لم يعد من الممكن تسمية ما يحدث في قطاع غزة من عمليات اغتيال وقصف وتدمير وتوسيع لمناطق السيطرة الإسرائيلية مجرد خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع منذ ما يقارب عشرة أشهر؛ إذ إن حجم العمليات الإسرائيلية العدوانية، التي تجري بصورة يومية وممنهجة، ويسقط من جرائها عشرات الشهداء والمصابين من المدنيين الفلسطينيين، يتجاوز هذا الأمر، ويكاد يرتقي إلى درجة التصعيد العسكري الواسع.
وهو ما يعني، من دون أدنى شك، أن جيش الاحتلال، وبأوامر واضحة من القيادة السياسية برئاسة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، قرر نفض يده من تهدئة غزة الهشة، التي لم تشهد منذ الإعلان عنها، في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، وحتى يومنا الحالي، أي تقدم جدي أو انفراجة حقيقية.
بل ازدادت الأوضاع الاقتصادية لسكان القطاع سوءاً، في ظل توقف شبه كامل للمساعدات الإنسانية الطارئة، إلى جانب استمرار إغلاق المعابر، ومنع أي عملية لإعادة الإعمار، أو حتى رفع ملايين الأطنان من الركام والأنقاض.
يمكن ملاحظة إصرار العدو الإسرائيلي على إسقاط التهدئة والعودة إلى مربع حرب الإبادة الجماعية في كثير من التطورات والأحداث التي تجري في القطاع المحاصر والمنكوب.
ويأتي في مقدمها ارتفاع وتيرة عمليات الاغتيال بحق نشطاء المقاومة، التي ازدادت كمّاً ونوعاً، وبلغت نسباً قياسية خلال الشهرين الأخيرين، على وجه الخصوص، ونتج منها سقوط العشرات منهم برفقة عائلاتهم وجيرانهم وعابري السبيل، من دون أي مراعاة لقوانين الحرب المنصوص عليها في المواثيق الدولية.
حملة الاغتيالات التي تشنها "إسرائيل" في غزة تجاوزت، إلى حد بعيد، مسألة استهداف قائد كبير أو مسؤول رفيع في فصائل المقاومة، بل باتت تستهدف كل من له علاقة، من قريب أو بعيد، أو صلة قرابة بناشطي المقاومة.
وهو أمر يُنظر إليه في غزة بوصفه بالغ الخطورة، وينذر بتوسع دائرة الاستهداف الإسرائيلية إلى مستويات غير مسبوقة خلال الفترة المقبلة، وخصوصاً مع بقاء أقل من مئة يوم على الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي كانت، على الدوام، سبباً في ارتفاع فاتورة الدم الفلسطينية.
تطور آخر لافت يتمثل في توسيع جيش الاحتلال المنطقة الواقعة تحت سيطرته وراء ما يسمى "الخط الأصفر". وهو أمر، وإن كان يحدث منذ بدء التهدئة، فإنه وصل إلى مستويات خطيرة خلال الأسبوعين الأخيرين، ولا سيما في نطاق مدينة غزة، التي يجري توسيع الخط الأصفر فيها باستمرار، وصولاً إلى شارع صلاح الدين.
ويشمل ذلك أيضاً مدينة دير البلح ومخيمات المنطقة الوسطى، التي يجري، للمرة الأولى، توسيع المنطقة العسكرية فيها لتشمل مساحات واسعة، ناهيك بالتحضير لفصل مناطق جغرافية عن باقي أراضي القطاع بصورة كاملة، كما حدث في رفح.
ووضع العدو على حدود رفح الشمالية، التي تفصلها عن جارتها خان يونس، بوابات حديدية تشبه، إلى حد كبير، تلك التي تقسم مدن الضفة الغربية المحتلة وقراها، في إشارة واضحة إلى رغبته في تقليص مساحة القطاع إلى أصغر مساحة ممكنة.
وقد تصل هذه المساحة، إذا بقي الحال على ما هو عليه، إلى أقل من 20%، تفصل بينها موانع وحواجز تجعلها عبارة عن كانتونات معزولة بعضها عن بعض.
وتشمل التطورات الأخرى تقليص عمل المنظمات الدولية والإغاثية إلى حده الأدنى، ما يعني زيادة معاناة سكان القطاع، إلى جانب العودة إلى تدمير المربعات السكنية، وإرغام المواطنين على إخلاء ما تبقى من بيوتهم، وحتى خيامهم البالية.
كل ذلك بات يلقي بظلال قاتمة على حياة المواطنين الغزيين، الذين كانوا يحلمون بحياة آمنة ومستقرة، ولو بالحد الأدنى.
وهو ما يعني أن الاتفاق الذي كانوا يعولون عليه لتحقيق هذا الأمر قد فشل، بل زاد معاناتهم بصورة لم تحدث من قبل، وفي الوقت نفسه، جنّب العدو الإسرائيلي حملة واسعة من الانتقادات والضغوط الدولية، التي، على الرغم من رمزيتها، كانت تمثل عامل ضغط كبيراً على الاحتلال قبيل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
في ضوء ما سبق من أحداث وتطورات، تبدو فرص صمود اتفاق وقف إطلاق النار ضئيلة جداً، ولا سيما مع العجز اللافت للوسطاء والضامنين عن إلزام العدو بوقف تصعيده أو خفض وتيرته، أو حتى مجرد تحميله مسؤولية ما يمكن أن ينتج من ذلك من تداعيات كارثية، يمكن أن تذهب بالمنطقة كلها إلى المجهول.
