسطينية مختلفة ومؤثرة ميدانياً وسياسياً، وتجمعنا تجارب حياة متشابهة في مسارات الدراسة والعمل والنضال والأسر.
وكان اللقاء بمبادرة زميل خامس غاب عنه لمشاركته في جنازة ودفن أحد أقاربه، الذي كان قدره أن يستشهد اغتيالاً فجر يوم اللقاء مع بعض أفراد أسرته داخل خيمتهم. فاقتصرت مشاركته على تحديد عنوان اللقاء: "كيف تسهم فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية في تجاوز الكارثة الإنسانية في غزة ومأزق المشروع الوطني في فلسطين؟"، وتحديد أرضية النقاش بمقال سابق لي بعنوان "الأولويات الوطنية الفلسطينية بين الطوفان والتحرير".
كان هدف اللقاء واضحاً، ويتمثل في وضع خريطة طريق وطنية لتجاوز الكارثة والمأزق. أما خلفيته، فكانت أكثر وضوحاً، وتجسد خلاصة البؤس المولود في الحرب والمغروس منذ ولادة كيان العدوان والاحتلال والحصار. وأول مظاهر البؤس كان المقهى الذي عُقد فيه اللقاء، بمكوناته المتواضعة وترتيبه العشوائي من ألواح الخشب وأقمشة الشوادر والكراسي البلاستيكية.
وثاني مظاهر البؤس كان خلفية المقهى، بالصورة والصوت والرائحة. فالصورة مكونات لوحة قائمة من خيام النازحين وأنقاض البيوت وبؤس الوجوه، والصوت أخلاط ضجيج مرهق من أزيز "الزنانة" وجلبة السوق وصخب النازحين، والرائحة مزيج من روائح عفن المياه ودخان النار وبخار الطبخ. وزاد طين البؤس بلةً اشتداد حرارة الصيف القائظ مطلع تموز/يوليو، ولم يبقَ إلا لسعات الذباب المطوّر والحشرات الغريبة لاستكمال مشهد بؤس الخلفية وكآبة السياق.
من الحوار الهادئ إلى الجدل الحزبي
لهذا الهدف الوطني، وعلى هذه الخلفية البائسة، عُقد اللقاء. وبصحبة مذاق ارتشاف فناجين القهوة السادة، بطعمها المر كمرارة طعم الحرب، افتتحنا الكلام. فبدأ الحديث حواراً هادئاً ومتزناً وموضوعياً، وانحدر الحوار الهادئ في منتصفه إلى نقاش ساخن ومشدود ومنحاز، ثم تردى النقاش الساخن في نهايته إلى جدل صاخب وانفعالي وحزبي.
وكان هذا التحول في الحديث، من الحوار إلى الجدل مروراً بالنقاش، مرتبطاً بتحديد مسؤولية الفصائل الفلسطينية عن إدارة الصراع مع العدو، وواقع الكارثة والمأزق، والدور المطلوب منها لتجاوزهما واستئناف المشروع الوطني الفلسطيني. وعند هذه النقطة تحديداً، وبعيداً عن نتائج اللقاء، استنبطت نتيجة أكثر أهمية، وهي إشكالية الفصائل الفلسطينية بين مفهومي الشعب والقبيلة.
تضخم "الذات الحزبية"
تكمن إشكالية فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، بمرجعياتها الفكرية المختلفة، الإسلامية واليسارية والوطنية، في أنها، إجمالاً ومع طول أمد الصراع الخارجي والخصومة الداخلية، تضخمت لديها "الذات الحزبية" على حساب "الذات الوطنية". فبدأت تفكر وتتصرف باعتبارها "قبيلة سياسية"، تعتمد على رابطة "العصبية"، مع استبدال "عصبية الدم" في القبيلة الجاهلية بـ"عصبية الحزب" في القبيلة السياسية.
وكلاهما يقوم على مبدأ "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، وهو المبدأ الذي يلغي وجود الفرد لصالح الجماعة، أي القبيلة أو الحزب، فتمحى شخصيته ويُطمس رأيه، وتذوب شخصيته ورؤيته في شخصية القبيلة ورأيها، بعصبية الدم أو الحزب، أو بالأحرى في شخصية أولي الأمر فيها ورأيهم، حتى لو كانت القبيلة الجاهلية أو السياسية مخطئة أو ظالمة.
والبديل عن نمط التفكير والسلوك بمنطق ومفهوم "القبيلة" لدى فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية هو أن يكون الأصل في التفكير والسلوك منطق ومفهوم "الشعب"، سواء عبر تغليب "الذات الوطنية" على "الذات الحزبية"، أم تقديم "المشروع الوطني" على "المشروع الحزبي"، أم التراجع عن وهم أن الفصيل هو الشعب والثورة، إلى حقيقة أنه أحد مكونات الشعب والثورة.