ويأتي ذلك خصوصاً أن الإقليم كله يقف على صفيح ساخن، في ظل العدوان الأميركي - الصهيوني على إيران، الذي من الوارد أن يتوسع، في مرحلة ما، ليشمل المنطقة كلها.
يمكننا الإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات متوقعة قد تشهدها الفترة القريبة المقبلة، وجميعها ستكون لها تداعيات وآثار في كل المعنيين بهذا الاتفاق، وإن كان الشعب الفلسطيني في غزة سيكون أكثر الأطراف تأثراً، سواء سلباً أو إيجاباً.
أول السيناريوهات هو بقاء الحال على ما هو عليه، نتيجة حرص المقاومة في غزة على عدم تمكين العدو الإسرائيلي من نسف الاتفاق بصورة شاملة، والعودة إلى حرب الإبادة الجماعية، كما يرغب نتنياهو وباقي ائتلافه اليميني المتطرف. في هذه الحالة، يتوجب على المقاومة تقبل الخسائر الكبيرة التي تقع في صفوفها، والتي تطال عدداً لا بأس به من عناصرها وكوادرها، وتحصد إلى جانبهم العشرات من المواطنين المدنيين.
ويضاف إلى ذلك خطر فقدان الحاضنة الشعبية، ولو جزئياً، وهي التي ما زالت تلتف حول المقاومة وتؤيد خياراتها، لكنها ملّت طول الانتظار، وفقدت الأمل، بصورة كبيرة، بإمكان أن يشكل الوضع الحالي مخرجاً لها من سيل الأزمات الذي يحاصرها من كل مكان.
يمكننا القول إن هذا الاحتمال، وإن كان مرجحاً لدى المقاومة حتى الآن، على أقل تقدير، فإنه يحشرها في زاوية ضيقة للغاية، ويضعها في موقف لا تُحسد عليه، بل يكلفها أكثر بكثير مما كانت تتوقع عند توقيعها الاتفاق المذكور.
احتمال ثانٍ يبدو أن المقاومة تراهن عليه، وتعتقد أنه يمكن أن يشكل مخرجاً، ولو مؤقتاً، من الأزمة الحالية، وهو تراجع وتيرة التصعيد الإسرائيلي، وحدوث انفراجة، ولو نسبية، فيما يتعلق بالحصار وإغلاق المعابر، والبدء بعمليات رفع الأنقاض وإعادة الإعمار، ولو في مناطق محدودة وصغيرة.
في هذا الشأن، يبدو أن هناك وعوداً من الوسطاء والضامنين، وخصوصاً بعد لقاءات القاهرة الأخيرة، التي أبدت فيها المقاومة مرونة كبيرة، وقدمت برامج وخططاً تفصيلية للإجابة عن مسألة "نزع السلاح".
وقد باتت هذه المسألة حجر العثرة الأهم الذي يقف في طريق الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، التي يحاول الجانب الإسرائيلي منع التقدم نحوها بكل ما أوتي من قوة. قد يعتقد البعض أن وصول طلائع قوة الاستقرار الدولية إلى بعض مناطق القطاع قد يساهم في الوصول إلى هذه الانفراجة، وأنه بات بالإمكان تمكين لجنة إدارة غزة من الدخول لمباشرة مهماتها المنوطة بها.
إلا أن الوقائع على الأرض، حتى الآن، لا تشير إلى قرب حدوث ذلك، وخصوصاً مع التعنت الإسرائيلي الواضح والملحوظ، الذي وصل إلى درجة الإعلان عن التحضير لإنشاء مستوطنات إسرائيلية شمالي القطاع، في إعادة للوضع الذي كان قائماً قبل الانسحاب من غزة عام 2005.
احتمال ثالث يراه البعض أقرب إلى الحدوث من سابقيه، ويتمثل في انهيار التهدئة بصورة كاملة، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اتفاق وقف إطلاق النار. وهو أمر، وإن كان جميع سكان القطاع، وإلى جانبهم المقاومة، لا يرغبون فيه، فإنه قد يكون خياراً إجبارياً لا غنى عنه ولا مفر منه، وخصوصاً إذا ارتفعت وتيرة التصعيد الإسرائيلي درجة أخرى.
وهو ما يرجحه كثيرون نتيجة قرب الانتخابات الإسرائيلية، التي تشير استطلاعات الرأي فيها إلى فقدان رئيس الوزراء الحالي وائتلافه المتطرف الغالبية المطلوبة لتشكيل الحكومة المقبلة، وهو الكابوس الذي يحاول نتنياهو وحلفاؤه الهروب منه بأي ثمن.
وفي حال تصاعدت وتيرة العدوان، فلن تجد المقاومة بداً من تفعيل كل خياراتها الممكنة. وهي خيارات، وإن كانت محدودة وذات تداعيات صعبة وقاسية، فإنها ستكون، من وجهة نظر البعض، أفضل بكثير من بقاء الحال على ما هو عليه.
على كل حال، قد تبدو الأوضاع في قطاع غزة كارثية ومأساوية بصورة لم تحدث من قبل، وقد تبدو خيارات سكانه، الذين يعانون الأمرّين، شبه معدومة، وقد تبدو الخيارات التي يمكن أن تذهب نحوها المقاومة انتحارية وعلى درجة كبيرة من الخطورة. إلا أنه، في بعض الأحيان، قد تضطر الشعوب وحركات التحرر فيها إلى الذهاب إلى أبعد الحدود وأكثرها خطورة، لتدارك ما يمكن تداركه، وللخروج من حالة المراوحة نحو حلول حقيقية ومستدامة.