أو، على الأقل، العمل بمبدأ "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" وفق المنهج الإسلامي الذي رسمه الرسول، صلى الله عليه وسلم، عندما أوضح طريقة نصرة الأخ الظالم بقوله: "تحجزه أو تمنعه من الظلم". ويُستنبط من ذلك المسؤولية الجماعية والمشاركة الفاعلة في عمليات المراجعة والتقييم والنقد الذاتي وتصويب الأخطاء وتقويم الانحرافات، وصولاً إلى فضيلة الاعتراف بالخطأ وتحمّل مسؤولية الفشل.
حين يتحول التنظيم إلى غاية
من تداعيات إشكالية رؤية الفصيل لذاته الحزبية بمنطق ومفهوم "القبيلة"، لا "الشعب"، أنه يحصر نفسه في دائرة "التنظيم" الضيقة والمغلقة على هوية حزبية متمايزة عن الهوية الوطنية.
وهي دائرة يتمحور مركزها حول الحفاظ على وجود التنظيم وكيانه السياسي ومصالحه الحزبية، ليتحول التنظيم، بوجوده وكيانه ومصالحه، إلى ما يشبه كرة الثلج التي تتضخم مع تدحرج الزمن، فتأكل من مكانة الذات الوطنية والمشروع الوطني في الخريطة المفاهيمية للعقل الجمعي للفصيل.
وبذلك، تتحول الوسيلة، أي الهيكل الإداري والتنظيمي للفصيل السياسي، إلى هدف بحد ذاته، بخلاف الأصل الذي يكون فيه التنظيم أو الفصيل مجرد أداة ووسيلة لإنجاز المشروع الوطني الفلسطيني، بأهدافه في التحرير والعودة والاستقلال. ولذلك، فإن الأصل هو "المشروع"، لا "التنظيم"، تماماً كما أن الأصل هو "الشعب"، لا الفصيل أو "القبيلة".
من "النخبة" إلى "الطليعة"
إن إشكالية تكريس مفهوم "القبيلة" ببعده السياسي والحزبي لدى الفصائل الفلسطينية تؤدي إلى تكريس مفهوم "النخبة" في العقل الجمعي لأعضاء الفصيل، باعتبارهم جماعة مختارة من الشعب، ومميزة عنه، ومتميزة عليه. فتظن أنها الأكثر فهماً ووعياً وبصيرةً من جماهير الشعب، وتعتقد أنها الأرقى مكانةً ودوراً وأهمية من عامة الناس. وقد تخدعها أوهامها بأنها "الفرقة الناجية" و"الطائفة المنصورة" بالمحدد الديني التكفيري، وقد تضلّلها خيالاتها بأنها "الثورة الوحيدة" و"الثائر الأخير" بالمحدد الوطني الإقصائي.
والبديل الأصلي من مفهوم "النخبة" هو مفهوم "الطليعة"، المنطلق من مفهوم "الشعب"، باعتبار الطليعة قادمة من صفوف الشعب وجزءاً منه، وتتقدمه عند التضحيات والمغارم، وتعاني أوجاعه وآلامه نفسها، وتحمل أحلامه وآماله نفسها، وتوحد الشعب والأمة ومستضعفي العالم حول فلسطين، القضية والشعب والمقاومة.
وهم "الثائر الأخير"
إن إشكالية تكريس مفهوم "القبيلة" تغرس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في العقل الجمعي الفصائلي نظرية "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" بنسختها الفلسطينية: "نهاية الثورة والثائر الأخير". فيستعذب هذا العقل الفكرة النرجسية القائلة إن "الفصيل هو أفضل ما أبدعته الثورة الفلسطينية، ومحطتها الأخيرة قبيل التحرير والعودة والاستقلال، وبغياب الفصيل تنتهي الثورة ويتوقف مشروع التحرير".
وهي فكرة مضللة ومناقضة لحركة المجتمع والتاريخ، ولا سيما قانون التدافع وسنة الاستبدال داخل الثورة الفلسطينية، وكل جماعة وشعب وأمة، وبين الأمم. وهي أيضاً الفكرة الحزبية التي تستدرج معتنقيها إلى ظواهر مرضية لا نهاية لها، منها تضخيم الذات، وتصغير الآخر، والاستعلاء الحزبي، وقصور الإدراك، وعمه البصيرة، وتيه الاستشراف. وتنتهي بمرض عضال في الفكر والعمل، وتؤدي إلى خلل مزمن في التفكير والسلوك، اسمه الحقيقي "الغباء الاستراتيجي".
العودة إلى منطق الشعب
الخلاصة أن عودة الفصائل الفلسطينية إلى دورها السابق والحقيقي، بوصفها مكوناً مركزياً للحركة الوطنية الفلسطينية، وحاملاً رئيسياً للمشروع الوطني الفلسطيني، وفاعلاً أساسياً في نضال الشعب الفلسطيني، ولاعباً قائداً في المقاومة الفلسطينية، ترتبط بالوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس مشروع المقاومة والتحرير. وقبل ذلك أو بعده، ترتبط هذه العودة بالرجوع إلى نمط التفكير والسلوك بمنطق "الشعب"، بالمفهوم الوطني الوحدوي، شعباً وقضية ومشروعاً وحركة ومقاومة، لا بمنطق "القبيلة" بالمفهوم الحزبي التفسيخي.